المقالاتفكر وفلسفة

سؤال التأصيل؛ فصل المقال فيما بين الحابل المعرفي والنابل الإيديولوجي من انفصال

نصادف الكثير من اللغط الإيديولوجي، حول إمكانية تأصيل النسق العلمي من داخل نظامنا المعرفي، سواء من الجناح السلفوي الذي يدعو إلى أسلمة العلوم الخالصة، أو من الجناح الحداثوي الذي ينفي إمكانية التأصيل ويدعو إلى استنساخها جاهزة.

لماذا أسميته لغطا ووسمته بالإيديولوجي؟

من جهة أولى، لأن الجناح السلفوي يمارس تزييفا إيديولوجيا من خلال دعوته إلى أسلمة شكلية للعلوم، على شاكلة المنهج السلفي النصي الذي يعمل بظاهر النص، شريعة، فيقطع يد السارق، كما يعمل بظاهر النص، عقيدة، فيجسد الذات الإلهية. لذلك، لا نستغرب أن يعمل بظاهر النص فيدعو إلى أسلمة العلوم، ظاهريا، دون تحمل عناء التأصيل المعرفي، عبر المساهمة في إبداع نظريات علمية جديدة، أو المساهمة في تطوير القديم منها على الأقل. ويحضر موضوع الإعجاز العلمي في القرآن كنموذج لهذا التزييف الإيديولوجي.

من جهة ثانية، لأن الجناح الحداثوي يمارس تزييفا إيديولوجيا مضادا، حينما ينفي إمكانية تأصيل النسق العلمي، من داخل نظامنا المعرفي، مكتفيا بالدعوة إلى استنساخه جاهزا، متناسيا أن العقل العربي-الإسلامي قد كانت له مساهمات علمية لا حصر لها في مختلف التخصصات، من العلوم الإنسانية، أدبا وفلسفة، إلى العلوم الخالصة، من رياضيات وطب وهندسة وفلك، بل إن الفضاء الحضاري العربي الإسلامي قد مثل، طوال تسعة قرون، مختبرا علميا مفتوحا أنتج المعرفة وصدرها إلى كل أنحاء المعمور، وأنقد العالم أجمع من عصر ظلمات كان يبسط كلكله، وليست أوربا الحديثة إلا امتدادا لهذه النهضة التي دشنها المسلمون. 

الدعوتان، إذن، ليستا سوى لغط إيديولوجي أو نقيق ضفادع في مستنقع إيديولوجي آسن يقوده رموز التزييف من الاتجاهين. لذلك، تظل الحاجة ماسة إلى مقاربة معرفية للإشكالية. فهل يمكن تأصيل النسق العلمي، من داخل نظامنا المعرفي، باعتماد منظور ابستمولوجي يقطع مع الوهم الإيديولوجي السائد ؟

الدعوة إلى تأسيس علوم إسلامية، من خارج تاريخ العلم، وهم إيديولوجي. ولذلك، لم يدّع الصينيون أو اليابانيون، رغم نزعتهم التأصيلية، تأسيس علوم كونفشيوسية، بل انخرطوا من منظور نظامهم المعرفي الخاص ضمن تاريخ العلم العام.

لكن، إذا كان من باب الاستحالة، معرفيا، إمكانية تأسيس علوم جديدة من خارج النسق العلمي الحديث، فإنه كذلك من باب الاستحالة، معرفيا، هضم النسق العلمي الحديث، من خارج نظامنا المعرفي الخاص، فإذا كان الأمر أبعد من أن يكون اختراعا للعجلة، من جديد، فإنه أقرب من فهم واستيعاب صناعة العجلة باعتماد نظامنا المعرفي الخاص ! 

العقل العلمي الحديث سيرورة تاريخية بدأت منذ صناعة الأدوات الحجرية، وساهمت فيه مختلف الحضارات الإنسانية من الصينيين والفراعنة، إلى اليونان والرومان، إلى الحضارة العربية-الإسلامية التي كانت بمثابة الجسر الذي وصل اللاحق بالسابق، وحافظ على التراث العلمي الإنساني من الضياع في ظلام العصور الوسطى، العقل العلمي الغربي الحديث بنى على هذا الأساس ولم يُنشِئ من فراغ. لذلك، فالمعرفة الحديثة، في الفكر والعلم والإبداع والتقنية، ليست منتوجا خالصا للغرب رغم أنها محمولة، في معظمها، عبر نسقه اللغوي والثقافي. 

 منهجية تأصيل النسق العلمي، من داخل نظامنا المعرفي، يجب أن تفصل بين الحامل المعرفي، لغة وثقافة، وبين المحمول المعرفي، علما وفكرا وإبداعا، الحامل يمثل البصمة المعرفية الخاصة التي تميز بين الحضارات من خلال تشكيل رؤاها المختلفة للعالم، أما المحمول فهو المشترك، العلمي والفكري والإبداعي، بين الحضارات. إذا كان المحمول هو المادة الخام، فإن الحامل هو القالب المعرفي الذي تتشكل من داخله المادة الخام.

العقلانية، كنزعة معرفية، معطى طبيعي في الإنسان -أي إنسان- لكن، تجسيدها يكون من داخل النظام المعرفي وليس من خارجه. العقل أعدل قسمة بين الناس- كما قال ديكارت- لكن، كل ثقافة تطبع العقل بطابعها الخاص. فالعقول متساوية ومتشابهة كآلة للتفكير، لكنها تختلف باختلاف البيئة الثقافية/الحضارية التي تفكر من داخلها. ما هو ثابت هو العقل، لكن هذا العقل/ الآلة يعمل بوقود الثقافة، وخصوصية كل عقل ترتبط بالخصوصية الثقافية التي نشأ ويفكر من داخلها.

هذا المنطلق الابستمولوجي، هو الذي دفع المفكر محمد عابد الجابري إلى اقتراح البرهانية الرشدية، كتجسيد للخصوصية العقلانية العربية الإسلامية، والمقصود بالرشدية يتجاوز المتن الرشدي إلى المنهج الرشدي، أو ما يطلق عليه الجابري “الروح الرشدية”، أو  الإبستمي Épistémè الرشدي بلغة ميشيل فوكو.

   لكن، هذا وعي ابستملوجي وليس وهما إيديولوجيا، المفكر محمد عابد الجابري لم يدع إلى أسلمة النسق العلمي عبر إخراجه من تاريخ العلم العام، بل كانت دعوته إلى تأسيس النسق العلمي الحديث من داخل نظامنا المعرفي الخاص، عبر توظيف لغتنا ورؤيتنا للعالم، وذلك من أجل تيسير مهمة الانخراط الفعال ضمن تاريخ العلم، وبالتالي المساهمة في تطوير النظريات العلمية والتطبيقات التقنية بدل الاكتفاء باستهلاكها. 

هذا التصور الابستملوجي، بالذات، هو ما تحكم ووجه التجربتين الصينية واليابانية، بشكل خاص، فلم تنشغل التجربتان بالوهم الإيديولوجي عبر ادعاء اختراع علوم كونفشيوسية جديدة، وفي المقابل لم تنشغلا كذلك باستنساخ النسق العلمي جاهزا بلغته ورؤيته للعالم، بل كان التوجه نحو تأصيل النسق العلمي من داخل البراديغم الكونفسيوسي، وبذلك حققتا الانخراط الفعال ضمن التاريخ العام للعلم من منظورهما المعرفي الخاص. 

هذا ما نحتاجه، اليوم، في تداولنا الفكري والعلمي العربي-الإسلامي، نحتاج إلى استبدال النابل الإيديولوجي بالحابل المعرفي، فالانخراط ضمن تاريخ العلم لن يتحقق عبر ادعاء اختراع علوم عرب-إسلامية جديدة، ولن يتحقق، كذلك، عبر استنساخ العلوم من خارج نظامنا المعرفي الخاص، بل يمكنه أن يتحقق عبر توظيف مقاربة ابستملوجية تقوم على أساس تأصيل النسق العلمي العام من داخل براديغم(نا) المعرفي الخاص.

_________
*د. إدريس جنداري- باحث.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات