المقالاتفكر وفلسفة

المعنى في دُنُوِّهِ وتعاليه

لا وجودَ بلا معنى، ولا معنى لوجودٍ من دون نطقٍ ولغة. كما لو أنَّ قَدَرَ الإنسان أن ينفرد بمزيَّة التعرُّف بالكلمات على معنى الوجود وسرِّ الإيجاد من دون سائر الموجودات. وسواءٌ جاءَكَ المعنى بالاستقراء المنطقيِّ، أم من تأتِّيات الحدس والمكاشَفة، يظلُّ الموجود العيانيُّ هو الذي يستدرجك لإدراكه والاستفهام عمَّا يستتر فيه. فإنَّك في هذه الحال، تلقاءَ حقلٍ هيرمنيوطيقيٍّ لا متناهٍ يدعوك إلى فهمه وسَبر مجهولاته. فالمعنى كامن في هذا الحقل أنَّى تكثَّرت أجناسه ومراتبه وأنواعه وما يحويه. ولئن كان عالم المعاني مستقلًّا -كما يقال- عن عالم الألفاظ والأشياء والحوادث، فذلك ممَّا يوجبُ علينا التمييز بين ما يصدر عن الأشياء البادية للعيان من معانٍ، وبين ما ينبغي مكابدتُه لمعرفة ما يتخفَّى وراءها من أسرارٍ وغوامض.

المعنى في مقام الإصطلاح

تُبيِّن المدوَّنة المعجميَّة أنَّ ما يطويه اصطلاح المعنى، هو كلُّ ما يتأتَّى ويُفهمُ من ظاهر الَّلفظ، فلا يحتاج فهمه إلى وساطة. أمَّا ما يُقصد من معنى المعنى فهو ذلك الفضاء التأويليُّ الذي تتمدَّد فيه الأفهام وتتكثَّر المعاني. السبيل إليه، أن تعقل من الَّلفظ معنىً ما، ثمَّ يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، وكذا دواليك. والخلاصة أنَّ المعاني الأولى هي تلك التي تُفهمُ من الألفاظ نفسها، بينما المعاني البَعديَّة اللَّاحقة هي التي يُومأُ إليها بتلك المعاني ليقوم المعنى الدلاليُّ أخيرًا بتظهيرها على أطوار ومراتب شتَّى. وأنَّى كان الأمر، فإنَّ “معنى  المعنى”، وإن راح يتمدَّد إلى المابعد المفتوح على فضاء التأويل، يبقى على رباط وثيق بالَّلفظ الذي يحمله على الظهور والاعتلان، ما يعني أنَّ تحصيل معنى حقيقة الشيء، وحتى يصير مطابقًا للقصد، ينبغي أن يرتقي إلى مقام أبلغ في مندرجات الفهم. أي أن ينمو ويترقَّى في أحضان البلاغة بوصفها علمًا تُعرَفُ به أحوال الَّلفظ الذي يطابق مقتضى الحال. ربما هذا هو الذي قصدته العرب لمَّا قالت: “لو شئتَ معنىً شريفًا فتخيَّر له لفظًا شريفًا”. كما لو أنَّ البيان الجماليَّ هو القيمة الحاكمة على معنى الشيء، وهذه القيمة هي التي تعرب عن ماهيَّته وحقيقته الذاتيَّة. المقصود من الَّلفظ الشريف في هذا المقام هو تبيين سموِّ المعنى للقضيَّة المُراد فهم معناها على الوجه الأحسن. إذ المعنى الرديء لزومه لفظٌ رديء، وكذلك الجميل، فإنَّ مقتضى تحصيل معناه أن يُهيَّأ له لفظٌ جميلٌ يناسبه ويكون على شاكلته. وما كلُّ هذا إلَّا لأنَّ ترتيب الألفاظ في النطق- كما يقرِّر النُحَّاة- يجري على ترتيب المعاني في النفس.

الأمر البديهيُّ، أنَّك لو شئتَ الحصول على معنى  الشيء – في بُعدَيه البائن والمخبوء – وَجَبَ أن تعيشه وتختبره من دون مُسبَقات مفاهيميَّة. فغالبًا ما تشكِّل المفاهيم والتصوُّرات عائقًا أمام جلاء التعرُّف على حقيقة الشيء المطلوب فهمُه. فإنَّك متى أدركتَ معنى هذا الشيء بالمشاهدة والحضور لا يعود ثمَّة حاجة -حالئذٍ – إلى نظريَّة معرفة. فهذه الأخيرة لاحقة على تحصيل معنى الشيء وإدراك حقيقته.. إذ من بعد أن تعاين الشيء بالعيش المجرَّب تتبدَّى لك معالم الصواب الموصلة إلى ماهيَّته ومعناه. يسري ذلك على أفراد الأشياء كما تبدو لك في الواقع، وكذلك على “الشيء في ذاته”، بالتبصُّرِ والشهودِ العقليِّ من بعد ذلك. واستتباعًا لهذه الصيرورة، ينفتح أفق التعرُّف على مُبدِئِ المبادئ ومعاني فعله وغايته. هنالك على وجه التعيين، أي حين يصل الاستفهام عن معنى الألوهيَّة وعنايتها بالعالم يرتفع المعنى عمَّا يحدُّه من حدود، مثلما ترتفع الستائر التي تحجبه عن النَّظر. الأمر الذي يشير إلى أنَّ كشف معنى كلِّ موجود هو عمليَّة تأويليَّة شخصيَّة لا تفضي بالضرورة إلى  تشكُّل نظريَّة معرفة جامعة للمعنى.

من الشواهد على ما تَقدَّم، وفي سياق تظهيرها الإبستمولوجيِّ للمعنى، لم تقرّ الحكمة المتعالية أن يكون بإمكان الإنسان الحصول على أيِّ معنىً ذهنيٍّ – تصوُّرًا كان أو تصديقًا – ما دام هو في متن شهود الواقع. ولعلَّ أول تجلٍّ لشهود كهذا على صعيد المفاهيم والمعاني الذهنيَّة هو «مفهوم الوجود». ففي متن الشهود الواقعيِّ بالذات يدرك الإنسان حقيقة وجوده الخاصِّ بالعلم الحضوريِّ، ويجد معنى وجوده الجزئيِّ في الذِّهن، ومن هنا يُنتَزع معنى «الوجود» الكلّيِّ، ويُطلَق عنوان «المفهوم» على هذا المعنى الحصوليّْ.

في السياق إيَّاه، يُشار إلى نوعين من إدراك المعاني هما: الإدراك الحقيقيُّ، والإدراك الاعتباريّْ. الأول، كناية عن انكشافات وانعكاسات ذهنيَّة للواقع، والثاني، يجيء في صيغة افتراضات صنَّعها الذِّهنُ لرفع الحاجات الحياتيَّة. وهذه الافتراضات تمتاز بكونها موضوعة وتابعة، وبكونها أيضًا فَرَضيَّة واعتباريَّة ونفس أمرها هو الصنع والوضع الصادر من الإنسان. كذلك يجوز القول، أنَّ الإدراكات الحقيقيَّة ليست تابعة لحاجات الكائن الحيِّ الطبيعيَّة وعوامل خاصَّة في بيئة عيشه، فلا تتغيَّر بتغيُّر الحاجات الطبيعيَّة والعوامل البيئيَّة، في حين أنَّ الإدراكات الاعتباريَّة تابعة للحاجات الحياتيَّة والعوامل البيئيَّة الخاصَّة، فتتغيَّر بتغيُّرها. فضلًا عن ذلك جميعًا، فإنَّ الإدراكات الحقيقيَّة ليست قابلة للتطوُّر والنشوء والرُّقيِّ، بينما الإدراكات الاعتباريَّة تسير سيرًا ديناميًّا باتِّجاه التكامل والترقِّي. ولقد أعرب ملَّا صدرا عن ذلك لمَّا رأى أنَّ الأشياء المحسوسة المادِّيَّة تحكي الحقيقة القيوميَّة حكايةً ضعيفة بعيدة، وذلك بسبب كثرة حُجُبها. لكنَّ الأشياء الواقعة فوق مرتبة المادَّة – سواء كانت برزخيَّة أم عقليَّة – لها حكايتها الأقوى بالقياس إلى الأشياء المحسوسة. أمَّا حيال كيفيَّة العلم بحقائق الأشياء فنراه يوضح أنَّ الإنسان – وبقدر سعته الوجوديَّة – قد وصل إلى متن الواقع وتوسَّع في دائرة المعاني الموجودة لديه على أساس هذا الوصول. ثمَّ يعلم  -أي الإنسان- أنَّ العلم بالعلَّة يُنتج العلمَ بالمعلول، وأنَّ العلم بحقائق الأشياء بعد الفناء في الله والوصول إلى الإلهيِّ، لا يكون كإفاضة صورة من الشيء في قلب الإنسان العالِم، ولا كالنظر إلى الشيء المعلوم في مرآة الحقِّ، بل كالنظر إلى حقيقة الشيء في الموطن الخاصِّ به. وعليه، تذهب نفسُ العالم نحوَ المعلوم، وتدرك حقيقتَه كما هي. وعلى أساس هذا التفسير، يحدُث شهود الأشياء في مواطنها الخاصَّة بها بوساطة شهود علَّتها، فمع أنَّ لكلِّ شيء في موطن الطبيعة- وفوق ذلك في موطن البرزخ، وفوقهما في الخزائن الإلهيَّة، وقبل هذه كلِّها في علم الحقِّ الذاتيِّ- وجودًا بسيطًا جامعًا إلهيًّا، بل إنَّ جميع هذه الوجودات في مواطنها هي أمر واحد مشكَّك، إلَّا أنَّ مفهومها وماهيَّتها واحدة متشابهة تعرضها الكثرةُ بالعرَض وبتبع الوجود. من هنا، فإنَّ إدراكًا حقيقيًّا كهذا  موجود في كلِّ من مواطن الطبيعة والمثال والخزائن الإلهيَّة وعلم الحقِّ الذاتيِّ بوجود بسيط وجامع إلهيٍّ ويكون بالحضور والشهود، وحكم كلٍّ منهما ممتاز عن الآخر، و«المعنى» هو ذلك الوجود الذي يقع في مراتب الكون المختلفة بصورة تشكيكيَّة بحمل الحقيقة والرقيقة، ويدركه الإنسان ببركة اتِّحاد العلم والعالم والمعلوم. (أنظر البحث المنشور في العدد التجريبيِّ الأول من فصليَّة “علم المبدأ” تحت عنوان: “الظواهر من منظور الحكمة المتعالية).

المعنى وحقيقة الشيء

لا يتوقَّف البحث عن المعنى بما هو حقيقة الشيء، عند تخوم البادي من هذا الشيء. فلو حصل أنَّ جرى التوقُّف عند تخوم ما يبدو ويظهر، لَتَعذَّر على الساعي نحو المعنى، أن يوصل مسعاه إلى غايته. ولأنَّ من بديهيَّات الفكر وطبائعه استكشاف باديات الوجود وتحرِّي أصولها والعلم بمبدإها، ولماذا بدأت، وإلى أين ستؤول؟ فإنَّ رحلة التعرُّف ماضية في انفتاحاتها على ما لا يتناهى من معانٍ. في هذا المنفسَح، تصحُّ مشروعيَّة القول بأنَّ ثمَّة حقائق تمكث وراء ما يتبدَّى من مظاهر الأشياء ومعانيها. وما هذا إلَّا لأنَّ العلم بالبديهيَّات الأولى يشكِّل مدخلًا إلى تفسير وكشف الغوامض والمجهولات. ولئن تكلَّمنا بلسان المعنى اتَّضح لنا أنَّ معاني الأشياء لا تُنال من الصور البادية منها؛ بل حتى لو حظي الساعي بشيء منها فلن يتعدَّى سعيُه أرض النقص. لهذا، سينعتُ الشيخ محيي الدين ابن عربي الأعيان الآدميَّة بأنَّها “كانت حروفًا عاليات لم تُقرأ”، كما لو أنَّه يشير إلى أنَّ المعنى الأنطولوجيَّ للإنسان راجعٌ إلى أمرٍ بَدئيٍّ لا يُفقَهُ سرُّه إلَّا في سماء الرحمانيَّة، أو لدى من عنده علم الكتاب. وهذا الأخير علمٌ عزيز ومفارق ليس بمقدور العقل القياسيِّ الإحاطة بمقدِّماته ومآلاته. والسبب هو أنَّ ما يعقله الفكر من أجل أن يستخرج معناه مقيَّدٌ بالعقل المقياسيِّ نفسه، ما يعني أنَّ العقل بهذه المثابة منحصرٌ في كهف التقييد، وكلّ ما يُقيَّد بشروط المعقوليَّة المقياسيَّة ومعاييرها يبقى أسير الكون الناقص وتحت ظلاله.

في محضر الكلام على “المعنى” و”معنى المعنى”، قد يكون علينا التمييز بين حقلين معرفيَّين: أوَّلهما، حقل التعرُّف على ظواهر الأشياء. وثانيهما، حقل الاستفسار عمَّا تنطوي عليه الأشياء من خفايا يتعذَّر إدراكُها ما لم يتهيَّأ المستفسرُ للإنتقال إلى طور مُفارِق من المكابدة، وعلى نحو يجاوز فيه الَّلفظ وفرضيَّات الذهن والواقع المباشر. ولبيان القصد، يمكن أن نؤسِّس مسعانا على مجالين متَّصلين ومُفارِقين في الآن عينه: الأول، مجال المعنى الفاني المحكوم بالتغيُّر والتبدُّل والزوال، والثاني، مجال المعنى الباقي المؤيَّد بسيرورة الثبات والديمومة.

يتَّخذ المعنى الفاني صفة الفناء لتعلّقه بالموجود المتغيِّر والزائل. أمَّا المعنى الباقي فـ”بقائيَّته” عائدةٌ إلى استمداد مكانته الوجوديَّة ممَّا هو باقٍ ودائم ولا متناهٍ. الأول يفضي إلى الاكتفاء باستظهار المعاني الفانية ممَّا هو عارضٌ وفانٍٍ؛ وهو ما عكفت عليه الميتافيزيقا القبْليَّة لمَّا أخلدت إلى دنيا المفاهيم فاستيقنتها، أمَّا الثاني، فقد اتَّخذ سبيلًا إلى ميتافيزيقا ميتافيزيقا بَعديَّة ترمي إلى اكتناه سرِّ الوجود والاهتداء إلى حكمة الإيجاد من أجل بلوغ المعنى الأتم. رُبَّ ثمة من يتساءل عمَّا إذا كان فهم معنى الظواهر ممكنًا علميًّا بالتجربة والاستدلال والاستقراء المنطقيِّ، ثمَّ يضيف محتجًّا، أنَّ ما يعرب عنه التعالي الميتافيزيقيُّ إن هو إلَّا استشعار حدسيٌّ أو عاطفيٌّ لا برهان عليه، ولا دليل يوصل إلى كنه معناه وماهيَّته. ثمَّ يخلص إلى أنَّ ما يُتوصَّل إليه هو خالٍ من المعنى تمامًا، بدعوى أنَّ كلَّ لفظ لامعنى له إلَّا متى علمنا مسبقًا قابليَّته للاستنباط، وبأيِّ وجه يمكن التحقُّق منه. من أجل هذا، سينبري رهطٌ من الفلاسفة المحدَثين إلى القول بلا جدوى الألفاظ والمفردات الميتافيزيقيَّة؛ نظير “المبدأ” والشيء في ذاته- والروح والمطلق – والفيض – والتجلِّي- والكشف إلخ… وذريعتهم في هذا أنَّ هذه الألفاظ لا معنى لها، بمعزل عن البناء العنصريِّ الذي تتقوَّم به. وعليه، فإنَّ الألفاظ والكلمات تكتسب معناها وقيمتها من حيث كونها تعيُّنات واقعيَّة فحسب، وأمَّا الميدان الوحيد الذي تتحقَّق فيه مثل هذه المعادلة فهو ميدان العلم التجريبيّ.

مثل هذه الدعاوى تختزل سياقًا مديدًا ممَّا كان تأسَّس ثمَّ أعيد تأسيسه في تاريخ الفلسفة الكلاسيكيَّة. سوى أنَّ معضلة المعنى التي استوطنت أرض الميتافيزيقا منذ البدء اليونانيِّ مع السوفسطائيَّة والمشائيَّة، ستقود حضارة الُّلوغوس إلى ضربٍ من فراغٍ عجيبٍ غزا عالم المعنى وراح يستحوذ عليه. والفراغُ العجيبُ ذاكْ، يتراءى على صورة شغبٍ مُستدام في معركة المعنى. والخائضُ في لُجَّته محمولٌ على الظنِّ بأنَّ السؤالَ المُستَنْبَتَ من حجَّةِ العقلِ كفيلٌ بجعلِنا ننحني لظهورِ الحقيقة ومعانيها الخفيَّة. لكنْ، الظَّانُّ إيَّاهُ، كثيرًا ما يغفلَ عن أمرٍ يؤيِّده العقلُ نفسه، وهو أنَّ السؤالَ الذي اُتُخِذَ سبيلًا أوحَدَ لنيلِ الحقيقةِ المتأمَّلة، سوف يُمسي مع الزمنِ داءً لا شفاءَ منه. كلَّما انتهى السائلُ من سؤالٍ ابتدأ بآخر، حتى ليصير الخائضُ في اللُّجَّةِ كالظَّمآنِ المضطرِّ لماءِ البحرِ كلَّما ارتوى ازداد عطشًا. في الفراغ العجيب لا استشعارَ للمكانِ ولا للزمانِ، حتى ليخالُ الذي هو ساكنٌ فيه كأنَّه في تيهٍ لا مُمْسِكَ له، أو لكأنَّه شيءٌ محاطٌ باللَّاشيء. إنَّه غريبٌ في أرضهِ، ولا يجدُ ما يؤنسهُ في غربتهِ سوى علاماتِ استفهامٍ لا جوابَ عليها. حتى لقد بدا العائشُ في حقله الزئبقيِّ كمثْلِ من يقف بقدمينِ مهزوزتينِ وقد أوشك على السقوطِ من منحدرٍ شاهقْ. وحالذاك يصير المُمتَحنُ في ابتلاءاتِ المعنى حاملًا في نفسه ضدَّين يتنازعانه على غير هدى: ضدٌّ يصرُفه عن الاهتداء إلى معنى فاضل لكينونته في الوجود.. وضدٌّ يدعوه إلى الانعتاقِ والتحرُّر ممَّا هو فيه فلا يجد إلى ذلك سبيلًا.. ولولا أن بقيَ للمُمتحنِ حظٌّ من عقلٍ يميِّز الخير من الشرِّ، ورجاءٌ يُسكنُ الفؤادَ الحائر، لمكثَ في بطنِ الظُّلمةِ أبدًا.

السؤال كدُربة للعثور على المعنى

من أجل أن يصل الباحث عن المعنى إلى مأربه، سَلَك دربة السؤال. إلَّا أنَّه سيعلم أنَّه لن يعثر على جوابٍ شافٍ من دون سؤال يتوفَّر على مقوِّمات الشفاء. فالسؤال ذو المعنى لا مناص من أن يفضي إلى إجابة ذات معنى لقد اختبر العقل البشريُّ بالسؤال أول تمرين له في رحلة الاستفهام الأنطولوجيِّ عن معنى الوجود بأركانه الثلاثة: الله، الكون، الإنسان. مؤدَّى ما نقصده من الاستفهام، أنَّ الفلاح بمعنى الوجود والموجود يجري عن طريق السؤال الذي يتاخم الأصل والبَدء والماهيَّة الذاتيَّة للشيء المستفهَم عنه. وهذا النوع من السؤال له وجهة تفارق سائر الأسئلة؛ لأصالته التأسيسيَّة للمعنى. فالسؤال الذي لا يؤسِّس ولا تؤسَّس عليه المعاني والكشوفات لا يُعوَّل عليه. ومقتضى التأسيس العودة إلى منابت الأفهام والأفكار، وتمييز صوابها من بطلانها، ثمَّ إعادة تأليفها تبعًا لتحوُّلات الأزمنة وشروطها. ما يعني أنَّ السعي للعثور على سؤال مؤسِّس هو فعلٌ زمانيٌّ ومكانيٌّ بقدر ما هو فعلٌ يجاوز الزمان والمكان. لكن، وفقًا لمبدأ التكامل، فإنَّ جميع ما في العالم ـ على تراتب موجوداته واختلافها بما فيها الكائن الإنسانيُّ ـ له نصيبه في التأسيس، وكلٌّ بحسب وضعيَّته الوجوديَّة. ذلك بأنَّ رسم حدود التمايز بين الإنسان والشيء لا يعني تغييب الشيء عن الحضور بوصفه عنصرًا جوهريًّا في تكوين هذا السؤال. فالكائنات كلُّها مطويَّة فيه ومتضمَّنة في غضونه، ولولاها لما كان للسؤال أن يُطرح، ولا كان له أن يكون سؤالًا يستدرج روح المعنى. حتى الاستفهام عن المطلق الذي يفترضه الذهن البشريُّ حين يتأمَّل عالم المعنى، لا ينفصل البتَّة عن عالم الممكنات. فعالم الإمكــان ضروريٌّ في تظهــير السـؤال المؤسّس والتعرُّف على إمكانيَّاتــه ووعوده. وما ذاك إلَّا لأنَّ الممكنات التي تمدُّ الحياة الإنسانيَّة بأسباب القدرة والديمومة هي التي توفِّر للسؤال مواقيته ومكان حدوثه. لكن السؤال المؤسِّس رغم عنايته بعالم الإمكان يبقى متعلقًا بمهمَّته الأصليَّة من خلال اعتنائه بالحقيقة المؤسِّسة للوجود. وعليه، لا يُنجز الاستفسار عن الشيء وشيئيَّته، ولا عن الموجود بما هو موجود، بمعزل عن هذه المهمَّة. فقد بذلت الميتافيزيقا مذ أبصرت النور في أرض الإغريق وإلى يومنا الحاضر، ما لا حصر له من المكابدات، إلَّا أنَّها غالبًا ما انتهت إلى الَّلايقين. لقد اختبرت النومين (الشيء في ذاته)، والفينومين (الشيء كما يظهر)، وكانت النتيجة أن نشأ حائلٌ حدَّ من جاذبيَّة العقل، وحال دون قدرته على تحرِّي غموض الوجود وخفائه.

وعليه، فإنَّ ثمَّة جدليَّة اتِّصال وانفصال بين هذا السؤال ومراتبه الوجوديَّة. ولمَّا أن كان الوجود واحدًا متَّصلًا ومبنيًّا على التراتب، كذلك يكون الاستفهام عنه. أي أنَّه وجود واحد ذو مراتب. ولإنجاز الاستفهام وفق هذه الجدليَّة، وجدنا أن نرى  إلى السؤال على ثلاث مراتب: – سؤال فانٍ، سؤال باقٍ، وسؤال يتردَّد بين الفناء والبقاء. ولكلٍّ من هذه المنازل خصائصُه المعرفيَّة ومقتضياتُه وظروفُه الزمانيَّة والمكانيَّة وآثارُه النفسيَّة والمعنويَّة.

في ما يأتي نعرض إلى ماهيَّة كلِّ مرتبة وطبيعتها:

أوَّلًا: السؤال الفاني: وهو متعلِّق بماهيَّة وصِفات الشيء ونشاطه كظاهرة في زمان ومكان محدَّدين. ولذلك فالسؤال عن الموجود الفاني هو سؤال فانٍ ولا معنى له من حيث هو هو. وأمَّا معناه فمنحصِرٌ بكونه يحيا بأعراضه ويزول بزوالها. والطبيعة الفانية لهذا النوع من السؤال تعود إلى ارتباطه بدنيا الحواسِّ وتعلُّقه بالحاجات المباشرة للموجودات. فإذا سُدَّت لموجود ما حاجتُه كفَّ عن المطالبة؛ وما إن يكفّ عن الطلب حتى ينقضي أمرُه ويتبدَّد معناه.

لأجل ذلك، كان من أبرز سمات السؤال الفاني وقوعُ صاحبه في الحَيْرة. وحيرتُه هنا ذات طبيعة سالبة، وهي حَيْرة الكثرة من الناس. معها يكون الحائر متطيِّرًا ممَّا يكِّدره من أمور دنياه، فيتشابه عليه خيرُها وشرُّها، عاليها وسافِلُها، ولا يجد لأمره حيالها من سبيل. فهو أشبه بحاوية ضخمة من الظنون. سِمَتُه اللَّايقين وفقدان الثِّقة بالذَّات وبالغير. لا يواجه الحائر في السؤال الفاني أمرًا إلَّا أخَذَه العَجَب، فالفراغ العجيب علمٌ ناقصٌ، ولأنَّه كذلك فلن يسفر إلَّا عن حيرة مشوبة بالجهل. فإذا كان من أفعال العقل أنَّه يجمع ما تفرَّق في عالم الممكنات والمحسوسات، فالحائر في الفراغ يفرِّق ما كان شملُه مجموعًا. لهذا، أمكن لنا القول أنَّ الحائر ها هنا يدور حوالى نفسه، ولا يملك أن يغادر دوَّامته قطّ. فمن طبائع الحيرة النازلة جمعها بين نقيضين: يقين ناقص وشكّ ناقص، والعائشُ فيها لا يقدر أن يُجاوِز نقصانه ويمضي إلى انشراح الصدر.

ثانيًا: السؤال المتردِّد بين الفناء والبقاء: صاحب هذا السؤال يسأل عن معنى الأبديَّة إلَّا أنَّه لا يعيشها. ولأنه يُعرِضُ عنها بالنظر والعمل داهَمَه النسيان. لذلك نجده يميل في أسئلته إلى الشيء الفاني والفكرة الفانية بحكم انئخاذه بسحر الموجودات، وتعلُّقه بجاذبيَّة الحسّ. وبسببٍ من منزلته التوسُّطيَّة بين الفاني واللَّافاني ينحكم صاحب هذا السؤال بالتقلُّب والحَيْرة، وغالبًا ما يشعر بأنَّ يومَهُ كأمسِهِ وأمسَهُ كَغَدِه. ثمَّ تتساوى أيامه في التكرار والتواتر ولا يقدر على أن يأتي بما يساعده على الانتقال إلى ضفَّة الاستقرار وسداد الرأي. مع ذلك، فإنَّ حيرة الحائر بين الفناء والبقاء هي ذات طبيعة مختلفة عمَّن سبقه. ويترتَّب على هذا الاختلاف تمايزٌ عن سواه في استقراء الوجود. فالحيرة الوسطى، على الرغم من تطلُّعها إلى الباقي والمطلق، تبقى تدفع بصاحبها إلى الفاني والنسبيّ. مع ذلك، يستطيع الحائر فيها أن يجد له مُنفسَحًا للتفكير بالسؤال المؤسِّس بما لديه من ذكاء وفطنة وسِعَةِ حيلة.

ثالثًا: السؤال الباقي: وهو الذي لا يفنى ما دام يغتذي من أرض المعنى، أي من الوجود الأصيل حيث لا عدم ولا فراغ، بل امتلاء محض. ولو كان لنا أن نجعل له مطرحًا يليق به لأقمناه مقامًا “فوق ميتافيزيقيّ”. وهذا المقام اللَّائق هو الأكثر قابليَّة لاستيلاد السؤال المؤسِّس للمعنى. ذلك بأنَّه مقام الجمع بين الأضداد، والوصل بين الوحدة والكثرة، ناهيك برعايته للتكامل والانسجام بين الغيب والواقع المشهود. بهذه المنزلة السامية يكون السؤال حيًّا، إلَّا أنَّه سؤال من ذلك النوع الذي لا ينتظر الإجابة على نحو ما يبديه الإنسان من استفهامات في عالم الحسّ. فالإجابة ها هنا استجابة وإقبال، ذلك بأنَّها متضمَّنة فيه ولو لم تظهر نتائجها في الَّلحظة التي تلي السؤال. والإمكان هو تبيُّن ماهيَّة السؤال الباقي في ما ذهب إليه التأويل العرفانيُّ للزمن. فقد وصف عُرفاء الصوفيَّة أنفسهم بـ “أبناء الوقت”. وكلمة الأبناء تدلُّ على جمع العارف بين أضلاع ثلاثة: الزمان والمكان وحضور الإنسان فيهما. فمتى جاز المرء على الجمع بين الأضلاع ومعهم كان على شاكلتهم. وقتُه وقتهُم، وسمتُه سمتُهم، ومطرحُه مطرحُهم، ومآلُه مآلُهم. عندئذٍ يصير الزمن مقامًا للكائن لا يُعرَفُ إلَّا فيه، ولا يعرِفُ الوجود إلَّا من محرابه. والذي لم يبلغه بعد لا يقدر على المعرفة التي تمكِّنه من الكشف والمشاهدة. فلو لم يكن ابنًا للوقت بهذا المعنى الخاصِّ والمتعالي، لغدا مستحيلًا بالنسبة إليه لأنه غريب عن التماسِّ ولا يملك عين البصيرة. إذن، السؤال في المقام “فوق الميتافيزيقيِّ” منفتحٌ على اللَّامتناهي ومقيَّدٌ فيه في الآن عينه. فالسؤال عن الأزل، وبالتالي عن الله، هو سؤال لا ينتسب إلى عالم المفاهيم الذي نشأ ونما في محراب الماهيَّات الفانية. أمَّا السؤال عن الباقي والأزليِّ فهو ما لا يمكن أن يُحمل على مفهوم، لأنَّ المفهوم المحمول على شيء ما والمنتزع منه، هو قول محدَّد ومحدود بماهيَّة ذاك الشيء. ولو شاء السائل أن يجيب عن ماهيَّة الأزليِّ بالوصف فلن يسعفه الَّلفظ. فالأزليُّ يتأبّى على كلِّ لفظ، ولو تُلُفِّظ عنه فليس الَّلفظ بصائب حتى لو كان صادقًا في الَّلحظة التي يصدر فيها على لسان اللَّافظ.

في أرضِ المعنى المسكونة بدنيا المفاهيم ومعاثرها، يظلُّ الواحدُ منَّا يسألُ حتى يتبدَّد السؤال.. وحين يصلُ إلى تلك المنطقةِ من الفراغِ العجيبِ يجدُ نفسه على الحافَّة: إمَّا أن يتطيَّرَ ويسقطَ في لُجَّةِ العدم، وإمَّا أن يغمرَهُ الأنسُ الأتُّمُ ويعودَ الكونُ كلُّه على كَثرتهِ وكَدَرهِ حضرةً رحمانيّةً واحدةْ … فلو حصل الانتقال من أرض الفراغِ العجيبِ إلى أرض الحقيقة سيتهيَّأ للداخل حَالَذاك كما لو أنَّ يدًا قدسيَّة امتدَّت نحوَهُ وتلطَّفتْ عليه بالأمانِ وهدأة الصدر. ولو تنبَّه المتهيِّءُ إلى هذا “التأتِّي اللَّطفانيِّ” النَّازلِ عليه من الوجود المحضِ، لساءَلَ نفسَهُ عمَّا ينبغي له أن يردَّ الجميلَ بالجميلِ، ويبادلَ اللُّطفَ باللُّطفْ. هنا لا شيء أمامَكَ إلَّا التلقِّي بصبرٍ وصمت. والتأتِّي اللُّطفانيُّ بهذه الصورةِ غالبًا ما يتدفَّقُ من دون حسبانٍ على الناجين من أغلالِ الفراغِ العجيب. ولذلك، فهو تدفُّقٌ مفاجئٌ يثيرُ مشاعرَ متضادَّةً تُراوحُ بين الدهشةِ والحبورِ والتهيُّب. وعلى الرَّغمِ من الفجْأةِ التي غمرَتْهُ برهبتِها، لا يجدُ الناجي غرابةً في ما حلَّ فيه. فما تؤتيهِ اليدُ القدسيَّةُ ينبسطُ على غيرِ صورة، حينًا على هيئةِ عقلٍ هادٍ، وحينًا كأمرٍ قدسيٍّ يمدُّه بالمسرَّةِ، وأخرى على صورة روحٍ كليِّ العطاءِ ينفقُ من أجل المعنى الأسمى من غير مِنَّة.

على هذا الطريق، يوشك صاحبُ الحظِّ الذي جاوز أرضَ “الفراغ العجيب” أن يتعرَّض إلى جذبٍ معنويٍّ غيرِ عاديٍّ، هو أقرب إلى استشعارٍ خاطفٍ بلذَّةِ الامتلاءِ بالمعنى. معه يتبدَّد كلّْ سؤالٍ مميتٍ، لينبعثَ من بعدهِ كلُّ تساؤلٍ حيّْ. وحين يكشفُ الجاذبُ القدسيُّ عن معناهُ، لا يعودُ للسؤالِ عن سرِّ المعنى آنئذٍ مِن نفع. فلا لزومَ لإشغال الفكر باستفهاماتٍ قد تودّي بصاحبها إلى الاغتمامْ. فمن أدركَ سرَّ الاندهاشِ العجيبِ إدراكَ عيشٍ ومُعاينةٍ، لا يعبأَ إن كان قد تعقّلَ معنى السرِّ بالحجَّةِ والاستدلالْ. فقد وَصَلَهُ الدليلُ بالمعاينةِ لا بالخبرِ المَشوبِ بالشكّْ. فإنَّ من عاشَ سرَّ معنى الموجود لا يَعُودُ يهمُّهُ التعرُّفُ على صفاتهِ وآثارِه، فقد بات يعرف ما لا يطيقُ معرفتهُ أكثرُ أهلِ النُّدرة.

حدود العقل في إدراك المعاني

لقد أجمع العرفاء على قصور العقل عن إدراك ما تنطوي عليه بواعث الموجودات من إغماض. فالعقل – بما هو عقلٌ – منشغلٌ بحدود الأشياء وماهيَّاتها؛ فأنَّى له القدرة على حدِّ معنى الله، ففي الألوهيَّة ينمحي الحدُّ، وما يمحو الحدَّ يتأبىَّ على التعيُّن حتى يجعله ممتنعًا. في هذه المنطقة القصيَّة التي يُبحث منها عن المعنى الأتمِّ ينتقل نشاط العقل إلى طور أعلى، حيث تتَّسع الرؤية وتتقلَّص الُّلغة الحاكية عن المعنى، ثم تمضي في التجريد حتى تصير حرفًا، ثمَّ تصير حرفًا وراء حرف؛ حتى تصل الحرف الأعظم. من أجل ذلك وجدنا أنَّ لفظة “بسم الله عند الأولياء هي ككلمة “كن” من الحقِّ عزَّ وجلَّ، فهي كلمة أثبتت المفعول، وضمير الباء أثبت الفاعل، وضميرها هو ضمير الإنسان الكامل، أو نقول روح الوجود”، لذا فباسم الله عند الولي العارف هي كلمة إيجاد على الحقيقة، وهذا يكشف عن علاقة خاصة يعقدها العارف بالُّلغة، فهو لم يجلس في بساط التعليم لكي يتعلَّم رسمها، أو يحصل خصائصها ومعانيها فيحفظها عن ظهر قلب كما يفعل غيره من علماء الرسوم. فالعارف في مرحلة التكوين كان يهذِّب ملكاته باسم الله، ويتمثَّلها ويتجرَّد بتجرُّد الاسم. كان يستكن المعنى ولا ينهي مرحلة التكوين حتى يكون مظهرًا لاسم الله تعالى أي عارفًا كاملًا. ثمَّ إنَّ مقصود العرفاء في استكناه الحروف والكلمات – كما يقول العارف بالله عبد الكريم الجيلي- هو الكشف عن الحقائق الدالَّة على الحقِّ تعالى وكمالاته: “والكلام عليها (البسملة)، في منافعها وأسرارها، ولسنا بصدد شيء من ذلك في وجوه، بل كلامنا عليها من وجه معاني حقائقها فيما يليق بجناب الحقِّ سبحانه وتعالى”.

سنرى -على سبيل المثال- أنَّ السؤال عن الله هو من النوع الذي لا يُجهر به. لأنَّه ليس بعارضٍ، وهو غير منحكم إلى زمان ولا إلى مكان. ثمَّ إنَّه سؤال لا يصحُّ أن يندرج ضمن الاستفهام الفينومينولوجيِّ عن معنى الأشياء. وما ذلك إلَّا لأنَّه استفهامٌ عن اللَّامتناهي والمحيط بكلِّ شيء، لا بالسائل المحدَّد والمحدود والمحاط به. ولذا، فالسؤال عن الله هو سؤال عن الذي لا تُحاط ذاته بالفهم لأنَّه مطلق. والمطلق، بحسب تعريف علماء الُّلغة، هو ذكر الشيء باسمه حيث لا يُقرن به صفة ولا شرط ولا زمان ولا عدد ولا شيء يشبه ذلك.

المعنى الممتدُّ في فضاء الغيب هو الأصل الذي تغتذي من خزينه سائر معاني الموجودات. ومن خلال التعرُّف على البدء ومعناه، واستطلاع ماهيَّته، يغدو كلُّ تعرُّف على المعاني اللَّاحقة تعرُّفًا على البدء الأول، وتكاملًا معه ومراتب من مراتبه.

فلكي ندرك معنى الشيء اللَّاحق وجب إدراك المبدأ الذي هو أصل المبادئ ومؤسّس ماهيَّات الأشياء. ومعنى الإدراك هو المجهود العقليُّ في مقام تفسير وتأويل ماهيَّة الشيء موضوع الإدراك على نحو يمكن فهمه والوصول إلى تصوُّر له الحكم عليه. وهي العمليَّة التي ترى إلى الأشياء بوصف كونها وحدة متَّصلة وغير منفصلة بعضها عن بعض.

ولئن كان للمعنى أحوال حيث يُعرف الشيء بمظاهره، فإنَّ له أحوالًا مخبوءة لا يُعرف إلَّا من طريق الاستقراء الباطنيّ. ولهذا الأخير دربة ليس يستطيعها غير الأقلّين، أولئك الذين اتَّخذوا مشقَّة الدخول إلى عتمة المعنى  للتعرُّف على ما ينطوي عليه الشيء. في هذه المنطقة، تمكث نقطة جذبٍ تستحوذ على المشاعر كما تستحوذ على الفكر لتدفع الرَّائي بشغف عجيب لإدراك الغاية المقصودة مهما تعدَّدت مراتب التعبير عن نفسها. أمَّا معنى معنى الشيء فإنَّه يتَّخذ مكانة سرَّانيَّة (من السرّ). مكانه واقعة في منطقة قصيَّة من الوجدان؛ وهي ذات قابليَّة أصيلة لوعي ما هو مستتر وخفيٌّ من ماهيَّة الشيء الجاذب للمعرفة. جمعٌ من فلاسفة الدين طاب لهم نعت تلك الحالة المعنويَّة بالحضور القدسيِّ العصيِّ على الوصف، أي ذاك الدفق الفجائيَّ غير المتوقَّع والذي يأخذ غالبًا ما يأخذ صفة الرهبة، ويستحيل الإمساك بناصيته والإحاطة به.

والقدسيُّ هو الأمر الروحانيُّ الذي يمضي إلى استشعار المتعالي وعيشه والتعامل مع فروضاته بوصفه أمرًا حقيقيًّا وحقانيًّا في الَّلحظة عينها. في الحكاية الميتافيزيقيَّة لمعناه أنَّه المحلُّ الممتلئ بالمعنى الأخلاقيّ. لكنَّ القدسيَّ، أو ما يمكن وصفه بالأمر ذي الجلالة الفائقة، لا ينأى من مكابدات العقل في طوره الامتداديّ. ولأنَّه كذلك، فهو يكتسب معناه ضمن سيريَّة جوهريَّة يتضافر فيه ظاهر الشيء وخفاؤه ليغدو على نشأة واحدة ومعنى واحد. فالعقل في طوره الامتداديِّ يشكِّل حقلًا مشتركًا تأتلف فيه المفارقات والمتضادَّات، بل وترتفع التناقضات التي شكَّلت أساس التفلسُف الكلاسيكيِّ في رؤية العالم. بعض علماء الأنتروبولوجيا ينفون أن يكون المقدَّس مجرَّد طور من أطوار الوعي البشريِّ، بل يرونه عنصرًا مكوِّنًا لبنية هذا الوعي، وأنَّ وجود العالم هو حصيلة لتجلِّي المقدَّس وظهوره. وليس من ريب هذا التأصيل الجوهريِّ لمعنى المقدَّس بمعناه المتحقِّق في الحياة البشريَّة، يفضي إلى حقيقة أنَّ الإنسان – بوصفه إنسانًا – هو كائنٌ ميتافيزيقيٌّ لا يكتسب معناه الأنطولوجيَّ إلَّا بما هو كذلك. أي أنَّ تحقُّق معنى الكائن الآدميِّ ليس أمرًا موقوفًا على الكسب الإراديِّ التدريجيِّ لمكانته في الوجود فحسب، وإنَّما أساسًا على كون معناه كامنًا في أصل خلقته. ولدى وعي هذه المنطقة الَّلطيفة تنفتح أمام مرآة دروب التجلِّي لبلوغ المعنى المستتر في أعماق ذاته. وإذا كان الإنسان لا يستطيع العيش إلَّا في عالم ذي معنى، فالإنسان الروحانيُّ، هو الأكثر توقًا إلى العيش في محاريب القدسيِّ، وما ذاك إلَّا لأنَّ هذا العالم الذي يستمدُّ جاذبيَّته من الغيب، هو عالم حقيقيٌّ وواقعيٌّ لدى من يعيشه ويختبره فيمنحه الأمل بالآتي، وبالسعادة التي لم تأتِه بعد. ولأنَّه لا يجد نفسه إلَّا في محلٍّ ممتلئ بجلال المقدَّس وجماله، نراه يفتتح بهذه الإقامة “البرزخيَّة” سبيلًا إلى السكن في الألوهيَّة الفائضة، ثمَّ ليرجو الخاتمة في المكان الأعلى طهرًا وتقدُّسًا، مثلما كان من قبل كائنًا طهرانيًّا في علم الله وحضرته المقدَّسة.

المقدَّس في معناه المفارق

أنَّى كانت مناحي التعرُّف على معنى الكائن في مقام المقدَّس، وعلى معنى المقدَّس، بما هو مقدَّس، يبقى التساؤل ساريًا حول الكيفيَّة التي يمكن عن طريقها بلوغ معنى القدسيِّ وماهيَّته. ففي حضرة القدسيِّ، يُستشعرُ سرُّ المعنى بالَّلمح الباطنيِّ. وهذا السرُّ لو أُخِذ بمعناه الطبيعيِّ من دون سواه يعني الأمر المكتوم أو الخفيّْ، بمعنى الشيء الغريب، وغير المفهوم، وغير المفسَّر. ومن هذا القبيل، “ليس هذا السرُّ إلَّا خاطرة قَبْسيَّة تُستمدُّ من الدائرة الطبيعيَّة لإيضاح المعنى الواقعيِّ عندنا، ولكنَّها عاجزة عن أن تفصح عنه إفصاحًا تامًّا. إن ما هو سرِّيٌّ – حسب معناه الدينيِّ – إنما هو “ذو الغيريَّة التامَّة” حسب اللَّاهوتيِّ الألمانيِّ رودولف أوتو. ذاك الذي يوجد بتمامه خارج دائرة المعهود، وهو الذي يقع نتيجة لذلك، بالضَّبط، خلف حدود “المألوف”، ويناقضه، مالئًا الذِّهن دهشةً وذهولًا. ولقد دلّت الاختبارات الدينيَّة على أنَّ فهم القدسيِّ وإدراك أسراره ومعانيه يمكث في المنطقة العليا من الإيمان. فالإيمان الأعلى كما يقرِّر أوتو هو الذي يوفِّر لصاحبه القدرة على التجاوز والتعالي بقدر ما يمكِّنه من الاستيعاب والإحاطة. ومن يبلغ تلك الدرجة يستطيع أن يعيش المجاز والحقيقة بالمقدار نفسه، وأن يعيش الغيب والشهود كما لو كان معهما في عالم واحد. مثل هذا الصنف من الإيمان لا يمكن تحديد معناه على النحو الذي تتحدَّد فيه معاني الموجودات طبقًا لقواعد الاستدلال المحكومة بالمفاهيم. فهو ليس مجرَّد ظاهرة تُماثِل الظاهرات الطبيعيَّة الأخرى، بل إنَّه الظاهرة المركزيَّة في حياة الإنسان الشخصيَّة الجليَّة والخفيَّة في الوقت نفسه. فالإيمان هو إمكانيَّة جوهريَّة للإنسان، ولذلك فوجوده ضروريٌّ وكلِّيّْ، وهو ممكن وواقعيٌّ وضروريٌّ أيضًا في كلِّ زمان ومكان. وبالتالي فهو خلاف التوهُّم الذي أنتجته صرامة المنهج العلميِّ، وقيودات المنطق الصوريِّ، وحسابات العقل التقنيِّ الذي وسم تاريخ الحضارة الغربيَّة منذ اليونان إلى حقبة ما بعد الحداثة.

المعنى تحدِّده القيمة التي يختزنها الشيء فيراه الرَّائي فيُظهر معناه. فما كان ذا قيمة، كان له معناه. وبحسب درجة سموِّ القيمة أو دُنوِّها تتعيَّن درجة سموِّ المعنى أو دُنُوِّه. وعليه، فما لا قيمة له لا معنى له ولا يُعوَّل عليه. والقيمة لا تتأتَّى ممَّا يتكرَّر على الصورة نفسها. حتى التجلِّي المتكرِّر في الصورة الواحدة يفقد جاذبيَّته لأنَّ قيمته كانت موجودة في البدء، وتكرارها ضربٌ من زيادة على الصورة. وكلُّ زيادة على ما هو أصيل وجوهريٍّ لا قيمة له. وعلى ما يقول ابن عربي، فإنَّ التجلِّيات المطابقة لأمثلتها القائمة بالنفس قبل ذلك، لا يُعوَّل عليها. وكلُّ مشهد لا يريك الكثرة في العين الواحدة لا يُعوَّل عليه. حتى قيمة الحكمة إن لم يكن لها حكمٌ وإرادة فلا معنى لها.
___________
*د. محمود حيدر: مفكِّر وأستاذ في الفلسفة.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات