المقالاتفكر وفلسفة

حريَّة الإرادة أو عندما يبدع فيلسوف قرطبة

من القضايا التي يظهر فيها ذلك التوافق بين الحكمة والشريعة بحسب ابن رشد، مسألة القضاء والقدر بتعبير علم العقيدة الإسلاميَّة وحريَّة الإرادة بالتعبير الفلسفي، فكما أنَّ هناك تعارضا بين أدلَّة العقل فهناك تعارض بين أدلَّة النقل، فكما يوجد هناك براهين في الحكمة تقول الإنسان له إرادة حرَّة هناك براهين تقول العكس، والأمر نفسه يقال في الشريعة فهناك آيات إذا أخذت على عمومها تفيد الجبر وهناك آيات أخرى تفيد الكسب والاختبار.

أمَّا الآيات التي تدلُّ بعمومها على أنَّ كل شيء بقدر وأنَّ الإنسان مجبور على أفعاله مثل قوله تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) وقوله تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ)، وقوله تعالى (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ) إلى غير ذلك من الآيات التي تدلُّ بعمومها على هذا المعنى.

ومن الآيات التي تفيد أنَّ للإنسان كسبا واختيارا وعلى أنَّ الأمور في نفسها ممكنة وليست واجبة مثل قوله تعالى (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) وقوله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ)، وقوله تعالى لها (ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، وقوله تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ).

وأحيانا حسب الفلسفة الرشديَّة يظهر في الآية الواحدة تعارض مثل قوله تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) ثم قال في هذه النازلة بعينها (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) ومثل قوله تعالى (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) وقوله تعالى (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّه).

والأمر نفسه موجود في الأحاديث النبويَّة، فهي الأخرى إذا أخدت بظاهر كانت متعارضة مثل قوله عليه صلاة والسلام “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه”، ومثل قوله عليه السلام “خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ” فالأوَّل يفيد أنَّ الكفر سببه المنشأ والتربية، والثاني يفيد أنَّ المعصية والكفر مخلوقان لله وأنَّ العبد مجبور عليهما.

وحسب ابن رشد هذا هو السبب في افتراق المذاهب الإسلاميَّة إلى ثلاث فرق، فالأولى رأت بأنَّ الإنسان حرٌّ في أفعاله وهذا هو سبب الثواب والعقاب وسبب دخول الجنَّة والنار وسبب الذمّ والمدح وهم المعتزلة، والفرقة الثانية رأت أنَّ الإنسان مجبور على أفعاله وأن ليس له من الأمر شيء وهم الجبريَّة.

وفرقة ثالثة رامت أن تتوسَّط بين هؤلاء وهؤلاء وهي الأشعريَّة، فقالت بنظريَّة الكسب بأنَّ الإنسان إذا أراد شيئا خلق الله له القدرة على الفعل فيكون خلقا من الله باعتبار هو الذي أمدَّ الإنسان بالقدرة وكسبا للإنسان لأنَّه هو الذي أراد يرد ابن رشد أن هذا الوسط غير موجود فإذا كانت القدرة مخلوقة لله، وأن الشيء المكتسب كذلك من خلق الله فإنَّ الإنسان مجبور لا محالة.

وللعسر منشأ آخر غير تعارض أدلَّة السمع، فإنَّ أدلَّة العقل هي الأخرى متعارضة، فإذا قلنا بأن الإنسان له اختيار وكسب كانت هناك أفعال تجري على غير مشيئة الله واختياره فيكون هناك خالق غيره، وقد أجمعت الأمَّة على أنَّه لا خالق غير الله.

وإذا فرضناه مجبورا على أفعاله كان التكليف من باب ما لا يطاق، فكان لا فرق بين تكليف الإنسان وتكليف الجماد والنبات؛ فكلاهما الجماد والنبات ليس لهما قدرة ولا استطاعة وكذلك الإنسان ليس له فيما لا يطاق قدرة ولا استطاعة، وإذا فرضناه مجبورا بطلت الفضائل والصنائع، فنحن نمدح الخيِّر الذي يقوم بالأفعال الحسنة لأنه اختار الفعل الجميل، ونذمّ الشرِّير الذي يقوم بالأفعال القبيحة لأنّه عدَّل عن الأعمال الحسنة واختار الأعمال القبيحة.

وإذا لم يكن للإنسان اختيار، كانت الأعمال كلها بالاستعداد وليس بالعمل والاجتهاد فتبطل الأعمال التي يقصد بها جلب المنافع الدنيويَّة مثل الزراعة والطبّ والسياسة والتعليم وهذا كله غير معقول وهذا كله خروج عن العقل.

يقترح ابن رشد حلا للمشكلة من داخل نظام السببيَّة نفسه، فبحسب ابن رشد فإن قصد الشارع سبحانه وتعالى ليس التفريق بين هذه المعتقدات، بل الجمع بينهما على جهة التوسُّط الذي هو الحقّ، فإنَّه لا شكّ أنَّ الله خلق لنا قوَّة وملكة نستطيع بها أن نفعل الشيء وضدّه وهذا الكسب لا يتمّ لنا إلا بموافقة نظام السببيَّة الذي من الخارج.

وإذا كان الأمر هكذ،ا فإنَّ الأفعال المنسوبة إلينا تتمّ بالأمرين بتلك الملكة التي نستطيع بها أن نفعل الشيء وضدّه وبالأسباب التي من الخارج، وهي  التي عبَّر عنها في الشرع بالقدر الله وهذه ليست هي المكمّلة للأفعال المكتسبة لنا فقط بل هي السبب في ترجيح أحد المتقابلين، فإنَّ الإرادة بتعريف الرشدي هي شوق يحدث لنا عن تخبل ما أو  تصديق بشيء وهذا التصديق ليس باختيارنا بل هو  ناتج عن أمر عارض من الخارج.

فعندما يعرض للإنسان شيء محبوب ونافع له يقبل عليه وعندما يعرض له شيء مكروه ينفر منه، فإرادة الإنسان مربوطة بنظام السببيَّة الذي من الداخل ومن الخارج، فإن الزارع لا يمكنه أن يبذر في أي مكان كان وأي وقت كان وفي أي ظروف كانت وهذا هو نظام السببيَّة الذي من الخارج وهو يقوم بهذه العمليَّة اي الزراعة والفلاحة؛ لأن نظام السببيَّة الذي من الداخل هو الذي يطلب هذا لتوفير الغذاء للبدن وعليه أن يسمح فليس أي جسد كان يمكن أن يزاول مثل هكذا عمل.

فهناك رغبات داخل الجسم الإنساني وهناك موضوعات هذه الرغبات في الخارج، فإنَّ الإنسان يعطش ويجوع ويحتاج للدفء فهذا العطش وهذا الجوع يدفعه نحو الأماكن التي فيها وفرة في المياه ووفرة في الغذاء مثل الجبال والسهول وينفره عن الأماكن التي لا توجد فيها هذه الموضوعات مثل الصحراء والقطب الشمالي والجنوبي. ولمَّا كان الله المتحكِّم في هذه الموضوعات، كانت مشيئة الإنسان تابعة للمشيئة الإلهيَّة لا تخرج عنها.

ولمَّا كانت الأعمال المكتسبة لنا مسبّبة عن النظام السببيَّة الذي من الخارج و الداخل، وكان هذا النظام يمضي وفق ترتيب محدود ونظام منضود بحسب ما قدّره سبحانه وتعالى، وكانت أفعالنا مربوطة بهذا النظام، فإنَّ الواجب أن تكون هي الأخرى على ترتيب محدود  ونظام منضود. وهنا يجب أن نسأل ابن رشد ألا يلزم الجبر أم هناك فسحة للحريَّة.

يخبرنا ابن رشد أن هكذا يجب أن يفهم الأمر، وهكذا تحلّ تلك المشكلة التي توجد في التعارض الموجود في دلائل المعقول والموجود في دلائل المنقول فعندما يتكلَّم الشارع سبحانه وتعالى( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) فالقصد نظام السببيَّة الذي من الداخل والخارج، وعندما يتكلَّم سبحانه (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فالقصد تلك القوَّة التي بها نستطيع أن نفعل الشيء وضدّه.

يقول ابن رشد لا يجب أن يفهم من إجماع الأمَّة أنَّه لا فاعل إلا الله، إنّ الموجودات ليس لها فعل يخصّها وأنها لا تفعل بإذنه، بل يفهم من هذا أنها تفعل بأمره وأن عندما يطلق عليها أنها فاعلة فهذا مجاز؛ لأنّ الله هو من خلقها وهو من جعلها فاعلة وهو الذي يحفظ مفعولاتها، ولولا هذا الحفظ لم تبقَ طرفة عين أو أقل من ذلك فالله هو الفاعل الحقّ.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات