المقالاتفكر وفلسفة

نقد الحداثة عند هوسرل

ملخّص:

يتواصل نقد الحداثة منذ ما يزيد عن قرن ونصف، ولقد حافظ بعض نقَّادها على انتمائهم إليها في حين أعلن البعض الآخر إمَّا الارتداد عليها نحو  رؤية  عدميَّة مطلقة مثلما هو الحال عند نيتشة، أو الارتداد نحو حالة من التشكيك في بعض مقوّمات الحداثة، مثلما هو الحال عند أقطاب التشكيك كماركس وفرويد،  أو الاقتصار على نقد لمرتكزات الحداثة من داخلها، كما هو الحلّ عند مدرسة فرنكفورت الفلسفيَّة.

ومنذ سبعينات القرن المنصرم برزت حركة فكريَّة موسَّعة اصطلح على تسميتها  في سجلات متعدّدة بما بعد الحداثة وشملت قطاعات متعدِّدة انصبَّت على مراجعة الحداثة. ومهما كانت أهميَّة هذا النقد الفلسفي للحداثة، فإنَّه لا يمكن إغفال الأهميَّة التي حظيت بها الفنمنلوجيا عامَّة، والفنمنلوجيا الهوسرليَّة على وجه الخصوص باعتبارها ثمرة لمراجعة فلسفيَّة للحداثة ومحاولة لتجاوز أزمتها، خاصَّة وأنَّ هوسرل قد ذهب بعيدًا بالعودة بنقده إلى الركيزة الفلسفيَّة الديكارتيَّة، وهي فلسفة الذات التي لم تفتأ تعتقد في وجود ذات مستقلَّة تطمح في كل شيء إلى “العلم ” وتسعى إلى السيطرة الكاملة على ما تفعله، والركيزة العلميَّة الجاليليَّة المتمثِّلة فيما قام به جاليلي في القرن السابع عشر من ترييض الطبيعة حيث روَّج العلم الفيزيائي  عند جاليلي إلى عالم رياضي دقيق ومحدَّد تمامًا لهذه المنظومة الحضاريَّة والثقافيَّة.

الكلمات المفاتيح:

الحداثة،هوسرل، الفنمنولوجيا، ما بعد الحداثة،فلسفة الذات الديكارتيَّة.

مقدِّمة:

 واجهت الحداثة حركة نقديَّة وتشكيكيَّة  وضعت موضع سؤال ما  يتعلّق بجوانب متعدّدة من معماريتها، فبرزت كمعاداة لفكرة المطلق ورفض لقيم معيَّنة كالحقيقة نتيجة الإقرار بالنسبيَّة الذي اخترق كل المعارف المعاصرة. ويعدّ نيتشة  بعدميته من أكثر نقاد أوثان الحداثة كالعقل والحقيقة والعلم والحريَّة والديموقراطيَّة. ولقد هاجم نيتشة فكرة المعنى ودافع على أن الحياة بلا معنى  وأن الحقائق الاخلاقيَّة والدينيَّة هي مجرد أوهام نسينا إنها كذلك، ولم تكن  الفرويديَّة  أو نظريَّة التحليل النفسي أقل تأثيرا في هذه الموجة النقديَّة، حتى إنها أحدثت ثورة دمرت مركزيَّة الوعي  وأولويَّة الذات المفكرة وأعادت تحديد مقومات الشخصيَّة، وتواصلت الحركة النقديَّة حتى مدرسة فرنكفورت التي حاولت في مراجعتها النقديَّة للحداثة تقديم توليفة بين النقد عند  امانوال كانط والنقد الماركسي،  وركزت خاصة على الإديولوجيا وطابعها  مستفيدة من علم النفس وعلم الاجتماع والإرث الفلسفي الهيقلي والماركسي.

وسيكون للتفكيكيَّة وفكر الاختلاف بصمته الخاصة بفلسفة ما بعد حداثيَّة عرفت مع افكار دريدا ورولون بارت وغيرهما. ورغم أهميَّة هذه التوجهات النقديَّة،  فإن مساهمة الفيلسوف الألماني  إدموند هوسرل الفلسفيَّة تبقى ذات طابع خاص،  لكونها اهتمت بالجذور الفلسفيَّة لأزمة الحداثة وعادت للبحث في جذورها الديكارتيَّةولقدخصص هوسرل مؤلفا هاما لنقد الحداثة وهو “أزمة العلوم الأروبيَّة والفنمنلوجيا المتعالية  وهو عمل أنجزه هوسرل بين سنتي 1934 و1937 ومثل في الحقيقة استكمالا لمسار نقدي طويل يعود إلى العشريَّة الأولى من القرن العشرين، فمنذ مقاله “الفلسفة كعلم صارم ” الذي يعود إلى سنة 1910-1911 نلاحظ تشكل وعي لدى هوسرل بحالة التشتّت والانحطاط التي أصبحت عليها العلوم، وينشا عنده اتهام للعلماء بإصابتهم بحالة عماء تجاه مناهجهم وغياب مراجعة هذه المناهج  مراجعة نقديَّة، داعيا بذلك إلى تيقظ دائم وإلى عدم قبول أي شيء إلا بعد إخضاعه لمعول النقد.

 وما أن جاءت العشرينات من القرن المنصرم حتى انضاف إلى هذا الوعي بأزمة العلوم الاروبيَّة وعيا أرحب بأزمة  تاريخيَّة وسياسيَّة يعيشها العالم المعاصر،  وسيكون مقاله الذي هو في الأصل محاضرة بعنوان ” أزمة الإنسانيَّة الاروبيَّة والفلسفة الذي ظهر بمدينة فيينا  في 7 ماي 1937 بمثابة “بيان ” حول الأزمة.  يبدأ  كتاب أزمة العلوم الأروبيَّة بنقد الأزمنة الحديثة وما تختص به من فرديات هي أصل كل أمراضها. وهذا يبين لنا أن هوسرل يجعل من هذا النقد متصدّرا لمشروعه الفلسفي المتمثل في  إبراز إفلاس العقل والغطرسة البروميثيانيَّة للإنسان، والويلات التي أفرزها التقدّم الأعمى وفقدان التقاليد وتفكك الروابط المجتمعيَّة وتسليع وتبضيع لكل شيء وانتصار “للعلم التكنولوجي ” على ما عاداه، وانتشار الأشكال المتعددة من الاغتراب وما إلى ذلك، وهو كتاب يتنزل في نفس السياق النقدي مع كتاب التأملات الديكارتيَّة الذي يشخّص فيه حالة الفلسفة في وقته وقد فقدت وحدتها، فعوض أن نجد فلسفة واحدة وحيَّة – يقول هوسرل – نجد إنتاجًا لا حدّ له ولكنه يفتقر إلى الوعي بأهدافه والى اللحمة الداخليَّة.

لم يكن هذا النقد ببعيد عما سينشأ من جدل حول الحداثة وضرورة تجاوزها نحو ما بعد حداثة تخلّصها من كل ذلك.  والملاحظ أن أهميَّة هذا الكتاب قد جعلت منه يمثل منعطفا فلسفيا رئيسيا في نقد الحداثة نقدا شموليا  تعلق بمشروعها الاصلي الذي يعود إلى كل من ديكارت وقاليلي  وهو أمر نبه إليه الكثيرون، من ذلك جون فرنسوا ليوتار(  1979  Lyotard ; ) وجياني فاتيمو (Vattimo,  1987) ويورغن هابرماس(Habermas1981, 950-967. ).

ولكن من الواضح أيضًا أنه بشكل عام، وبعيدًا عن هذا التركيز المحدد جيدًا للمناقشة على موضوع دقيق، فإن سجل نقد الحداثة يفرض نفسه، دون أن يلاحظ أحد بطريقة ماكرة من خلال هيكلة أقسام كاملة من التفكير النقدي المعاصر. ومن الطبيعي الآن تعبئة هذه الفئة والمنظور النشوئي الذي ينطوي عليه للتفكير، كما لو كان من موقع إغفال في  هذا العصر بشكل عام وهو ما أشار إليه ميشال هنري ( Henry, 2004)   ويورغن هابرماس  ( Habermas, 1973 ) وحنا أرندت (  Arendt, 2001)   وبلومبارغ(    Blumenberg1999) ومارسال غوشيه(  Gauchet 1994 ) وألان رنو(Renault,  1991.).

أو في  علاقة ببعض المشكلات المعاصرة بشكل خاص مثل مشكلة التربية وما لحقها من أزمة كانت لها تأثيرات نجحت حنا أرندت في كشفها. واصل مارسال غوشيه ورينو التفكير في سياق ما طرحته حنا أرندت حول التربية  وعلاقتها بأزمة  الحداثة خاصة في كتابه الديموقراطيَّة ضد نفسها( Gauchet,  2002 )،  ثم ألان رنو في كتابه  تحرير الأطفال،مساهمة  فلسفيَّة من أجل تاريخ للطفولة ( Renault, 2002.).

كيف تناول هوسرل الحداثة؟ وما هي جذور أزمتها عده؟ وكيف تمثل الفنمنلوجيا منفذا لتجاوز هذه الأزمة؟

خصوصيَّة النقد الهوسرلي للحداثة:

بالنسبة إلى بعض المتأخرين يمثل نقد هوسرل للعلم والفلسفة الحديثين لا يبدو أكثر من مجرّد اختلاف بسيط  داخل إيديولوجيَّة مشتركة على نطاق واسع، وهو موقف واحد من بين مواقف أخرى داخل مساحة مشتركة تزدهر داخلها التفسيرات المتباينة للحظة تاريخيَّة ذات ملامح مشوشة لا غير.

ومع ذلك، فإن نقد هوسرل للحداثة، إذا نظرنا إليه عن قرب،  قد يقدم ما يكفي من الأصالة  لتأكيد تمييزه. وسنلاحظ بالتالي أن المفارقة الأولى التي يطرحها هذا النقد تتعلق بطبيعة التشخيص الفردي الذي صاغه هوسرل حين بيّن : أن “الإنسانيَّة الأوروبيَّة ” كانت في أزمة زمن هوسرل وهي حقيقة لا جدال فيها ولكنها، على أقل تقدير، من المثير للدهشة أن نرى هوسرل وهو يحدد أصول هذه الأزمة في الانحراف الموضوعي لعلم حديث معين، مما يؤدي على ما يبدو إلى إزاحة البعد السياسي والاجتماعي بأكمله للأزمة  على مقام ثانوي من حيث التأثير على الرغم من أنه كان واضحًا في عام 1936 الذي أتيحت لهوسرل بالفعل الفرصة للحديث عنه في المقال الشهير عن “التجديد ”  الذي كتبة لمجلة Kaizo كيزو (Husserl,2005. )الألمانيَّة اليابانيَّة.

وهناك تفرّد آخر يكمن بلا شك في إعادة التأكيد ضد كل احتمالات لعقلانيَّة معينة، حيث يتناقض النقد الهوسرلي بشكل جذري مع الانتقادات المشككة أو المتشائمة أو العدميَّة تجاه العقل الحديث التي تسارع جميعها إلى إدانة عجز العقل عن حل الأزمة.  فبالنسبة لهوسرل، الهدف الأساسي لتحليلاته هو بالأحرى إيجاد طرق لاستعادة قيمة العقل وليس ترديد خطبة جنائزيَّة تعلن وفاته، وهذا لاستعادة الثقة في الفلسفة لحل أزمة هي، في جوهرها، أزمة تشكيك( Dastur, 2003, 13-22).

وأخيرا هناك تفرد  آخر في نقد هوسرل للحداثة يرجع إلى إعادة التأكيد على حقوق فلسفة الذات التي كان من الممكن أن يعتقد المرء أنها عفا عليها الزمن، كما لو أن “الذاتيَّة ” المتجدّدة لا تزال تشكل علاجا للأزمة. و هذا هو ما وعدنا به منذ البداية مع اكتشاف الأنا المتعالية بطريقة الاختزال. ولكن، بالنظر إلى حجم الأزمة، هل ما زال يكفي الدفاع عن فكرة الذات المستقلة، التي لديها وعي كامل بذاتها، وتطمح في كل شيء إلى “العلم ” وتسعى إلى السيطرة الكاملة على ما تفعله؟

ولكن من الممكن أن يكون  هذا النهج الأول ليس هو النهج الصحيح وأنه لا يسمح لنا حقًا بتحديد خصوصيَّة التأملات الهوسرليَّة. لأن هذه السّمات القليلة البارزة في نقد هوسرل للحداثة ربما لا تكون كافية لتبديد الانطباع الأول بأن ما يقدّمه هو مجرّد ابتذال. ويبدو نقد هوسرل، للوهلة الأولى، ليس سوى نقد واحد من بين انتقادات أخرى للحداثة، كما كان بالفعل في ذلك الوقت إذا وضعنا نقد هوسرل في  سياق النقد الثقافي  الذي انتشر في السنوات العشرين الأولى من القرن العشرين في ألمانيا بالذات أو ما هي عليه اليوم  الذي تنتشر فيه أكثر الخطابات النقديَّة للحداثة.

وعلاوة على ذلك، يمكننا قراءة هذا النقد على أنه إعادة تأكيد خالصة وبسيطة للمشروع التوجيهي للحداثة الذي لم تنقطع عنه  الحداة قطعا. وبمعنى ما، فإن نقد هوسرل للحداثة لا ينوي في الواقع استبعاد نفسه منها أو تجاوزها، بل بالأحرى تحقيقها وإكمالها، من خلال إعادتها إلى ما كان يمكن وينبغي أن يكون معناها الحقيقي. وإلى هذا الحد، لا يمكن فهم نقد هوسرل للحداثة على أنه مساهمة ظاهراتيَّة في مجموعة انتقادات ما بعد الحداثة للحداثة،  ومع ذلك فهو يعرّض نفسه أيضًا للّوم والاتهام بالقصور والسذاجة والعجز: فهل نقول حقًا أننا “ “ننتقد ” الحداثة إذا ادعينا إظهار معناها الحقيقي وجعل تحقيق ما لم يحققه التاريخ ممكنا؟

إن إعادة قراءة التأملات الهوسرليَّة المتعلّقة بالحداثة تتطّلب بلا شك أن نمارس شكلاً من الأبوخيَّة  ؛ أي وضع كل ما لم يُبرهَن عليه بطريقة يقينيَّة بين أقواس فيما يتعلق بالأماكن المشتركة لأزمة الحداثة. ولذلك، ينبغي للتفسير المشفق على الحداثة، قبل كل شيء، أن يسمح لنفسه بالفحص الدقيق لطرائق معالجته الظاهراتيَّة. فكيف تثير أزمة الحداثة قلق الفينومينولوجي ؟ وما هي خصوصيَّة النظرة الفينومينولوجيَّة في هذه اللحظة من التاريخ وما هي مواردها ؟ ومع ذلك، بعيدًا عن البحث عن الحل للأزمة، فإن انزعاجنا ينمو على الفور إذا وضعنا أنفسنا في هذا المنظور الظواهري الصارم وإذا تذكّرنا ما قد تكون متطلباته من حيث الدقة المفاهيميَّة، ذلك لأن الظواهر قدّمت نفسها بوضوح كمحاولة لإصلاح  جملة مفاهيمنا بأكملها. وإذا كان هذا الطموح يبدو مفرطا إلى حد ما فيجب علينا على الأقل أن نعترف فيه بنوع معين من التحليل المفاهيمي. والآن يبدو من المدهش،بهذا الصّدد، على الأقل أن نرى هوسرل يحشد مفهوم “الحداثة ” لجعله العنوان الذي تتطوّر تحت مظلّته اعتباراته التاريخيَّة النقديَّة للحداثة نفسها، وبالتالي السماح للمفهوم بالعمل وهو  العمل الذي كان يسميه في مكان آخر  مفهمة “ساذجة ” بما يسمح بأن نسميه بلاغة ودراما  لخطاب الأزمة الذي يبدو أنه يتغذى من نفسه لأنه عندما لا يتم استخدامه لتعيين فترة محددة بدقة، كما  يقوم به المؤرخون الذين يمتلكون الحكمة للقيام بذلك، من خلال تحقيبهم بدء الحداثة تقليديًا مع الاستيلاء على القسطنطينيَّة عام 1453 ووضع نهايتها مع الثورة الفرنسيَّة، فإن مفهوم الحداثة سيتعرض دائمًا لخطر الحداثة ويبقى موضع شك في وجوده ضمن فلسفة تقريبيَّة للتاريخ لا غير. وهكذا فإن مفهوم الحداثة، بسبب طابعه المزدوج المتعدد المعاني والجدالي  في نفس الوقت، هو أحد المفاهيم التي ينبغي للفيلسوف العاقل أن يحذر منها، أو على الأقل من المناسب أن يتوخى الحذر الشديد تجاهها.

وهنا يطرح السؤال كيف يمكننا إذن أن نفهم أن الفيلسوف هوسرل الذي يطمح إلى الكمال “العلمي ” للفلسفة  أن يتحمل مثل هذه الأداة المفاهيميَّة المشكوك فيها؟ وما هي الشرعيَّة الفينومينولوجيَّة لمفهوم “الحداثة “؟  فما هي إذن المشكلة الفينومينولوجيَّة التي يجب أن يشير إليها استخدام مصطلح “الحداثة “؟

والآن، من خلال التحقّق في هذا السؤال الأخير، وهو المحتوى الفينومينولوجي الصحيح لنقد الحداثة، يمكننا أن نأمل في استعادة معناه الحقيقي ، الذي لا يمكن تصوّره، حسب هوسرل، إلا في إطار “التأمل الذاتي ”. ” أي أن الذات يجب أن تتصرف بذاتها تجاه نفسها. ومن هذا المنظور الخاص، الذي تم الإصرار عليه في  كتاب ” أزمة العلوم الأروبيَّة بشكل غريب للغاية غالبًا ما تم تجاهله من قبل المعلقين الذين يتوقون إلى اكتشاف  حقيقة “” فلسفة التاريخ الهوسرليَّة “من المناسب إعادة النظر في المشكلة. ومن ثم يبدو أن نقد الحداثة ونظريَّة عالم الحياة التي تكمّلها أيضًا، وقبل كل شيء، تطور تفكيرًا نقديًا حول حدود الذاتيَّة التي تكون بعض نتائجها متناقضة. وعلى عكس بعض تصريحات هوسرل نفسه، فإن التحليل الفينومينولوجي للأزمة المعاصرة لا يعزّز ولا يستعيد شخصيَّة الذات المستقلّة وذات السيادة والتي ستكون بطريقة ما المثال النهائي لتجديد العقل.

بل إنها على العكس من ذلك تفعّل فكرة الذاتيَّة الترسّبيَّة المتجسدة والمتجذّرة في التاريخ والتقاليد التي تكون قوتها محدودة وهي لا تزال تسعى إلى التوجه في الفكر ومن خلاله، بما يتجاوز غموض الحقائق أو ارتباك تفسيراتها. كما أن هذه التصريحات تكرّس، على نحو متناقض  حداثة لا تهدأ ولا تزال متأكدة من تطلعها إلى التجديد والتحديث ولكنها أيضًا غير متأكدة من نجاحها وتدرك المخاطر التي تهدّدها.

مقوّمات التفكير الهوسرلي في الأزمة:

 تقال الحداثة بعدة طرق واضحة على معانٍ متعدّدة وهذه التعدديَّة الدلاليَّة للمفهوم لا يمكن اختزالها في تنوع المقاربات التخصصيَّة التاريخيَّة منها أو الاجتماعيَّة أو الفلسفيَّة…، الخ، لأن السؤال يبقى حيّا نشيطا حول ما الذي ينبغي فهمه بالضبط تحت  مقولة الحداثة داخل كل تخصص. وكتمهيد  لمواجه ما ذكر سوف نميّز بين ثلاثة استخدامات فلسفيَّة لمفهوم الحداثة، مع ترك المحددات الاجتماعيَّة والتاريخيَّة والأدبيَّة الأخرى جانبًا(. Vadé, 1994, 323).

وفقًا لاستخدام أول له يظهر مفهوم الحداثة كعامل منطقي يشير إلى وضعيَّة انعكاسيَّة، من خلالها تثبت الذات التي تعرف نفسها أو تريد أن تكون “حديثة ” نفسها كذات تفترض القطيعة مع  الماضي القريب أو البعيد ومسؤوليَّة قول ما هو جديد في عصرها. إنها إذن “طفرة في الوعي التاريخي”(1994   Raulet ) فالشخص الذي يسمح لنفسه بأن يكون واعيًا بذاته وعلاقته بالعصر يمكن أن يطلق على نفسه اسم “الحديث”.و يتضح هذا الاستخدام، في مطلع القرن الثامن عشر، من خلال الخلاف بين القدماء والمحدثين، حيث أكد الآخرون ضد الأول على الطبيعة التراكميَّة للتقدّم العلمي والقيمة المتساويَّة على الأقل لأعمالهم مقارنة بأعمال العصور القديمة. ولا يزال هذا الأمر مستمرًا في المعنى الجمالي للمصطلح الذي ختمه بودلير (  Baudelaire, 1976, 695. )والذي وضعه رامبو كشعار لمواكبة المرحلة الجديدة : “يجب على المرء أن يكون حداثيًا بشكل جازم ”.( Rimbaud,  1972, 116.).

إن الحداثة إذن هي الجدة التي نطالب بها لأنفسنا قبل غيرنا فهي ادعاء الذات التي تؤسس شرعيتها على وعيها بالجدة التاريخيَّة والاجتماعيَّة الجذريَّة. ومن ثم فإن المطالبة بالحداثة لا يمكن فصلها عن الخطابات الحديثة التي تسعى إلى بث تميّزها عن القديم.

ويركز الاستخدام الثاني لمفهوم الحداثة على توصيفها وتحديد خصائصها الاجتماعيَّة أو التاريخيَّة، كما أظهرت ذلك بشكل نموذجي نظريَّة ماكس فيبر للتحديث باعتباره علمنة وعقلانيَّة. فالحداثة مصطلح يدعو إلى تعريف معناه بما أنه عنوان عام وعنوان لوصف أمور عديدة، أو بشكل أكثر دقة حمّال لأوصاف مختلفة تجعل هذا المفهوم مفهومًا متعدد الاستخدامات ضرورة، بحيث لم يعد من الممكن بعد ذلك التحدث عن حداثة واحدة، ولكن من المناسب بلا شك أن نتحدث عن حداثات متعدّدة. ومن ثم فإن مفهوم الحداثة يجعل من الممكن تنسيق جوانب مختلفة  قد تكون عمليات أو حقائق يمكن مقاربتها  في حدّ ذاتها، ولكنها تكتسب أيضًا ذكاءً عندما نفكر فيها بشكل  تـأليفي وهذا  هو على الأقل هو التحدي الذي يقترحه مفهوم الحداثة.

وهناك استخدام النهائي  يمكن تدشينه من خلال انعكاسيَّة مشتقة ثانية تدعو إلى التشكيك في أسس وعي الحداثة التي يسمح بها الاستخدام الأول. وهذا الاستخدام الأخير يفترض الأول، أي الوعي بالقطيعة مع الماضي وانفتاح المستقبل ولكنه يأخذه من الخلف ويأخذ في الاعتبار أيضا تناقضات الحداثة.و وفقًا لهذا الاستخدام الأخير الذي سنسميه عند جيرار راوليه «الأزماتي » (Raulet, 1994  )، لم يعد من الممكن النظر إلى الحداثة كنتيجة للوعي بحداثة لحظة تاريخيَّة  فهذه هي اللحظة التي تجعل الأزمة هي المعيار الضمني لعملها.

ومنذ ذلك الحين، تصبح الحداثة هي التناقض التاريخي، الذي أصبح واضحًا، بين الإيمان الذي نضعه في مشروعها التوجيهي وبين خيبات الأمل التي تسببها الحقائق التي تولّدها الحداثة نفسها. إنه، على نحو لا ينفصم، التقاء بين “تأكيد  فعل العقل في التاريخ وأزمة العقل في التاريخ” Vadé ;   1994) (  وهكذا تظهر الحداثة في تناقضاتها الخاصة غير قابلة  للفهم إلا من خلال هذه التناقضات.

وبالنسبة إلى هوسرل، الذي يبدو مترددا بين الاستخدامين الأخيرين، فإن الحداثة هي موضوع بحث وعنوان لمشكلة في نفس الوقت. ومع ذلك، فإن الاستخدام الخاص بتناول للمفهوم من وجهة نظر ” علم الازمة ”  هو الذي يحكم التحليل برمته لأنه بسبب وجود أزمة معاصرة، يجب علينا أن نتساءل عن إرث الحداثة. ونحن نعرف ما هي الأسباب المختلفة للأزمة المعنيَّة التي هي في الوقت نفسه أزمة ثقافة وأزمة علم وفلسفة وأزمة أوروبا بل هي أبعد من ذلك أزمة العالم الغربي ككل. وفي خصوص هذا الأمر، نادرًا ما يبتكر هوسرل أن تشخيصه  لا يختلف عما هو شائع إلى حد كبير، سواء كانت ملاحظاته تتعلق بأزمة العلم أو أزمة الفلسفة.

ومما لا شك فيه ان أصالة تحليل ترجع إلى أنه يُنظر إليه على أنه تعبير عن اتجاه تاريخي أبعد، وهو اتجاه الشك، الذي لن ينتهي العقل معه من تصفية حساباته أبدًا  ذلك أن  المعارك الروحيَّة الأصيلة للإنسانيَّة الأوروبيَّة في حد ذاتها كانت قد جرت كمعارك بين الفلسفات الشكيَّة والفلسفة  أو بالأحرى بين  فلسفات هشة حافظت على موضوع الفلسفة، ولكن ليس على مهمتها  والفلسفات الحقيقيَّةالتي ما تزال حيَّة.(  Husserl  1976.p. 20.)

وبمعنى ما، فإن الأزمة مستمرة منذ فترة طويلة، حتى لو كانت أعراضها أقل وضوحا أحيانا، وهذا ما يضفي الشرعيَّة على النظر بأثر رجعي، إلى مدى فترة طويلة في تاريخ الفلسفة. ذلك أن الشك هو هذا النفي للفلسفة الذي يستمر عبر القرون، وانتقاد الحداثة هو في نهاية المطاف مجرد لحظة معينة من صراع أطول. وهكذا يتجلى نقد إدموند هوسرل للحداثة في بداية الأمر من خلال تفحص فكر شخصيتين رئيسيتين متكاملتين هما  غاليلي في مجال العلوم الطبيعيَّة وديكارت في الفلسفة.

ونحن نعلم أنه في الفقرة 9 الشهيرة من من كتاب “أزمة العلوم الأروبيَّة ” كان هوسرل ينوي إظهار كيف واصل جاليلي تغيير المثل اليوناني للعلميَّة من خلال الترويج لـ “فكرة الكليَّة العقلانيَّة اللامتناهيَّة للوجود، التي يهيمن عليها بشكل منهجي العلم العقلاني”.و هذه العلميَّة الجديد ة، التي لا نرى للوهلة الأولى كيف يمكن أن تقودنا إلى الأزمة المعاصرة، تعمل من خلال  ترييض الطبيعة حيث روّج العلم الجاليلي لعالم رياضي دقيق ومحدد تمامًا. يجعل الطبيعة التي تصبح في حد ذاتها “تعددًا رياضيًا ” طبيعة مثاليَّة. ( Husserl  1976. 26.)

لذلك فإن العلم الجليلي ترييض للعالم فهو يزرع النظام الهندسي في العالم الذي يحيط بنا، إلى حد استبداله ليصبح حقيقة واقعة. ولكن يبدو أن المثاليَّة في العمل لها ثلاثة أبعاد يجب التمييز بينها.إذ تعمل المثاليَّة الأولى على مستوى أشكال التجربة الحسيَّة والأجساد التي تواجهها في العالم. ففي هذا العالم الذي يتسم بالتطبيق العملي اليومي والحدس التجريبي والإدراك الحساس، تتعارض الهندسة، التي تنقلها تقنيات القياس، مع عالم من الأشكال الدقيقة المحددة بعقلانيَّة عالم من المربعات والمثلثات والدوائر. في حين أن أشياء العالم هي في الإدراك العادي أو في لعبة الخيال، ” تنشد إلى بعضها […] في ترابط معين حول نوع   عقلي خالص “(  Husserl  1976. 29.)ولذلك فإن ترييض العالم يكرس سيادة الأشكال المثاليَّة أو “المحضة “. “. ومن ثم فإن وجود الشيء يتحدد بشكل مطلق “في هويَّة مطلقة(  Husserl  1976.31.).

ولذلك فإنه مع جاليلي منحتنا الرياضيات عالمًا دقيقًا و”موضوعيًا “، وذلك على وجه التحديد لأنها تترك على الفور الغامض والذاتي خلفها. وإن عواقب هذه المثاليَّة الأولى  المتمثّلة في هندسة المدرك يتعلق بجميع جوانب تجربتنا. وفي مجال الفضاء استبدل العلم الجديد تجربة الفضاء بالمثاليَّة الهندسيَّة فأخذت التجربة الحيَّة الأسبقيَّة على الإدراك الكامل والواثق بذاته، الذي يُفهم على أنه اختبار “للأجساد ” أو الأجسام الحيَّة.

لقد تغير فهم الزمن نفسه لتحل ممارسة الاستقراء محل الاستقراء  العادي اليومي المتشكّل من تعديلات جزئيَّة وتقدميَّة تتم من خلال التوليفات السلبيَّة وشبكة الارتباطات في الفضاء. ومع ذلك، فإن الحداثة الجذريَّة للعلم الجاليلي لا تتوقف عند هذا الحد، لأن هذه  التحويل المثالي للشيء المُدرَك إلى شكل عقلي خالص يقترن بمثاليَّة ثانيَّة وهي التحويل المثالي للطبيعة التي يُنظر إليها على أنها كليَّة فريدة، مجموعة كل شيء موجود، بواسطة مبدأ يمكن تحديده في طريقة الموضوعيَّة الدقيقة. هذه المثاليَّة الوجوديَّة الكونيَّة تصور الطبيعة نفسها كصرح رياضي أو حتى ككتاب مكتوب بلغة رياضيَّة. وبالتالي فإن العالم “الحقيقي “، أي حقيقة الواقع، لم يعد هو العالم المدرك، بل هذا العالم من الأشكال النقيَّة التي يخفيها في نفسه والتي لا يمكن اكتشافها إلا من خلال العلم. لم تعد الطبيعة الجديدة تتمثل في وفرة الكائنات الحيَّة بقدر ما هي فكرة “الكليَّة اللامتناهيَّة للموضوعيات المثالي،( Husserl  1976.37.) وهي فكرة بديهيَّة تقرر مسبقًا إمكانيَّة اكتشاف بنيَّة رياضيَّة في كل شيء. وهنا يكمن بحسب هوسرل، الدافع السري لكل الحداثة:

إن الرياضيات باعتبارها عالم المعرفة الموضوعيَّة الحقيقيَّة والتكنولوجيا هي بالطبع تحت إشرافها، كانت بالنسبة لجاليلي، وقبله بالفعل، في مركز الاهتمام الذي دفع الإنسان “الحديث ” إلى الحركة المتمثلة في  الاهتمام بالمعرفة الفلسفيَّة للعالم وفي الممارسة المعرفيَّة العقلانيَّة(  Husserl  1976.44.) وأخيرًا،  يأتي الجانب الثالث من المثاليَّة في العمل الذي يتعلق  بتعقّل الحركة، والتي أصبحت تُفهم الآن من خلال التفاعلات السببيَّة بين الأجسام واكتشاف الجوانب القانونيَّة التي تحكمها. ففي عالم التطبيق العملي اليومي، نستشعر حدوث مثل هذا الحدث على أساس انتظام ملحوظ، خارج العادة أو حتى مع معرفة مسبقة مشوشة، بطريقة الفرضيَّة. ويفترض العلم الجاليلي وجود “سببيَّة  كونيَّة مثاليَّة “، فهو يعرف كيف يحسب التأثيرات الناتجة ويتنبأ بدقة بما سيحدث وهو يضمن التوقّع الدقيق الذي هو أساس ( Husserl  1976.46. )الإتقان الفني للحركات والتفاعلات، وبالتالي يجعل  إيجاد تقنيَّة جديدة أمرا ممكنا. ( Husserl  1976.62.).

إن إعادة تفسير هوسرل لهذه التحويل المثالي الثلاثي  قد عرفت شهرة كبيرة فهي تؤدي إلى “الاستبدال […] الذي من خلاله يتم اعتبار العالم الرياضي للمثاليات، وهو عالم ثانوي، إلى اعتباره العالم الحقيقي الوحيد والعالم الذي يُعطى لنا حقًا كعالم محسوس ”  بل هو عالم التجربة الحقيقيَّة أو الممكنة.و باختصار، عالم حياتنا اليوميَّة. إن إيماءة الحداثة هي ذلك الاكتشاف  الاساسي للطبيعة الرياضيَّة للطبيعة الذي أصبح يغطي إدراكنا للعالم بما يسميه هوسرل “ملابس الأفكار أو الرموز “. وعلى هذا النحو، فإن علميَّة العلوم الفيزيائيَّة ليست محل شك، ويجب علينا أن ندرك أنها مثاليَّة في منهجها. لكن هذا النجاح الخاص يحجب المشروع الشامل الذي يكمن وراءه، وبالتالي تولد اللاعقلانيَّة من الهجوم على سلامة المشروع الأصلي للمعرفة العقلانيَّة للعالم المعقول. ومع ذلك، فإن العالم معروف جيدًا، إلى حدٍ ما، من خلال العلم الجاليلي، لكنه  معروف كذلك بطريقة أحاديَّة وموضوعيَّة.

ومن الناحية الفلسفيَّة، فإن الشخصيَّة الأخرى التي تمت دراستها من قبل هوسرل هي ديكارت  الذي اكتشف الذاتيَّة ولكنه أضاع معناها الحقيقي حسب هوسرل. وإذا كانت شخصيَّة جاليلي في بداية الانجراف الموضوعي الذي أثّر، منذ  بداية الحداثة، على علاقتنا بالعالم، فإن شخصيَّة ديكارت تصبح، بالتوازي مع ذلك، أصل الذاتيَّة التي لم تتمكن من الوفاء بكل وعودها وأصبحت تضل طريقها تدريجيا.

ومن وجهة نظر الفينومينولوجيا، فإن تقدير هذا الشكل لا يمكن أن يكون إلا متناقضًا، حيث يُنظر إلى ديكارت على أنه “مقدّم ” لامع ومروج لـ “الواقعيَّة المتعالية ” التي لا يمكن إلا أن تعوق بشكل دائم الوصول إلى  فلسفة متعالية أصيلة. وهكذا، إذا كانت التأملات الديكارتيَّة لعام 1929  قد سعت إلى اكتشاف مصدر إلهام للمقاربة الظاهراتيَّة في الفلسفة الديكارتيَّة، وبالتالي  إلى تضخيم وتعميق  السلوك المنهجي البحت الذي كان يعمل بالفعل في الأفكار التوجيهيَّة على سبيل المثال، فإن هذه التأملات المبكّرة قد أدانت أيضًا التوجه الدائم الذي طبع ديكارت به فلسفة الذات(  Husserl  1976.67.).

وما يحلله كتاب  “أزمة العلوم الأروبيَّة ” هو بالأحرى الشخصيَّة التاريخيَّة لديكارت( Husserl  1976.25, 85-91, 94, 433, 469.  )، مؤسس الفلسفة الحديثة، مرة أخرى بطريقة متناقضة للغاية. فمن ناحية، فإن ديكارت هو الذي أعطى الفلسفة الحديثة إعادة توجيه حاسمة من خلال إعادة صياغة مشروع الفلسفة الكونيَّة وتنظيم وسائل إنجازها ومن ثم فهو أصل الدافع الذي يحدد بشكل أساسي تاريخ الفلسفة الحديثة بأكمله وهو دافع الفلسفة التأسيسيَّة الذي ينشأ استجابة لأزمة شكيَّة طويلة الأمد. فديكارت  جعل من الفكرة البسيطة «فكرة تاريخيَّة » من خلال تجسيدها  لأول مرّة في التاريخ. أثناء مشاركته في بروز العقلانيَّة الفيزيائيَّة والمساهمة في بناء فلسفة الطبيعة الجديدة، كان ديكارت أيضًا هو الذي روج لعدد معين من الدوافع الفلسفيَّة التي كانت، في نهاية المطاف،   Husserl  1976.86 تضع الفلسفة في تناقض مفتوح مع العلم الموضوعي.

ومع ذلك،  لأن ديكارت  يعتبر من ناحية أخرى في نظر هوسرل أيضًا أحد  المتسببين في أزمة الحداثة لأنه المحرّض  الأول على “الازدواجيَّة ” التي تستثمر في الواقع كل نتائج موضوعيَّة العلم الجديد. ومع بقائه مخلصًا لروح الثورة الجاليليَّة، يميز ديكارت بين مجال الطبيعة، المخصص لدراسة العلم الجديد، ومجال الرّوح، أو النفس أو الذاتيَّة، التي تقوم على مبدأ “العلم الحديث ” الذي يستند إلى فكرة التعارض بين الموضوعيَّة الفيزيائيَّة والذاتيَّة  النفسيَّة المتعالية ” (25Husserl  1976.) ويكمل ديكارت ما كان حاضرا عند جاليلي الذي روج لـ “فكرة جديدة عن الطبيعة باعتبارها عالم أجساد منفصل وعالم منغلق حقا فعليا ونظريا على نفسه ” ( Husserl  1976). يتضمن هذا التجريد مفهوم الروح أو النفس التي يتم تعريفها على أنها مبدأ الحياة الحيوانيَّة أو البشريَّة، المتميزة عن بقيَّة الطبيعة. وبالتالي فإن ثنائيَّة الجسد/العقل لا تفترض أقل من تقسيم جديد للعالم كرّسه ديكارت  الذي  ميّز بين عالمين : عالم الطبيعة والعالم النفسي الذي لا يرقى كعالم ثاني فعليًا إلى مستوى عالم موجود له كيانه الخاص، بسبب طريقة ارتباطه بالطبيعة.(70 .1976  (Husserl

ومع ذلك، فإن “علم النفس ” الجديد، الذي يبدو أن الفيزياء الجاليليَّة تسميه هكذا، لا يزال يعتمد على  هذه الأخيرة، لأنه يتم تنفيذه بطريقة طبيعيَّة. ولقد كان خطأ ديكارت الثاني هو “إضفاء الطابع النفسي ” على العودة إلى الأنا من خلال ارتكاب التفسير الخاطئ الأساسي لـ “الواقعيَّة المتعالية” التي تحولها إلى شيء من العالم (70   Husserl  1976.) ولقد أسس ديكارت علم النفس الحديث بينما جعل العمليات الذاتيَّة غير مفهومة تمامًا، مما أعطى، على الرغم منه، أسبابًا جديدة للشك.

هوسرل :الحداثة باعتبارها تاريخا آخر للفنمنلوجيا:

 طوّرت الفينومينولوجيا الهوسرليَّة نقدًا للحداثة يجد خصوصيته، مثل كثيرين آخرين، في تسليط الضوء على خصائص معينة تعتبر عوامل محددة لعصر بأكمله سواء كان ذلك يتعلق  بالحالة الحاليَّة أو بظهور العلوم الطبيعيَّة أو بتطور علم النفس الذي حاد عن حقيقة إدراك النشاط المكون للوعي. ويركز هذا النقد على دراسة شخصيتين فلسفيتين تاريخيتين كبيرتين هما جاليلي وديكارت الذين ارتقيا إلى مرتبة الشخصيات شبه الأسطوريَّة التي تمثل في حد ذاتها الحركات الابتكاريَّة التي تحرك العلم والفلسفة.

إذا كان التفسير الهوسرلي قد أكد في كثير من الأحيان على أهميَّة اللحظة الجاليليَّة (De Gandt ;2004)   فيجب علينا مع ذلك الإصرار على التكامل بين هذين الرّمزين الذين يمثل كل منهما اتجاهًا يتعارض ظاهريًا مع الآخر تعارض الموضوعيَّة العلميَّة عند جاليلي والذاتيَّة الفلسفيَّة عند ديكارت، كما لو أن تحدي الحداثة يكمن بالكامل في الفجوة وتعميق كل من الاتجاهين المتباينين فأحدهما مفتون حقًا بالموضوعيَّة الرياضيَّة والآخر يفتتح الاستكشاف “تعالي ” الذات دون التمكن من تنفيذه بنجاح. وفي هذا التوزيع، من الواضح أن المشاركة ليست متساوية، لأن الذاتيَّة الديكارتيَّة في نهاية المطاف لا تتعارض مع الموضوعيَّة العلميَّة بل تظل متوافقة معها تمامًا، إلى حد أنها تلتزم بمسلماتها الأساسيَّة، أو حتى تستمد الإلهام من منهجها. وتبقى الحقيقة أن التعارض بينهما قد نشأ على هذا النحو، وهو الذي لا نزال ورثته إلى حد كبير، والذي لا يمكن أن يؤدي بنا، حسب هوسرل، إلا إلى الأزمة المعاصرة.

ويمكننا أن نلاحظ بسهولة أنه في هذه القراءة المزدوجة للفلسفة الجاليليَّة- الديكارتيَّة، يوجد في النهاية الكثير من هوسرل، كما لو أن الفينومينولوجيا لم تفعل شيئًا سوى البحث عن نفسها من خلال هذه الشخصيات التاريخيَّة، وإسقاط ظلّها على تاريخ الفلسفة لتسليط الضوء بشكل أفضل على بعض منها لإجلاء اللحظات البارزة.  لكن كيف يمكننا ألا نرى، في الواقع، في تحديد هذا الاختلاف الأساسي بين الموضوعيَّة والذاتيَّة أو بالأحرى في هذا الشكل “الفاشل ” من الذاتيَّة الذي هو شكل الفلسفة الديكارتيَّة انقلابًا جذريًا لما تقدّمه لنا الفينومينولوجيا؟ دعونا نذهب بهذه القراءة  إلى أبعد من ذلك لنقول أليست الحداثة، كما يعرّفها هوسرل في نهاية المطاف هذا التاريخ الآخر للفينومينولوجيا، لأن هذه الفترة تقدّم بديلاً تاريخيًا لفينومينولوجيا لم تصل بعد، وبالتالي، صورتها مهزومة أو في الوقت نفسه الأقل  اكتمالا؟

هكذا يصبح نقد الحداثة في نهاية المطاف نقدا لإمكانيَّة وجدت التحقق في التاريخ،  وهي الإمكانيَّة التي لا يمكن فهمها إلا من خلال الإمكانيَّة الظاهرياتيَّة التي تم عرضها في المقابل كإمكانيَّة سحيقة لأنها، بمعنى ما ووفقا لهوسرل ممكنة دائما كما أنها أيضًا، في وضع نسبي وغائي مزدوج، تسمح لنا بفهم أسباب صعوبات الوصول إلى الظواهر وانتشارها، ولكن أيضًا بتفسير ضرورتها الحاليَّة كجواب  على الأزمة لأن الفينومينولوجيا تمثل هذه المحاولة غير المسبوقة للتمسك بمعنى ما لم يعد بالتأكيد معنى الحداثة، و”الموضوعيَّة ” و”الذاتيَّة”.و يتذكر هوسرل بوضوح شديد، في الفقرة الشهيرة 48 من كتابه “أزمة العلوم الاروبيَّة أن مهمة الفينومينولوجيا ليست سوى مهمة الكشف واستكشاف “الترابط الشامل القبلي لموضوع التجربة وأنماط بياناتها “، ( Husserl 1976. 189.  )أي وصف وتحليل بنيات القصديَّة، هذه الخاصيَّة الشهيرة للوعي والتي بموجبها تمتلك الذات، على وجه التحديد، وعيًا موضوعيًا. إن الاكتشاف الفينومينولوجي للقصديَّة، أي”لهذا الحقل اللامتناهي من بديهيَّة الوعي، الذي لم نمنحه أبدًا حقه في حد ذاته، والذي لم يتم حتى رؤيته بشكل صحيح “، يمثل، بالنسبة لهوسرل، حلاً للمشكلة الأساسيَّة للغز المعرفة، بقدر ما يعيد إلى الذاتيَّة الجزء الذي تستحقه في نشأة كل تجربة وتطورها.

إن التصحيح التاريخي الذي تنوي الفينومينولوجيا جلبه إلى الحداثة يكمن في هذا التوفيق بين الموضوعيَّة والذاتيَّة الذي تسمح به فقط نظريَّة القصديَّة والممارسة الفعالة للتحليل الفينومينولوجي للوعي. ولذلك تدعي الفينومينولوجيا أنها تكتشف عما ظل المشروع الحديث يفتقده، مما يتيح لنا إمكانيَّة تصحيح الانحراف والتغلب على لحظة خطأ. في الواقع، تروج الحداثة الجاليليَّة الديكارتيَّة للعلاقة مع العالم ولنظريَّة لهذه العلاقة التي تتعارض بشكل جذري مع المفهوم الظاهري للارتباط المتعمد. إنه يوسع الفجوة بين الذات والموضوع ويتركنا عميانًا بشكل دائم عن الأداء الحقيقي للذاتيَّة. إن الحداثة، من وجهة النظر هذه، هي أكثر بكثير من مجرد بديل بسيط، فهي بالتالي العقبة المعرفيَّة التي تعيق الوصول إلى الفينومينولوجيا، والتي ستقود أيضًا هوسرل إلى التنصّل من المسار المنهجي المحدد في كتاب “الافكار التوجيهيَّة لأجل فنمنولجيا ” الذي كتبه عام 1913 والاعتراف في فلسفته بتفضيل المسار “التاريخي ” الذي افتتحه في كتابه “أزمة العلوم الأروبيَّة “، والذي يعتبر “أكثر مبدئيَّة وأكثر منهجيَّة ”: إن ما تخصّصه الحداثة وتنظر إليه في نهاية المطاف هو الموقف الطبيعي، هذه العلاقة العفويَّة للوعي بالعالم الذي يعيش في سحر الموضوع، «هذا الموقف (72 Husserl 1976. 1.)  من الوجود الإنساني الطبيعي الذي، ليس بطريقة مشروطة، بل في الجوهر، هو دائمًا الأول أي هذا الموقف الذي، في كل تاريخ هذا الوجود، في الحياة كما في العلم، لم ينقطع أبدًا.  وهو موقف ساذج وطبيعي، يعيش في فوريَّة العطاء و”التحقق الصامت”( Husserl 1976. 170)   الذي يفترض الوجود الموضوعي للكائنات دون القدرة على إضفاء طابع موضوعي على هذا الموقف، الذي هو أساس كل أنشطتنا العمليَّة والنظريَّة. إن الموقف الطبيعي هو من مبدأ “الواقعيَّة الموضوعيَّة ” التي هي أساس النهج الجاليلي والذي يغذيها بدوره. وإذا كانت الظواهر، لكي تكشف عن الارتباط االقصدي، يجب أن تحرم الموقف الطبيعي، فلا يمكن بالتالي تصورها، تاريخيا، إلا على أنها قطيعة جذريَّة مع الحداثة. وهكذا تكون الحداثة هي تلك اللحظة في تاريخ الفلسفة التي وجدت فيها نظريَّة القصديَّة ناقصة، وحيث تم استيفاء جميع شروطها، بشكل دائم، بحيث لم يتم تسليط الضوء عليها لم يعد من الممكن بعد ذلك تصور منهجيَّة الاختزال بطريقة ديكارتيَّة بحتة، لأنها يجب أن تبدأ بالتفكير “في المقابل ” في الظروف التاريخيَّة لإمكانيتها.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فهم الحدث الذي يشكل اندفاعة الفينومينولوجيا في اللحظة المعاصرة على أنه خروج خالص من الحداثة. إذا كانت “الظاهراتيَّة  الخالصة “، كما أكد هوسرل في مقدمة الكتاب الأول لـ “إيدين ” الصادر عام  1913، “علمًا جديدًا بشكل أساسي “، فهي أيضًا “الطموح السري لكل الفلسفة الحديثة “.

إن ظهور  الفنمنلوجيا هو  إذن حداثة جذريَّة، لكنها مهيأة بالكامل بالحداثة السابقة، التي تكملها بطريقتها الخاصة. وتدعي الفنمنلوجيا أنها تلبي متطلبات العلم المكتمل وتحدد المثال الوحيد القادر على توفيره ألا وهو الذاتيَّة المتعالية وبهذه طريقة يكون ديكارت أيضًا، بأثر رجعي، “العبقري المؤسس الأصلي للفلسفة الحديثة ككل “(  Husserl 1976. 85.  ) لأنه يحدد التوجه الذاتي القادر على تلبيَّة المتطلبات التي تحدد الفلسفة على هذا النحو. ولهذا السبب «ليست السمة الأساسيَّة للفلسفة الحديثة فحسب، بل أيضًا السمة الأساسيَّة لكل الفلسفة المستقبليَّة، هي التي تتحدد انطلاقًا من ديكارت ». بمعنى ما(Husserl, , 2003, 163.)، فإن الفنمنلوجيا تصبح بالفعل  الإنجاز الفلسفي الذي كانت الحداثة تنتظره.ولكن على هذا الأساس، لا نرى كيف يمكننا أن نجنب فلسفة التاريخ الهوسرليَّة هذه لوم الإفراط في التفسير الانتقائي الذي يكمن الإشارة له بلا شك في الهوس بإعطاء نفسها “الأسلاف ” الذين تحتاجهم وفقًا لاستخدام مناسب للغاية لتاريخ  وجّه له كانغيلام انتقادات معروفة.

سيكون من الصعب جدًا أيضًا التخلص من الانطباع بأننا لا نزال نجد في التاريخ علامات تبشر بظاهراتيَّة يمكنها وحدها أن تكشف عن معنى التاريخ، كما لو أن التاريخ لم يجد “معناه ” الحقيقي أبدًا إلا في الفينومينولوجيا. وكأن الدخول في الفينومينولوجيا يعني في نهاية المطاف عدم القدرة على تركها والحكم على النفس بنظرة في التاريخ لا يمكن أن تنتهي إلا في “الشعر ” أو في الميثولوجيا.( Canguilhem,  1990, 20 ) .

هوسرل:التأمُّل الذاتي في الحداثة:

 صاغ هوسرل سؤالا في الملحق الثامن والعشرين للفقرة 73 من كتاب أزمة العلوم الاروبيَّة ”  واعتبر طرحه ضرورة لا مناص منها وهو “ما هي الحاجة هنا إلى التاريخ ؟ (Edmund Husserl ,  1976. 563.) أو بصيغة أخرى ما الحاجة التي يجب علينا أن نفكر بها  عندما يتعلّق الأمر بالتفكير في حدث ظهور الفينومينولوجيا على خلفيَّة الحداثة ؟  وإذا كان لهذا الحدث  الأخير أن يحظى بالأهميَّة التي يوليها له  إدموند هوسرل أفلا يمكننا أن نعفي أنفسنا من هذا المنعطف النقدي الطويل المتعلّق بالحداثة ؟ ثم إذا كانت الفينومينولوجيا، هي العلاج لأمراض هذا العصر، فلماذا لا تفرض نفسها؟

لعل أهمها يعلمنا إياه نقد الحداثة  حسب هوسرل هو أيضًا وقبل كل شيء أن الأزمة موجودة في داخلنا وأن الفوز بشيء ما لا يأتي إلا متأخّرا إذا أردنا  التي هي بدورها نتاج هذه الحداثة وتحتفظ بعلاقة خاصة مع مشروعها الموجه. وبهذا المعنى فإن ” كل تقديم نقوم به للذاكرة التاريخيَّة ” “لا يزال ليس سوى تقديم لأنفسنا”(Edmund Husserl ,  1976. 433.).

يعمل علم الأزمات، الذي ارتآه هوسرل في،المقام الأول  مستمدا مقدّماته من سجل علم النفس وهو يقول في ذلك : “إن التأمل التاريخي المقابل، مثل ذلك الذي نتحدث عنه، هو في الواقع تأمل ذاتي عميق جدًا في فهم الذات”(Edmund Husserl ,  1976. P83.). وبما أن الأفكار تعمل بمثابة “قوى غريزيَّة”(Edmund Husserl ,  1976. 86.)، فإن الاعتبار الغائي للتاريخ يسير بالضرورة جنبًا إلى جنب مع “التأمل الذاتي ” الذي تجريه الذات على نفسها، وهو التأمل الذاتي الذي تحدده الفقرة 15 من كتابه “أزمة العلوم الأروبيَّة وإن بإيجاز، ولكن بشكل منهجي حاسم(Edmund Husserl ,  1976.81-86.) )و هذا “التأمل الذاتي ” هو الفهم الواعي للوحدة الغائيَّة الأساسيَّة لتاريخ الفلسفة، وهو الموقع الحقيقي والأول والأخير لجميع الأفكار المتعلقة بالحداثة.

ويتميز هذا “التأمل الذاتي ” عن التأمل الذي يعمل وفق النمط الديكارتي الذي من خلاله يعود الشخص إلى نفسه من خلال الكشف لنفسه عن كل ما يمكنه استخلاصه من نفسه.

يعمل الـتأمل الذاتي بدلاً من ذلك ضمن سجل السلبيَّة أي من خلال العودة إلى التجربة المترسبة في الذاكرة. لأن ما يجب “التأمل فيه ” حسب هوسرل ليس الذات نفسها كمثال مسئول عن تكوين كل موضوعيَّة بل معنى التجربة التاريخيَّة والشخصيَّة. وبالتالي فإن التأمل الذاتي يكتشف ما يكمن داخل الموضوع ألا وهو التاريخ المدمج والمنسي الذي يعمل على الموضوع، وهذه الغائيَّة تنحدر بنا إلى العلاقة الحميمة التي تمنحنا الفرصة لإعادة ملاءمتها مع المستجد. إذن إن الغائيَّة التي توجه التاريخ تكتشف أساسها النهائي في البنيَّة الغائيَّة للذاتيَّة ولذلك فمن المناسب أن نقدّم فهمًا للغائيَّة في التطور التاريخي للفلسفة، ولاسيما الفلسفة الحديثة وفي نفس الوقت أن نوضح أنفسنا باعتبارنا حاملي هذه الغائيَّة المساعدة على تحقيق ذلك.(Edmund Husserl ,  1976. 81.).

ويبدأ التأمل الذاتي من وعي هذه الغائيَّة أو تلك وذلك من خلال النظر في اللحظات التاريخيَّة الحاسمة لصياغتها. إنه يمر التأمل الذاتي عبر “الفهم النقدي لوحدة التاريخ الشاملة ”  ولكن(Edmund Husserl ,  1976. 82.) يتجاوز ذلك نحو تسليط الضوء على “مهمة ” أي مشروع موروث عبر التاريخ وعلى الذات أن تعيد ضبط نفسها. إن الوعي الذاتي يؤدي، من الناحية المثاليَّة، إلى خيار محدد، وفي هذه الحالة إلى هذه الاستجابة لأزمة الحداثة التي تكمن، بحسب هوسرل، في الافتراض الشخصي للفلسفة كمهمة وفي تجديد العقل.و نحن نرى الثمن الذي يكون هوسرل على استعداد لدفعه، وهو ثمن فلسفة الرّوح عبر التاريخ، و”الإرادة ” التي تؤكد نفسها في التاريخ، وتحريكها بغايَّة سريَّة. ومن ثم فإن الفنمنلوجيا تدفع نظريَّة القصديَّة إلى حدودها القصوى، لأن الحياة القصديَّة تندمج في نهاية المطاف مع نيَّة عابرة للتاريخ توصل نفسها إلينا. ويجب أيضًا أن ندرك أن هناك معياريَّة تاريخيَّة تقرر معنى التجربة، ليس بالتأكيد بمعنى الحتميَّة الفظة، بل بمعنى أن الحياة المقصودة تقدّم لنا بوضوح بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا.وما تقدّمه هو هذا المنتج المزدوج للسلبيَّة والإنتاجيَّة وهو ما لا يزال يسميه هوسرل “الترسيب التقليدي”.

  في ظل هذه المعطيات يصبح تأمل الحداثة ملهما للتفكير الأخلاقي ودافعا إلى عودة الذات لنفسها لتكتشف المقصد التاريخي الذي هو ناقله، ومعنى التاريخ الذي يقرر تاريخيته. وبهذا المعنى، تصبح فرصة للتحول الذاتي الذي يتيح الوصول إلى شكل خاص جدًا من المسؤوليَّة. وبالتالي فإن نظريَّة الحداثة هي محاولة أصليَّة لتأسيس المسؤوليَّة الفرديَّة على أساس التاريخ ذلك أن الكشف عن الاتجاهات التي ت( Husserl ,  1976. 83.).

عمل في تاريخ الفلسفة يوفر الفرصة لاستئناف نشط ومفترض بالكامل للنقد العقلاني. وبالتالي فإن نهاية مؤتمر فيينا النمساويَّة يصوغ هذا البديل حيث يفرض الاختيار نفسه بطريقة ما: إن أزمة الوجود الأوروبي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نتيجتين : إما تراجع أوروبا، التي أصبحت غريبة عن إحساسها العقلاني بالحياة، أو الوقوع في الكراهيَّة الروحيَّة والهمجيَّة، أو ولادة أوروبا من جديد من روح الفلسفة، بفضل بطولة العقل التي تتغلب نهائيًا على النزعة الطبيعيَّة. ( Husserl ,  1976. p. 382.)

قد يكون من المغري أن نرى في “بطولة العقل ” هذه شكلاً من أشكال الطوعيَّة المتفاخرة إلى حد ما والعودة القسريَّة والساذجة للذات المكتفيَّة ذاتيًا والتي ستكون تجسيدًا للعقل الذي يوفر المعرفة عن نفسه وعن العالم ويحقّق السيطرة الكاملة والكاملة على النفس. لكن مما لا شك فيه أن اكتشاف أكثر دقة، على الأقل هذا هو التفسير الذي سنفضله، موضوع حساس لعدم استقرار التطلع إلى العقل الواعي بحدوده التاريخيَّة والذي لا يزال يعيش ويعاني دائمًا من وعكة الحداثة مستفيدا من تجربة التاريخ الترسبيَّة. ومن المفارقة أن التطلع إلى معرفة الذات، الذي ما زال يُحتفى به بقوة في الصفحات الأخيرة من كتاب التأملات الديكارتيَّة، يُظهر لنا الآن أننا لا نعرف أنفسنا، وبشكل أكثر دقة وأننا لن ننتهي أبدًا من هذا النقص في المعرفة. ولا يمكن للفلسفة  بما هي تجديد للعقل  أن تكون بهذا المعنى إلا مهمة لا متناهيَّة، ولكنها بالتأكيد ليست مستحيلة  وميئوس منها وإن كان ليس من الممكن لنا أيضًا تحقيقها في ظروفنا التي نعرفها وفي حدودنا التي نعرفها.

الخاتمة:

ويظل مفهوم الحداثة مقولة معياريَّة  لا غير  وهي تحديد خصوصيات فترة تاريخيَّة لتضع بذلك مرحلتنا المعاصرة في سياقها الملائم. واستخدامنا”التاريخي لها يبقى نسبيًا وهو يقترن  عند هوسرل، بالتأمل  الذاتي في أزمة الحداثة، وهو عمل  يمارسه  الفيلسوف على نفسه لا على غيره، حيث يتعلق الأمر في نهاية المطاف بالفصل بين مختلف الأشياء والدوافع الموروثة من التقاليد.  وهنا يمكننا أن نرى بوضوح ما هو تأثير هذه المضاعفة في التفكير بالقول أنه إذًا لم تعد الحداثة تبدو عرضة لتعريف صارم، وهو ما يبدو أن هوسرل نفسه يدركه، عندما يعترف، في ملحق شهير لكتاب أزمة العلوم الأروبيَّة، بممارسة نوع من كتابة “الشعر ” حول التاريخ ( Husserl ,  1976 ;567 .(   Benoist,1998 ;9, 91-112   .تصبح “الحداثة ”  اذن فرصة لتجربة التأمل الذاتي والنظر في غائيَّة التاريخ القصدي لتندمج في نهاية المطاف مع التفكير الذي يقوده الذات إلى “اختيار ” سبب الأزمة. إن التأمل الذاتي، الذي تتطلبه ملاحظة “الأزمة الجذريَّة للحياة في الإنسانيَّة الأوروبيَّة”  (Husserl ,  1976. 7)  يجعل من هذه الأزمة تناقضًا شخصيًا حميمًا يمزّق الذات المتأملة بين الاختيار الحازم للعقل وإغراء التخلي عنه.

وبهذا المعنى، فإن الاعتبارات التي يقدّمها هوسرل حول الحداثة تصبح قابلة للنقاش بالمعنى الذي يمكن للمرء أن يطعن  من خلاله في جوانب معينة من تحليلات هوسرل النسبيَّة لهذا الجانب أو ذاك الأزمة أو هذه الخاصيَّة أو تلك من سمات الحداثة التي لا تزال تضعنا في مجال فلسفة التاريخ. إن هذه الإعتبارات تبقى قابلة للنقاش بمعنى أنه يجب علينا الآن مناقشة شعاراته الحميمة، وهو تاريخ تم إعادة التقاطه على مستوى الحياة القصديَّة لأن مجهود هوسرل برمته يتمثل على وجه التحديد في منحنا الوسائل  الكفيلة لإعادة مناقشة ما لم يعد موضع مناقشة ووضع الموضوع في حالة الاختيار  في مواجهة التاريخ.

فتحت عنوان الحداثة، يتم إعادة تحويل الحقيقة التاريخيَّة لتصبح أمرًا مسلمًا به لنظام  التأمل الذاتي وكل شيء يخبرنا إذن أننا نتعامل مع تفسير فلسفي خالص لعصر طويل لدرجة أن اتساقه التاريخي لم يعد قابلاً للتفسير على وجه التحديد. وبهذا المعنى، يواصل هوسرل اختبار نطاق وحدود مفهوم الحداثة، ويدعونا إلى التفكير النقدي فيما يتعلق باستخدامه المشروع وإساءة استخدامه. في الوقت الذي تكثر فيه الخطابات الشاملة التي تدعي أنها تخبرنا بثقة ما هي الحداثة، وما يجب أن نفكر فيه وكيف ولماذا يجب أن نخرج منها ولهذا يكون من الجيد إعادة قراءة هذه النصوص الهوسرليَّة التي  تقدّم شكل من أشكال علم الأزمات لا يزال غير مرتاح بشأن الموارد المفاهيميَّة التي يحشدها.

_____
المصادر والمراجع:

  1. المصادر والمراجع باللغة العربيَّة:
  2. هوسرل، إدموند(1951 ): تأمالت ديكارتيَّة أو المدخل إلى الفينومينولوجيا،ت:تيسير شيخ الأرض، بيروت، لبنان، بيروت للطباعة والنشر.
  3. هوسرل،إدموند (2009 ):فكرة الفنمنولوجيا،ترجمة فتحي إنقزو، تونس،دار الحوار للنشر والتوزيع
  4. رافع،سماح (1991 ) ،الفينومينولوجيا عند هوسرل،بغداد، العراق، نشر دراسة الشؤون الثقافيَّة،ط 1
  5. المصادر والمراجع باللغة الأجنبيَّة:
  6. Baudelaire, Charles(1976) « Le Peintre de la vie moderne », dans Id., Œuvres complètes. Tome 2, Paris, Éditions Gallimard.
  7. Benoist,Jocelyn (1998) « L’histoire en poème », dans Recherches husserliennes, vol. 9,
  8. Berger ,Gaston, (1941) le cogito dans la philosophie de Husserl, Aubier, éditions Montaigne, Paris. Benoist, Jocelyn(1998) « L’histoire en poème », dans Recherches husserliennes, vol. 9,
  9. De Gandt, François, (2004) Husserl et Galilée. Sur la crise des sciences européennes, Paris, Libraire philosophique  J. Vrin,.
  10. Canguilhem, Georges(1990) Études d’histoire et de philosophie des sciences concernant les vivants et la vie, Paris, Librairie philosophique J. Vrin.
  11. Dastur, Françoise (2003)« Husserl et le scepticisme », dans Alter, n° 11, 2003, p. 13-22
  12. Depraz,  Natalie(1992) repères biographiques et historiques, in la crise de l’humanité européenne et la philosophie, Husserl, édition Hatier, Paris,.
  13. Habermas, Jürgen ;(1981)« La Modernité, un projet inachevé », trad. fr. G. Raulet, dans Critique, n° 413, oct. 1981, p. 950-967.
  1. Husserl ;Edmond,( 1976)La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, trad. fr. G. Granel et J. Derrida, , Paris, Éditions Gallimard.
  2. Husserl. Edmond, ( 1994)Méditations Cartésiennes et les conférences de Paris, trad. fr. M. de Launay Paris, PUF,
  3. Husserl Edmond , (1965) Logique formelle et logique transcendantale. Essai d’une critique de la raison logique, trad. fr. S. Bachelard Paris, PUF,
  4. Husserl Edmond,( 2003)Annales de phénoménologie, trad. fr. A. Mazzù vol. 2,
  5. Husserl Edmond,( 1977) la crise de l’humanité européenne et la philosophie, édition Aubier Montaigne, Paris,.
  6.  Husserl Edmond, (1966)méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, traduit de l’allemand par Gabrielle Peiffer et Emmanuel Levinas, Librairie philospophique J. Vrin, Paris,.
  7. Vattimo, Gianni ;La Fin de la modernité. Nihilisme et herméneutique dans la culture post-moderne, Paris, Éditions du Seuil, 1987
  8. Lyotard,  Jean-François (1979) La Condition post-moderne. Rapport sur le savoir, Paris, Éditions de Minuit. 
  9. PERREAU ; LAURENT, Husserl critique de la modernité ; Université de Picardie Jules Verne – CURAPP-ESS (CNRS-UMR 7319) – Archives Husserl de Paris (CNRS-UMR 8547) ; https://popups.uliege.be/1782-2041/index.php?id=884&file=1&pid=875
  10. Racine,  Jonathan(2009) « La place de Descartes dans l’analyse husserlienne de la crise des sciences et de la philosophie. », Sciences humaines combinées [En ligne], 3 | 2009, mis en ligne le 07 décembre 2017, consulté le 13 décembre 2019. URL : http://preo.u-bourgogne.fr/shc/index.php?id=118
    Actes du Deuxième Colloque International de Phénoménologie » , Krefeld, 1-3 novembre, 1956, édités par les soins de H. l. Van Breda et J. Taminiaux,
  11. Raulet, Gérard(1994) « Le Concept de modernité » Presses Universitaires de Bordeaux.
  12. Ricœur Paul, (1954) « étude sur les méditations cartésiennes de Husserl », in Revue philosophique de Louvain, 33, article de pages 75 à 109.
  13. Rimbaud, Arthur(1972) Œuvres complètes, Paris, Éditions Gallimard.
  14. Vadé, Yves ( 1994)« Présentation », dans Yves Vadé (dir.), Ce que modernité veut dire, https://books.openedition.org/pub/4721?lang=fr

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات