المقالاتفنون

“أسرار رسميَّة” .. غزو العراق والضمير الأوربيّ

على مدار ساعتَيْن إلا الرُّبع سيقدِّم فيلم “أسرار رسميَّة” مجموعة من المعارك لا بين جيوش وأخرى، بل بين ضمائر واتجاهات وتنازعات ومصالح، لعلَّ أهمَّها معركة بين ضمير الإنسان ومصلحة الجيوش. وسينقل لمُشاهده عديد الأحاسيس لعلَّ أهمَّها هو احترام الضمير الإنسانيّ المُضمر بين جنبَيْنا والذي يُوقف نفوسنا أمام مِرآة الحقيقة.

فيلم ” Official Secrets ” الذي صنعه المخرج “جافن هود” الذي جاء من “جنوب أفريقيا” هو فيلم تاريخ، وسياسة، ودراما، وتشويق. يسرد لنا قصة “كاثرين تيريزا جان” التي حدثت بالفعل عام 2003، والتي تتعلق بغزو قوات التحالف للأراضي العربيَّة العراقيَّة.

الفيلم يدور عن “كاثرين” (كيرا نايتلي) التي تعمل مترجمة في “مكاتب الاتصالات الحكوميَّة” البريطانيَّة. والتي يُرينا الفيلم منذ لحظاته الأولى أنَّها مُعارضة ومُنكرة لأفعال وأقوال رئيس الحكومة آنذاك “توني بلير” والتي ينوي فيها الهجوم على العراق. وفي أحد أيام عملها وهي تترجم تصلها رسالة من رئيس أركان في قسم الأهداف الإقليميَّة في “الاستخبارات الأمريكيَّة” المدعو “فرانك كوزا” يطلب فيها التنصُّت على ممثلي بعض الدول في منظمة “الأمم المتحدة” بهدف الضغط عليهم، وإيجاد ما يمكن ابتزازهم به ليغيروا رأيهم تجاه غزو العراق.

تصيب هذه المذكرة المرسلة “كاثرين” بحيرة شديدة؛ حين تحوِّل نظرتها عن حكومتها القائمة ومدى ثقتها فيها، وعن ماهيَّة عملها من الأساس ومدى احترامها لنفسها. فقد سقطت تلك نظرة الاحترام لغرض وظيفتها الذي أعلموها أنَّه الدفاع عن بريطانيا ضدَّ أيّ هجوم متوقع من دول أخرى؛ فإذا بها ترى أنَّها تساعد بوضوح وفجاجة بعمليَّة ابتزاز قذرة تساعد على احتلال دولة! من هنا تبدأ الدراما في الفيلم تتركَّب وتتصاعد. وسط كل ما تراه البطلة من إفك على لسان مسئولِي بريطانيا وأمريكا، ورغبة الشعوب الأوربيَّة وتظاهراتهم ضدّ الحرب، وكذلك خيالات ما قد يسببه هذا الهجوم من ويلات لشعب العراق؛ فتقرِّر أن تُقدم على الفعل -الذي ستدور حوله أحداث الفيلم كلِّها- وتُسرِّب التقرير للصحافة لتفضح ممارسات السياسة.

ومكاتب الاتصالات هذه هي مكاتب حكوميَّة تابعة لمنظومة استخبارات بريطانيا، مهمتها التنصُّت لجمع المعلومات، وتصديرها لجهات أعلى منها مثل وزارتَيْ الدفاع والخارجيَّة. و”قانون الأسرار الرسميَّة” الذي يحمل الفيلم اسمه هو قانون يحكم كل مَن يعمل في تلك الجهات الاستخباراتيَّة، والتي تتيح للعاملين فيها الاطلاع على مستندات تصنفها الدول تحت تصنيف “سِريّ للغاية”. ولذلك تمَّ إصدار هذا القانون ليُقنِّن تلك المعرفة التي سيحصِّلها العاملون لضمان عدم خروجها للعلن طوال مدة حياتهم، ومهما كانت الأسباب.

الفيلم يمتاز ببناء قويّ جعله مُؤثِّرًا في المُشاهد، ومُثمرًا لما أراده الصُّنَّاع منه. بالنسبة لسيناريو الفيلم فمن الممكن تقسيم الفيلم بنائيًّا إلى ثلاثة فصول واضحة، كل فصل منها يحمل معركة وصراعًا له روحه وبناءً على ذلك اختلفتْ أجواؤه وحواراته وأهدافه.

في الفصل الأول الذي يُركِّز على تعريفنا ببعض معالم التاريخ الذي يحكم قصتنا نشهد أولويَّة المخرج الأبرز هو إحداث التفاعُل المطلوب مع شخص البطلة وأهدافها النبيلة. ونرى صراعًا ومعركة بينها وبين ضميرها في آن، وبين ضميرها وبين مُلزِمات عملها وقواعده، بين ما يملي عليه ضميرها من أفعال وما قيَّدتْ به نفسها حينما وقَّعتْ على قانون الأسرار الرسميَّة حينما بدأت العمل. وهو فصل إنسانيّ مؤثر عن تفاعل العواطف والضمير أمام العصر. ويبدأ هذا الفصل منذ بدء الفيلم حتى قرارها تسريب المذكرة.

وفي الفصل الثاني الذي ركَّز تركيزًا على تقصِّي كلّ الأجواء التي أحاطت بالأحداث، والتأهُّب للغزو، والرفض العارم من قبل المنظمات المُناهضة للحرب والنشطاء بل الشعوب. وتعضيد هذا بلقطات حقيقيَّة، وذكر لمظاهرات بالغة الضخامة عمَّتْ القارة رفضًا للحرب. في هذا الفصل نشهد عالم الصحافة وصراع المصالح لا الضمائر؛ حيث التسابق على المصلحة وسبق النشر، وتفجير “قنابل الموسم” الصحفيَّة، ونرى كيف يفكِّر الصحفيّ في الموضوع نفسه الذي فكَّرتْ فيه “كاثرين” لكنْ من جهة مغايرة. ويمتد في أروقة صحيفة “أوبزرفر” البريطانيَّة منذ بدأت تفكر البطلة في التسريب حتى افتضح الأمر واتهمت البطلة.

وفي الفصل الثالث الذي صاغه المخرج -وهو المؤلف بالاشتراك- عاد يركِّز على الضمير الإنسانيّ ومعركته الكليَّة والدائبة. يبيِّن لنا صورة مُشرقة للشرف واحترام الذات والتعاضد حول الحقّ مهما كانت المتاعب التي ستأتي من ورائه. وقد تمثَّل في إكمال الخط الدراميّ للبطلة مع زوجها وقضيَّتها، ودخول مكتب المحاماة “الحريَّة” في مجرى القضيَّة. وهو أطول الفصول جميعًا وأمتعها. استطاع الصانع بثّ الكثير من الحوارات والصراعات وصنع الثنائيَّات المتضادة في مواقف حقًّا معبِّرة وقويَّة.

وقد بلغ الحوار في الفيلم درجات من الذكاء بالغة. خاصةً في المشاهد التي أراد الصحفيّ فيها التأكُّد من صحة الوثيقة المُرسلة، فما دار بينه وبين شخصيات نافذة في الدولة، وبين زملائه وآخرين تمتع بحنكة واقتدار في فنّ القول. فالشخصيات لا تريد الإدلاء بأيَّة معلومات وإلا أصبحتْ هي الأخرى مُنتهكة لقانون الأسرار الرسميَّة ومع ذلك تريد الإدلاء بالمعلومات نفسها إراحةً لضمائرها. فكيف تقول ما لنْ تقوله؟ هذا ما أسمعتنا إيَّاه الحوارات في هذا الفيلم.

ولا يمكن تغافل ذكاء الحوارات التي كُتبت للبطلة. وحوار بطلة فيلم ذي خصوصيَّة كهذا يجب أن تصاغ بدقة ومهارة ولمسة من الجماليَّة، ويجب أن تصاغ هذه العناصر في الحوار باحترافيَّة؛ فلو فقدت تلك الحوارات الدقة والمهارة لفقدت الشخصيَّة بعناصرها جزءًا لا بأس به من تأثيرها ونفوذها لقلوب وضمائر المشاهدين، ولو فقدت توازن الجماليَّة لاختلَّ سمت الفيلم وتخطيط المخرج فيه، ولخرجتْ الشخصيَّة إلى حيِّز المصنوع بتأنُّق، لا المطبوع بنقاء.

إنَّ أول المعاني التي قد تتسرَّب إلى نفس المُشاهد تأتيه من شعور سيُحسِّه من اسم الفيلم الذي أتى مُنكَّرًا ” Official Secrets ” من دون أداة التعريف؛ ليشير بإشارات السخرية المريرة من قوانين الدول التي جعلتها سنادًا تستند عليه لخداع المواطنين وتمرير ما تريد فعله دون رادع، وتسخر أيضًا من الحالة المُجتمعيَّة العامَّة التي قُمِع فيها الصوت واتُّهِمَ بوصفه قد سرَّب “أسرارًا رسميَّة”!

يُشعِر هذا الفيلم المشاهد العربيّ بمشاعر مغايرة. وتلقِّي المُشاهد العربيّ في وطننا لعمل كهذا العمل غير تلقِّيه من قِبل المُشاهد الغربيّ، فلكلٍّ خصوصيته فلعلَّ المشاهد الغربيّ يطلع على الفيلم قصةً مثيرةً، ولعلَّه يتابعها بعين الإنسان مُتعاطفًا مع العراق أو مع الأبطال الصامدين أو مع كليهما. لكنَّ خصوصيَّة كيمياء التلقِّي عند المشاهد العربيّ في هذا العمل مختلفة؛ فإنَّها أرضه تلك التي تُحتلّ، وناسه هؤلاء الذين يُقتلون، وويلاته تلك التي يعانيها. لكنَّ المشاهد العربيّ يجب عليه التركيز على أنَّ “الغرب” ليس كُلاً مُوحَّدًا، ليسوا سواء فمنهم المُحتلّ ومنهم مناهض الاحتلال، ومنهم القاسي الذي يريد سحقك ومنهم مَن في رغبته أنْ يُضحِّي بكل شيء ليقف أمام سحقك؛ فتحيَّةً للضمير الأوربيّ كما نلعن الظالمين.

وقد تعمَّد الفيلم أنْ يُسمِع مُشاهده صوت السياسيّ “جورج بوش” وهو يقول له بصوت الواعظ الحاني على أمَّته إنَّه أنقذها من براثن الأسد الذي كان يضمر الهجوم عليها، وإنَّه أزال هذا الخطر الذي يهدد الأمة الأمريكيَّة، وإنَّه قد ذهب إلى العراق ليُقرَّ العدل والسلام والديمقراطيَّة وليُنقذ الجميع. أراد الفيلم لنا أن نسمع هذا مع صور مُقطَّعة من آلام وفواجع الاحتلال في العراق وكأنَّه يُخرسه ويخرس إفكَّه بأداة الصورة السينمائيَّة. يُخرس صوت الإفك الذي يملك كل أسلحة العالَم وهو يذهب لاحتلال دولة بحُجَّة أنَّها تنوي فيما يبدو أن تمتلك سلاحًا!

تعمَّد الفيلم أنْ يسمع المُشاهد صوت مصالح البترول وأغراض أخرى دينيَّة ومصيريَّة قادرة على تحويل قول أدلى به مهندس مجهول الهويَّة كان في العراق عن نيَّة متوقَّعة لا يعلمها أحد في قابل الأيام مُستندًا وحُجَّةً وعليها ينبني قتل وسحق وظلم وتغيير أوطان. لكنْ لا قيمة لهذه الأمور الهينة في ميزان المصالح.

تركيز المخرج في صورته السينمائيَّة قد انصبّ على قضيته بكل جوارحه الإخراجيَّة، ولم يُخرج المُشاهد عن انتباهه إلى ما يحدث أبدًا. بل كان يتعمَّد ويقصد إلى أن يضع أمام المشاهد كلَّ ما يحتاجه في لحظته لتصوُّر الأمر بأبعاده السياسيَّة والعاطفيَّة والضميريَّة، وإيصاله إلى مرحلة اكتمال الدافع الذي تقتضيه أفلام القضايا؛ خاصةً تلك التي تعتمد على عنصر الضمير أو العاطفة في بنائها الكليّ كي يستقرّ في ضمير المُشاهد ما يلمس به دوافع الشخوص وتطورات الأحداث، وما يكفي للانفعال معها انفعالاً يمكن تسميته بتجربة شعوريَّة مُوحَّدة.

ولمْ يذهب إلى ما يذهب له البعض من استعراضات تصويريَّة تبرز مهارة أو اقتدار، فواضح أنَّه من الصنف الذي يرى منتهى المهارة والاقتدار في إحداث الحالة النفسيَّة لا فيما تستطيع فعله بكاميرا بين يديك. وقد استطاع المُخرج أنْ يحافظ على دراميَّة الفيلم رغم سمت الوثائقيَّة التي قد يشعر به المشاهد، حتى المشاهد التي أتت من الأرشيف لا تعدُّ في هذا الفيلم مشاهد وثائقيَّة لأنَّه من زمن الفيلم أولاً فهي في الزمن الحقيقيّ للحدث الفيلميّ، وكذلك قد أدرجها المخرج في سياق دراميّ وهي اللقطات التي يراها الأبطال في التلفاز. فكانت من أحداث الفيلم نابعة منه لا دخيلة عليه من عالم التوثيق.

حتى الدعم الموسيقيّ في الفيلم لمْ يأتِ بإسراف بل أتى بترشُّد واستخدام يمتاز بالاحترافيَّة والحنكة. لا تدخل الموسيقى إلا في وقتها وبالقدر الذي تؤثر به وحسب، وقد قام جوّ الترقُّب والتفاعل مع الموسيقى الرهيفة التي صنعها بول هيبكر و مارك كيليان بصنع ما يكفي للتجربة.

وما بين مِشيتَيْن تبرز الممثلة كيرا نايتلي ويتلخَّص أداؤها البارع؛ الأولى مشية حينما قرَّرت نسخ المذكرة لتسريبها، والثانية مشية وهي تخطو خطواتها نحو الاعتراف بأنَّها مَن سرَّبت. وما بين المشيتَين ومضامينهما يكمن الفيلم بمعانيه. وستذهلك في مشهد استجوابها الأول مع رجل الأمن الداخليّ ذي المظهر الخَطِر وهي تنكر أنَّها مَن سرَّبتْ، وستنال احترامك بقسمات وجهها تُدلي باعترافها في المشهد الثاني بمزيج من الشفقة والخوف والفخر المضمر والثبات.

لكنَّها ستترك لدينا انطباعًا قويًّا عن الفيلم حينما نسمعها تقول لأحد المُحقِّقِين معها: “أنا لا أعمل لدى الحكومة البريطانيَّة، أنا أعمل لدى الشعب البريطانيّ .. أجمع المعلومات حتى تتمكَّن الحكومة من حماية الشعب، لا أجمعها حتى تتمكَّن الحكومة من الكذب عليهم”.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات