المقالاتثقافة وأدب

اللغة العربيَّة بين الواقع الحضاري والمتخيَّل الاستشراقي

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربيَّة، لا بد من استحضار الوضعيَّة القديمة للعرب كقبائل منحصرة بين فكي إمبراطوريتين من أقوى ما جاد به التاريخ الإنساني (الروم، الفرس).

أي قوَّة خارقة تلك التي استطاعت نقل هذه القبائل من وضعيَّة الكمون، إلى وضعيَّة الانفجار الحضاري؟!

على مستوى الإمكانيّات الماديَّة، اقتصاديًّا وعسكريًّا، لم يكن العرب شيئا يذكر في الميزان الاستراتيجي. لكن، على مستوى الإمكانيّات الرمزيَّة، كان للعرب ما يفخرون به بين الأمم، كانوا يمتلكون ديوانا شعريًّا بمثابة الخزَّان الاستراتيجي الذي لا ينضب، داخل هذا الخزان نمت اللغة وتطوَّرت، تشكَّلت القيم وتبلورت. وكأنَّ العرب كانوا، عن لا شعورٍ جمعي، يهيِّئون لحدث عظيم سينقلهم من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضارة، ومن وضعيَّة القبائل المتناحرة إلى وضعيَّة الأُمَّة الموحَّدة. 

لمّا تهيَّأت الشروط الفكريَّة والقيميَّة والثقافيَّة، كان العرب على موعد مع التاريخ، ونزل الوحي بلسان عربي مبين وبمتخيَّل عربي أصيل، حاملًا رؤية عالم عربيَّة يقترحها على العالم أجمع كنموذج حضاري متكامل صالح للاقتداء. 

هذا الرصيد اللغوي والفني  والحضاري الذي جسَّدته اللغة العربيَّة، في الماضي، يدحض كل الترهات التي يروِّجها الإعلام الغربي المأجور، ومن يسير على نهجه في الامتداد العربي المستلب، عن تراجع دور اللغة العربيَّة، في الحاضر،  إنه متخيَّل Imaginaire  استشراقي مفلس يُعاد تدويره Recyclage ليس إلا، أمَّا الواقع فهو ينبئ بمستقبل زاهر للغة العربيَّة، بما تحمل من قيم فكريَّة وجماليَّة وأخلاقيَّة، أصبح عالم اليوم في أمسّ الحاجة إليها بعد دخوله في حالة السيولة/الميوعة بتعبير زيغمونت باومان.

وهذه فرصة، لن تفوتني، لاستحضار مقال صحفي عابر فاقد للكفاية الأكاديميَّة، نشرته مجلة إيكونومست/The Economist  البريطانيَّة يثير زوبعة في فنجان لكن بعض الاستشراقيين، الذين أدمنوا الاستمناء على سرير المتخيَّل، اعتبروها زوبعة حقيقيَّة بل وعلامة كبرى من علامات ساعة اللغة العربيَّة !هذا  المقال الصحفي (الأصفر)، رغم إقراره بكون متكلِّمي اللغة العربيَّة، رسميًّا، يناهز ما يقارب النصف مليار – أضف لذلك متكلّميها  من العالم الإسلامي الكبير الذي يتجاوز المليار- فإنَّه ينذرنا بموت اللغة العربيَّة واستفراد اللغة الإنجليزيَّة بميراثها !!!

يستند المقال إلى انطباعات عابرة فاقدة للاستقراء العلمي مثل: تأثير اللهجات، ورسم اللغة العربيَّة بحروف لاتينيَّة… وهذه الانطباعات، كما يبدو، أسوأ من الزلَّة! حضور اللهجات، على مستوى التواصل الكتابي، إيديولوجيًّا ليس إلا! لأنَّ معظم المكتوب عربي فصيح. أمَّا كتابة العربيَّة بحروف لاتينيَّة فهذا لا يتجاوز حدود التواصل الاجتماعي، ولا أحد يعلم بوجود مكتوب عالم متخصِّص أو صحفي حتى يوظِّف الحروف اللاتينيَّة.

اللغة العربيَّة في أفضل حالاتها، منذ قرون، فهي السادسة على مستوى الأنترنت، ضمن تصنيف اللغات العشر الأكثر استعمالا، متقدِّمة على الفرنسيَّة التي جاءت تاسعة. بالإضافة إلى حضورها الإعلامي اللافت الذي تجسِّده القنوات الناطقة بالعربيَّة، والتي أصبحت تغزو العالم عبر بثها من بربطانيا وألمانيا وفرنسا والصين وروسيا وأمريكا وتركيا وإيران. وكل هذا الحضور تحتلُّ فيه العربيَّة الفصحى، شفهيًّا وكتابيًّا، حصَّة الأسد مع حضور هامشي للهجات.

حوربت اللغة العربيَّة على يد أباطرة الاستعمار، الفرنكفوني والأنجلوفوني، لكنَّها ظلَّت صامدة صمود أهلها، واليوم تجد الفرصة سانحة للنهوض، في ظل نظام معولم يبشر باندحار الاستعمار التقليدي، وصعود قوى جديدة فارضة خصوصيتها الثقافيَّة واللغويَّة. 

نظم أدونيس شعرًا من ذهب، حينما صوَّر البطل/العربي موجة تنام! فهل تنام الموجة أم إنَّها تستجمع قواها لإطلاق مد/تسونامي حضاري؟ 

.. والبطل الساهر مثل موجة ينام! 

هيهات منه النوم !

العرب قادمون.. وإنَّ غدًا لناظره قريب. 

*********

رابط مقال الإيكونوميست: 

https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2022/09/29/losing-the-language-of-the-koran
______
*د. إدريس جنداري- باحث في سوسيولوجيًّا الثقافة .

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات