المقالاتثقافة وأدب

العلاقة التربويَّة بالمدرسة التونسيَّة زمن الاستعمار في “خمس عشرة جدَّة وحفيد واحد”

تثير رواية ” خمس عشرة جدّة وحفيد واحد ” للكاتب علي الخريجي لدى قارئها مزيجًا من الإشادة والإكبار للجهد التوثيقي والإبداعي الكبير الذي بُذل فيها، لكن أيضا تساؤلات واستفسارات لا حدّ لها. فهي ثريَّة تزخر بالأحداث التاريخيَّة والمواقف الاجتماعيَّة التي تجعلنا نعيش مناخات الماضي وأجواءه المتنقلة بين الوهاد ومناطق العمران الريفيَّة منها والحضريَّة، وتنعش ذاكرة البعض فيستعيدون حقبا وفترات متلاطمة من تاريخهم الشخصي يتماهون فيها مع الشخصيات الرئيسة لهذه الرواية فتنتشي أرواحهم بعبق الماضي الذي يمثِّل جزءًا من شخصياتهم.

لذلك تعبق هذه الرواية بالشجن الذي يفرض على قارئها مراجعة عديد المقاطع وإعادة قراءتها والتوقُّف عندها تتلاطم في ذهنه أمواج الذكريات الزاخرة بصور الخلان والأتراب. قارئ رواية على الخريجي ” خمس عشرة جدّة وحفيد واحد ” المنتمية أحداثها إلى إحدى عشريات القرن الماضي الأولى يلاقي في كل صفحة وفصل قيمه التي تربَّى عليها وعاداته التي خبرها وأحداثًا كثيرة عايشها أو أُخبر بها، وتعترضه كذلك شخصيَّات مألوف سلوكها لديه تلزمه بالوفاء والإكبار وتجعله يسترجع الوقائع التي مرَّت بها والمعاناة التي كابدتها. أما القارئ المنتمي لغير ذاك الزمن فستكون له هذه الرواية معبرا إلى تاريخ بلده وذويه الذي فاته، تكتمل معرفته به وبأحداثه وقيمه وعوائده وينتبه إلى ما غاب عنه من ماضي جهته وذويه.

وإلى كل ذلك يضاف الأسلوب السلس الذي كتبت به الرواية ومحسناته الأدبيَّة والبلاغيَّة وكذلك المقاطع الفكهة والطريفة التي عجّت بها فجعلت قراءتها مشوقة، حملتني شخصيا إلى مقارنات شتَّى مع عديد الإبداعات الأدبيَّة المشهورة، ولا غرابة في ذلك ولا مبالغة عندما نعلم أنَّ كاتبها متمرّس بجميع أشكال الإبداع الأدبي من رواية وشعر وقصّة. ولذلك بدت لي هذه الرواية جديرة بالتقييم والمتابعة من مداخل شتَّى تذهب بها في مختلف منافذ التقييم اخترت منها شخصيًّا المسألة التربويَّة لأسباب ودوافع ذاتيَّة معلومة تعود إلى الاهتمامات والتخصُّص الشخصي.

1 – توصيف الوضع التربوي:

التلميذ، بطل الرواية، هو عبد الحفيظ…. التحق بالمدرسة وعمره 10 سنوات حسب تقدير الخليفة لانعدام الحالة المدنيَّة الصحيحة. قبل ذلك التحق بالكتَّاب لمدَّة يوم واحد قضى أكثره معلقا ” للفلقة ” لا لشيء إلا لأنَّ المؤدب يكره عمه محمد الأعور.

التحق بالمدرسة سنة 1934 بعد تدخّل من ” شيخ التراب ” بما يعني أنه مولود سنة 1924، ليلة محاولة تهريب الدغباجي من سجنه بمارث (ص 27)، عام وُلدت الناقة التي سقط من على ظهرها ذات مرّة عندما بدأ يتعلم ركوب النوق. إثر هذه الحادثة منعه والده من رعيها حتى لا يركبها من جديد خوفا عليه من السقوط مرّة ثانية. وبالتالي لم يبق له ما يفعل بالمنزل فألحقه والده بالمدرسة.

والملاحظة هنا أن الدراسة مسألة عرضيَّة وثانويَّة جدا في تراتبيَّة الغايات الاجتماعيَّة بشكل عام. الغاية هنا حسب الوالد هي إقدار الطفل على ” فكِّ الخطّ ” حتى يجد من يقرأ له الرسائل أو حجة ملكيَّة أو يميّز له بين صداق زوجته وعقد شراكة بقرة. أما غاية أمّه فهي أن يصبح عبد الحفيظ مؤدب صبيان (ص 31 / 32) أو معلما يضمن لوالده حجّة ولأمّه أن تصبح والدة موظف تفخر به أمام نساء القرية (ص 32) وبالتالي من سيدات القوم التي يمكنها أن تخطب لابنها فتاة من عائلة وجيهة أو من ” الجماعة الكبار “. وهنا تبرز الأم أكثر طموحا وتريد أن تجعل من دراسة ابنها مصعدا اجتماعيا فعلا يخلصها من ضنك العيش ومن ” وضاعة ” المقام الاجتماعي، رغم محدوديَّة أفق هذا المصعد الذي لا يتجاوز رتبة معلم الموجودة أصلا في أسفل السلم الوظيفي والإداري. أمَّا غاية المرأة المتعلمة فهي أن يكون لها حظّ أكبر في الخطبة والزواج ” لأنها متعلمة ” مثلما هو حال سليمى زوجة المعلم ” سي كريم ” التي تحفظ ربع القرآن (ص 115). وهذه أقصى غايات الفلاحين الصغار وأبنائهم. وهنا نلاقي بيار بورديو وباسيرون وغيرهما من علماء الاجتماع الذين أكدوا أن التربية تساهم في إعادة إنتاج التمايز الاجتماعي الطبقي وتثبته. وهو ما وافقهما فيه عديد علماء النفس الاجتماعي.

كان عبد الحفيظ تلميذا منتبها وذكيا سمح له مستواه الدراسي بالقفز من السنة الأولى إلى الصفّ الثالث خاصة وأن كبر سنه وطول قامته يسمحان له بذلك (ص 35) وكذلك بدليل أنه من ضمن الخمسة الناجحين في شهادة ختم الدروس الابتدائيَّة، رغم فقره البادي في البلغة التي ينتعلها بمساميرها التي تلسع قدميه من كل مكان (ص 33) وفي قميصه المتسخ الذي سكن طوقه القمّل مثل بقيَّة التلاميذ ممّا استدعى رشّ جميع الأطواق بالمضاد الحشري دي دي تي DDT،  وإلزام جميع لابسيها بشد أزرارها حتى لا تتسرب منها العدوى لأبناء الفرنسيين. فما هي نوعيَّة التربية التي يتلقاها التلاميذ؟ وما هي سماتها؟

2 – تربية الأطفال في المجتمع التقليدي المستعمَر :

خضع عبد الحفيظ إلى تربية أسريَّة ومدرسيَّة مزدوجة. فالمدرسة تكمل ما يتلقاه الأطفال من إحاطة ورعاية وضبط اجتماعي من طرف عائلاتهم وتزيد عليها تلقينهم مبادئ المدرسة وإخضاعهم لتقاليدها وقوانينها وتغرس فيهم قيما تطوّر ما يعايشونه مع أسرهم وتمدّهم بمفاتيح المستقبل المنغلق على غيرهم. وعلى ذلك تبنى شخصياتهم وتكتمل ويرتقي سلوكهم ويتهذّب ويتطور آداؤهم في مستقبلهم المهني والاجتماعي.

وهنالك طرف ثالث يبرز أحيانا لبعض الشبان مثلما حدث مع عبد الحفيظ، يساهم هو الآخر في تربيتهم وضبط سلوكهم ونحت شخصيتهم ولو بشكل متقدم، هو الجنديَّة التي يلتحق بها الشبان الذين وقع إلزامهم بأداء الخدمة العسكريَّة بعد أن اشتد عودهم حتى وإن كان عمرهم الإداري المعلن سبعة عشر سنة فقط مثلما حدث لبطل هذه الرواية.

3 – سمات العلاقة التربويَّة من خلال الرواية :                  

تشترك هذه الأنواع التربويَّة في عديد السمات المتبادلة التي تسبغ عليها جميعا طابع العنف والقسوة والتشدد مع الطفل رغم غضاضته الجسديَّة وعدم نضجه الفكري. فالمعلم يصفع التلميذ على الخدّ بسبب القمّل (ص 25) أي يعاقبه لفقره وفقدانه أساسيات النظافة، ويصفعه كذلك لأنه اشتبه أنه من ضحك بصوت عال مجلجل ظلما ودون تثبت. ووالده يصيح في وجهه ويصفعه أيضا حتى يتبوّل على نفسه وينهره ويعيّره أمام المدير الفرنسي قائلا ” عارفك ما تجي شيء ” ويهدده بكسر رأسه لأنه كتب بالفحم على حائط المدرسة ” تحيا تونس وتسقط فرنسا vive la Tunisie , mort la France ” بدل أن يهذّب فيه هذه الروح الوطنيَّة وينمّيها. وبذلك يكون الأب قد ضحّى بابنه أخذا بخاطر المدير الفرنسي الذي استدعاه لتنبيهه إلى خطورة ما كتبه عبد الحفيظ على الأمن العام وعلى نظافة سجلّ العائلة عند السلطة العسكريَّة بالقرية (ص 25). وبذلك يتحالف المعلّم والأب على هذا الطفل المسكين ويشبعانه عنفا جسديا ومعنويا دون رأفة ولا تفهّم. كما يمطرانه إهانة وإحباطا. وأمام ذلك لا يقدر الطفل إلاّ على البكاء فتختلط دموعه بمخاطه ولا يجد غير لسانه يرفعه فوق شفته العليا نحو منخريه يسحب منهما بعضا من تلك السوائل الباردة إلى فمه، فيلمظها قليلا ثمّ يبتلعها (ص 33).

وتربية كهذه لن تورث في نفسيَّة الطفل، طبعا، غير الكراهيَّة والحقد على معلمه وعلى جميع من ضربه وتجعله ينفر من الدرس وينقطع عنه، وفي أفضل الحالات يتمنى غياب المعلّم أو يمتنع عن التفاعل الإيجابي معه ويتراخى عن أداء واجباته المدرسيَّة.

كما تتَّسم التربية المدرسيَّة التقليديَّة التي تلقَّاها عبد الحفيظ بالمحاباة، وهو شأن معلِّم العربيَّة، سي عبد العزيز، مع البنت ” خضرة ” ابنة زميله ” سي كريّم “، أجلسها الطاولة الأولى، حفظ اسمها بسرعة وصار يفضِّلها على الآخرين ويكلفها بأنشطة القسم الموازية مثل توزيع الكراسات وجمعها، جلب الطباشير من مكتب المدير وحمل أغراض المعلّم هناك وجلبها إلى القسم، وهو ما سبب غيرة لدى عبد الحفيظ الذي يرى نفسه الأجدر بهذه المهام الموازية لأنه مجتهد أيضا وطويل القامة ويقاسمها نفس الطاولة. أما لدى بقيَّة التلاميذ فقد أورثت هذه المحاباة تهامسهم وأنتجت أهزوجة يردِّدونها في الساحة ” هيّا خضرة، خوذي خضرة، هاتي خضرة… “. وبذلك ترتسم طبيعة العلاقة التربويَّة بين المعلِّم وتلاميذه بين الغيرة والتهكُّم.         

وعندما تغيّبت ” خضرة ” كلَّف المعلم سي عبد العزيز التلميذ عبد الحفيظ بهذه المهام، فاستغل هذا الأخير الفرصة للتلصص على وثائق معلمه واكتشف أنه من قراء جريدة ” الوزير ” ذات الالتزام الوطني المناهض للاستعمار الفرنسي ويحتفظ بنسخة منها بمحفظته. واطَّلع عبد الحفيظ على فحوى إحدى المقالات فاكتشف أخبارا ومفاهيم ومصطلحات أخرى مثل: احتجاجات، المقيم العام الفرنسي، المبعدون، قادة الحزب الجديد، الحزب الشيوعي، سياسة العسف، القوّة، الترهيب، عودة الهدوء للبلاد… الخ. ولمَّا انتبه المعلم إلى فعل تلميذه هذا وتأكّد أن سرّه قد انكشف غيَّر تعامله معه إلى سلوك آخر يداري به انزعاجه من الأمر هو سلوك التودُّد والتقرب والملاطفة، بسؤاله عن أحوال عمّه محمد وتحميله رسالة مشفرة له يدعوه فيها لموعد الجمعة (64) : ” بلّغ سلامي إلى عمّك محمد، وقل له ” سيدي عبد العزيز ” يقولك إمام الجمعة سيأتي بخطبة حول نواقض الوضوء فلا تكثر من لحم الجمل وربما عرّج إلى مواضيع أخرى لا تقلّ شأنا “. وكان قبل ذلك أفهمه معنى ما اطلع عليه بالجريدة وأعلمه بخطورته ومآلاته طالبا منه عدم اطِّلاع بقيَّة التلاميذ عليه (ص 63).

وحتى يأمنا شرّ الطفل ويضمنا عدم بوحه بشيء للآخرين، عمدا الاثنان المعلم ” سي عبد العزيز ” والعمّ ” محمد الأعور ” إلى استقطابه وتوريطه في أنشطتهما الوطنيَّة المناهضة للاستعمار وذلك بتوظيفه وتحويله إلى وسيط أو ساعي بريد يحمل الرسائل بينهما. وقد انتشى الطفل بهذه العلاقة بين المعلم وعمه بعد أن تأكد أنه من معارفه المقربين، خاصة وأن عمه أصبح يظهر له بعض اللطف ويرد عليه التحيَّة قائلا ” الله يسلمك ” بعد أن كان يزدريه كغيره من أبناء المدارس الذين ينعتهم بالبغال وبأنهم لا يقدّرون قيمة الأرض، وأن سواعدهم لم تأنس الأعمال الفلاحيَّة الشاقَّة (ص 135). وهو لم يسبق أن شكره عن شيء وكان يطلب منه دائما عدم الاهتمام إلا بدراسته. ووجد الطفل في هذه العلاقة بلسما يداري به أيضا قسوة والده التي لا حدّ لها، وصارت كلمات عمّه الودّيَّة تفتح بابا في نفسه، باب الرضا عن الذات والثقة بالنفس والشعور بالقيمة. أما الأب فإجابته المعتادة التي حفظها الطفل وخبر توابعها هي: ” انطق يا بن الكلب حتى لا أكسر رأسك ” وينعته دائما بأنه عديم الفائدة. وتمادى الطرفان، العمّ والمعلّم، في متابعة الطفل وتأطيره حتى ورطاه أكثر في أنشطتهما النضاليَّة ضدّ المستعمر إلى درجة اصطحابه ” إلى قابس لمظاهرة نظَّمها الحزب تعبيرًا عن غضب الناس من سياسات المقيم العام والعسكر الفرنسي ” (ص 76) انتهت بإيقاف الرجلين وفرار الطفل وعودته وحيدا وراجلا إلى مارث في الليل المدلهمّ. أليس في ذلك جنايَّة على الطفل أم أنّ الغايَّة تبرر الوسيلة ؟ وإلى أين آلت هذه الخيارات التربويَّة بعبد الحفيظ؟ أليس إلى حرمان أبدي من الوظيفة بسبب مسؤوليات عمّه الدستوريَّة الحزبيَّة وتستره على من هاجم الثكنة العسكريَّة الموجودة بالقرية (ص 132) فذهبت إجتهاداته سدى وصارت جهوده بلا أفق ممّا حطّم كل أحلام الأم قبل الإبن وآلت بهذا الأخير إلى الجبال صحبة المجموعات العسكريَّة المقاومة للاستعمار.

تصطبغ العلاقة التربويَّة أيضا حسب هذه الرواية بالميز والعنصريَّة التي تبرز خاصة في سلوك الفرنسيين ومنهم الطبيب الذي يزور المدرسة مرتين في السنة، إذ يضع أبناء الفرنسيين في صفّ وأبناء التونسيين في صفّ آخر. كان يفحص من الصف الفرنسي تلميذين ويأخذ من الصف التونسي تلميذا واحدا. يقول للتلميذ الفرنسي أنت في صحة جيدة وللتونسي أنت مريض ومرضك معد… ابتعد، وأحيانا لا ينظر إليه حتى مجرد النظر، وهو ما فجّر غضبا في صفوف تلاميذ المدرسة التكميليَّة بقابس وتعاطف معهم تلاميذ الفرع الزيتوني ( 74).

وهكذا ترتسم ملامح العلاقة التربويَّة بهذه المدرسة: مسؤولون فرنسيون عنصريون ومعلمون تونسيون لا يبتسمون مطلقا إلى درجة أن تلاميذهم صاروا يشكون في أداميتهم كما جاء على لسان التلميذ عبد الحفيظ الذي أضاف مستغربا ” كأنَّما الابتسامة حرام في دينهم. وكيف يبتسمون وهم في نظرنا كائنات منزّهة عن أفعال البشر ” (ص 92) ورائدهم في التعالي وفي العلاقة العموديَّة ” سي كريّم ” الذي وقع اختياره رئيسا للشعبة الدستوريَّة المحدثة جديدا بالمنطقة. فهو شخص شديد الملامح يدرس قسم السادسة ويعاقب تلاميذه لأبسط الأخطاء في النحو والصرف والإملاء، من مآثره، وهو الزيتوني الحامل لشهادتي ” الأهليَّة ” و” التحصيل ” من الجامع الأعظم، أنه يؤمن بحق البنت في التعليم وسمح بذلك لابنتيه ” خضرة ” و” سعاد ” لكن اعترض على زواجهما حسب رغبتهما، فأرغم الأولى على الزواج من ابن أخيه الذي لا تطيقه، أما الثانية فقرّرت الهروب مع عبد الحفيظ، بطل روايتنا هذه عندما كبر، الذي استعاض بها عن الفتاة التي اختارتها له أمّه لأنها ابنة خالها. وبذلك أكد سي كريّم بعده عن بورقيبة الذي يعارضه وقربه من الثعالبي ومن أفكاره، وهنا مفارقة فعلا لرئيس شعبة دستوريَّة تنتمي للحزب الجديد تضاف إلى تناقضاته السلوكيَّة الأخرى.

ماذا بقي من فرحة إذن لهؤلاء التلاميذ؟ لعل الأجدر أن نتحدث عن فرحة المدير والمعلمين يوم نجح خمسة من تلاميذهم في شهادة ختم الدروس الابتدائيَّة، ممَّا شجَّع المدير على أن يوصل هؤلاء الناجحين بسيارته أمام منازلهم بعد أن أشبعهم فطائر من ماله الخاص إكراما لهم. تربية تؤمن بالنتائج وليس بالمشاعر، أي تجتهد من أجل هدف مادي وتُضيع مساربه. هدف ثمين جدا لأنَّه يفتح أبواب التوظيف الحكومي أمام من يحقِّقه. وهنا مفارقة أخرى أيضا.

بهذا تتَّضح مسارات العلاقة التربويَّة التقليديَّة التي تكشفها رواية علي الخريجي ” خمس عشرة جدة وحفيد واحد” واجتمعت فيها جميع السلبيات والمثالب من العنف المادي والمعنوي إلى الإحباط والكراهية والحقد والعنصريَّة فالتودُّد والتقرُّب والمحاباة والإهمال وعدم المتابعة الصحيَّة والاجتماعيَّة ثم الاستقطاب والتوظيف السياسي. أما البريق اللامع في هذه التربية فهو خاصة نضاليتها. فهي تربية مقاومة، ملتزمة بالقضيَّة الأساسيَّة لشعبها وتخليص البلد من هيمنة الاستعمار الفرنسي. الوطنيَّة والنضاليَّة هي الروح المبثوثة لدى جميع المعلمين تقريبا وتلاميذهم بقرية مارث حتى وإن تعكرت جميع المناخات التربويَّة. وساءت فيها الحياة المدرسيَّة بجميع عناصرها باستثناء تفاعلاتها هذه مع المسألة الوطنيَّة وغرس حب الوطن والتضحيَّة من أجله في هؤلاء اليافعين.

ويبقى السؤال المتجدِّد: بأي قلم خط علي الخريجي هذه الرواية؟ بقلم الماضي المستكين تحت هيمنة الاستعمار؟ أم بقلم الحاضر المنتشي بمكاسب الاستقلال؟ فما أشبه حياتهم التربويَّة الماضية بحياتنا التربويَّة الحاضرة حتى لكأنما التاريخ يعيد نفسه فعلا ويخط من جديد صفحته السيئة.    

_____

محمد رحومة العزي

قابس 25 / 11 / 2021 

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات