المقالاتحياة ومجتمع

الصحَّة الجنسيَّة والانجابيَّة والمساحات الآمنة

للصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة آثارًا واسعة على نطاق الفرد والعائلة والمجتمع. تتمثَّل الصحَّة الجنسيَّة والانجابيَّة في قدرة الأفراد على التخطيط للحمل والولادة، إلى جانب الحصول على رعاية عالية الجودة قبل وأثناء وبعد الحمل، بالإضافة إلى الوقاية والعلاج من فيروس نقص المناعة البشريَّة والأمراض المنقولة جنسيًّا. إنَّ عدم الوصول إلى الخدمات الجنسيَّة والإنجابيَّة الأساسيَّة لصحَّة الأفراد وحياتهم قد يعرِّضهم للخطر، وهذا بدوره يؤثِّر بشكل سلبي على العائلات والتنمية الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة عمومًا. (Sully et al., 2020)

تتأثَّر الصحَّة الجنسيَّة والانجابيَّة للمراهقين اجتماعيًّا و ثقافيًّا بل وسياسيًّا بشكل كبير وتزيد هذه العوامل من ضعف المراهقين أمام مخاطر الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة (مثل ممارسة الجنس غير الآمنة، والإكراه الجنسي، والحمل المبكِّر) وتشكِّل حواجز أمام وصولهم إلى المعلومات والخدمات الصحيَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة. يعدُّ التعامل مع هذه العوامل الأساسيَّة نهجًا مهمًّا وأساسيًّا، ليتمكَّن المراهقون من تحقيق صحّتهم الجنسيَّة والإنجابيَّة وحقوقهم الإنسانيَّة، ويشار له عادةً ببناء البيئة الداعمة، ويتمّ من خلال العمل مع المسؤولين المختلفين مثل الآباء وأفراد المجتمع وصانعي السياسات. (Svanemyr et al., 2015)

تشمل الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة كل من الصحَّة الجسديَّة والعاطفيَّة والعقليَّة والاجتماعيَّة، كما تضمُّ أيضًا التجارب الجنسيَّة الممتعة والآمنة التي تكون خالية من الإكراه والتمييز والعنف. ويشمل ذلك الحقّ في الحصول على التعليم والمعلومات حول الصحَّة الجنسيَّة، والحقّ في المساواة وعدم التمييز، والحقّ في اتِّخاذ قرار بعدد الأطفال وتوقيت الحمل، والحقّ في الشعور بالرغبة الجنسيَّة والتعبير عنها (Metusela et al., 2017).

خلال العقد الماضي،

عزَّزت العديد من المبادرات العالميَّة أجزاء من أجندة الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة؛ على سبيل المثال، تعدُّ الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة بين الجنسين أساس العديد من أهداف التنمية المستدامة على تحسين الصحَّة والتعليم والمساواة. تتضمَّن أهداف الصحَّة المتعلِّقة بالتنمية المستدامة لعام 2030 تلبية احتياجات الناس من وسائل منع الحمل الحديثة، وتقليل حالات الوفاة للأمّهات والمواليد الجدد، وإنهاء وباء فيروس نقص المناعة البشريَّة. تدعو أهداف التنمية المستدامة البلدان إلى تحقيق التغطية الصحيَّة الشاملة، ممَّا يضمن توفُّر الخدمات عالية الجودة والمتاحة للجميع بأسعار معقولة لتحقيق هذه الأهداف والوصول إلى أكثر السكان حرمانًا.

 تعكس هذه الدعوات لتحسين الصحَّة الجنسيَّة والانجابيَّة أهدافًا أخرى للمبادرات العالميَّة، مثل مبادرة تنظيم الأسرة لعام 2020 واستراتيجيَّة الأمم المتَّحدة العالميَّة لصحَّة المرأة والأطفال والمراهقين. (Metusela et al., 2017)

المتعة الجنسيَّة والجنس الآمن

تعرَّف المتعة الجنسيَّة على إنَّها الإشباع الجسدي والنفسي والاستمتاع الذي يستمدّه الفرد من أي فعل مثير. يشمل هذا التعريف الواسع للمتعة تباين التجارب الفرديَّة للمتعة، التي تتأثَّر بالسياقات الشخصيَّة والاجتماعيَّة والماديَّة والدينيَّة والسياسيَّة.وفقًا للأبحاث، يعدُّ السعي وراء المتعة أحد الأسباب الرئيسة لممارسة الجنس.

أشارت دراسة حديثة إلى أنَّ معظم الرجال الذين يمارسون الجنس مع النساء في مومباسا، كينيا، على سبيل المثال، يمارسون الجنس (لا سيما أولئك الذين يدفعون مقابل الجنس) لا يفكِّرون في المرض، بل بالمتعة. وقد أكَّدت دراسات أخرى، أنَّ رفض إمكانيَّة المتعة في العلاقات الجنسيَّة. خاصَّة بالنسبة للنساء، يؤثِّر سلبًا على إمكانيَّة التفاوض لممارسة جنس آمن.  من جهةٍ أخرى، أشارت دراسة حديثة عن التعليم الجنسي والعلاقات إلى أنَّ التجارب الجنسيَّة السليمة من شأنها أن تساهم في منع الأمراض المنقولة جنسيًّا/ فيروس نقص المناعة البشريَّة. وبالتالي فإنَّ الجنس الآمن من شأنه أن يؤثِّر إيجابًا على النتائج الصحيَّة العامَّة. (Philpott et al., 2006)

خلق المساحات الآمنة للفتيات المراهقات 

تخلق كل من المعتقدات الاجتماعيَّة والتابوهات المتعلِّقة بالجندر وقضايا الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة ما يسمَّى بثقافة الصمت. خصوصًا بالنسبة للفتيات المراهقات. فتعاني الفتيات المراهقات من حالة من الخوف سواءً من السؤال والحصول على المعلومات. أو من المناقشة والتعبير عن مخاوفهن بشأن القضايا الصحيَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة. وهذا ينطبق بشكل خاصّ عند التواصل مع البالغين في الأسرة أو حتَّى على مستوى المجتمعات. فتعاني العديد من الفتيات من قلَّة أو انعدام الإمكانيَّة للتعبير عن أنفسهن دون الحكم عليهن. كما يعانين أيضًا من قلَّة عدد الأشخاص والأماكن التي يمكنها البحث فيها عن المعلومات والدعم.

يعدُّ عدم وجود بيئة سريَّة وخالية من الحكم عائقًا أمام الفتيات في الحصول على معلومات حول الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة. وتعلُّم المهارات، والشعور بالدعم عند التعبير عن مخاوفهن المتعلِّقة بحياتهن والقضايا الصحيَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة.

من جهتها، حاولت العديد من البرامج تطوير وكالة الفتيات من خلال نموذج المساحات الآمنة. يتضمَّن هذا النموذج توفير مكان آمن يمكن للفتيات أن يلتقين فيه بانتظام. ودعمهن وتوجيههن من خلال أشخاص أكبر سنًّا أو حتى من أقرانهن. بالإضافة إلى توفير مهارات حياتيَّة (مثل المعلومات حول الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة. ومهارات التفاوض، وتدريب القراءة والكتابة) وتدريب على مهارات مهنيَّة إلى جانب التواصل الاجتماعي والترفيه. كما تشمل بعض البرامج  مكونات لتعليم الثقة الماليَّة والائتمان والمشاريع الصغيرة. مع التسليم بأنَّ التمكين الاقتصادي لا يعدُّ كافيًا إذا ما تمَّ عزله عن النهج الآخر للتمكين الاجتماعي. تقوم فكرة نهج المساحات الآمنة على أنَّ ضمان أمان الفتيات، وربطهن بشبكة اجتماعيَّة، يمكن أن يساهم في تحسين النتائج. (Svanemyr et al., 2015)

الصحَّة الجنسيَّة والإنجابيَّة عند النساء المهاجرات

أثبتت الأبحاث السابقة، أنَّ التحدّيات التي تواجهها النساء المهاجرات والنازحات نتيجة التهجير أو النزوح يمكن أن تؤثِّر سلبًا على صحّتهن الإنجابيَّة والجنسيَّة. يصعب معرفة مستوى الصحَّة الإنجابيَّة والجنسيَّة للنساء قبل الاستقرار، بسبب الوصول المحدود إلى الخدمات الصحيَّة والمعلومات. علاوةً على ذلك، فإنَّ الأولويَّة التي تضعها النساء أنفسهن لاحتياجات الصحَّة الجنسيَّة عادةً ما تكون منخفضة وذلك بسبب تحدّيات الاستقرار. أمَّا بعد الاستقرار، فقد يؤدِّي الوعي المحدود بالموارد والخدمات الصحيَّة في البلد المضيف إلى ضعف المعرفة بالصحَّة الإنجابيَّة والجنسيَّة. وبالإضافة إلى ذلك، يعدُّ الأقران ووسائل الإعلام والمجلات وغيرها المصادر الرئيسة للحصول على المعرفة بشأن الصحَّة الإنجابيَّة والجنسيَّة. ممَّا يسمح بانتشار المعلومات غير الصحيحة والأساطير بين أفراد المجتمع . (Metusela et al., 2017) 

على الرغم من أنَّ المعرفة هي عامل رئيس في سلوك الصحَّة الإنجابيَّة والجنسيَّة، إلا أنَّ العوامل الاجتماعيَّة والثقافيَّة تؤثِّر أيضًا في تشكيل المعرفة والمعتقدات والممارسات. فللقيم الثقافيَّة والدينيَّة تأثير على اكتساب الوعي بالصحَّة الإنجابيَّة والجنسيَّة والسلوكيَّات. ويمكن لها أن تساهم في عدم المعرفة والوصول إلى الخدمات المتعلِّقة بالصحَّة الإنجابيَّة والجنسيَّة. ففي كثير من المجتمعات يعدُّ التحدُّث عن الجنس أمرًا ممنوعًا بسبب التابوهات الثقافيَّة والدينيَّة. قد تعتبر بعض المجتمعات أنَّ خدمات الصحَّة الإنجابيَّة غير مناسبة ثقافيًّا وبالتالي يتمّ تجنّبها. لاسيما في الثقافات التي تؤكِّد على أهميَّة العفَّة قبل الزواج. كما يمكن للقيم الأبويَّة والأدوار الجنسيَّة المحدَّدة ثقافيًّا أن تؤثِّر على وصول النساء إلى خدمات تنظيم الأسرة وفحص صحَّة الإنجاب. فتخشى بعض النساء المتزوّجات من الطلاق إذا ما طالبن بممارسة الجنس الآمن. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات