من أين ينبع نهر الموت؟

هاجر القحطاني

أكاديميّاً يقع التمييز بين العنف الفردي والعنف المجتمعي. على الأقل في تمظهراتهما، إذ يستهدف الأول بالدرجة الأساس الفرد ومحيطه الأقرب، بينما يصبح الفرد في الثاني جزءاً من مجموعة تمارس تفكيرها وفعلها العنفيّين تحت تأثير عاطفة عارمة يطمر فيها الفرد وذاته.

الشواهد تفصح عن أنَّ عنف المجموع لا يعكس بالضرورة عنفاً فردياً ظاهراً، فمن يبدو وديعاً مسالماً في محيطه الخاص قد يتحول إلى أداة عنفية مرعبة ضمن “جماعة عنفية”.

الشخصية غير الذات، الشخصية ثوب ترتديه الذات تخيطه مكونات الثقافة التي ينشأ فيها الفرد كما تنشأ فيها “الجماعة” فإذا كانت شخصية الفرد محكومة بالأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع الأخرى، فما الذي يحدد مكونات شخصية “الجماعة” شخصية الفرد داخلها، وأين ومتى يقع التفاضل بينهما؟

لشرح الفكرة قد يصح هنا أن نضرب مثالاً بنوعين من شخصية “الجماعة”: الشخصية المبدعة والشخصية العنفية. وقد يصح القول إن مؤسسة “غوغل” هي نموذج للشخصية المبدعة، فيما قد يصح القول أيضاً إنَّ “داعش” هي نموذج للشخصية العنفية.

بالمقارنة، يتّضح أنه لتحقّق مؤثر لشخصية الجماعة لا بد من توافر الشروط التالية:

أن يتشكّل ما يشبه النهر الشامل من الأفكار والأفعال والأقوال، تصب فيه روافد لا تعد ولا تحصى من الأفكار والأفعال والأقوال، لكن ليس بشكل اعتباطي، بل بشكل ذكي وممنهج، تحكمه رؤية واحدة مبسطة ومعايير اختيار واضحة محددة وقواعد عمل متينة وسهلة التكرار يمكن تسميتها مجازاً بذات الجماعة.

أن يتخلق زخم متصاعد من المشاعر ذات الصلة كالإثارة والانشداد الناشئة عن تحفيز عميق لعواطف أصيلة في النفس البشرية كالفرح والخوف والحزن أن توجد بيئتان أساسيتان متمايزتان ومتكاملتان: البيئة المنتجة للأفراد المكونين لشخصية الجماعة والبيئة الحاضنة لشخصية الجماعة..

في الحالين (العنفية والمبدعة) تمارس الجماعة سلطة طاغية، وفي الحالين يلوذ الفرد برضا بعباءة الجماعة ويعرّف نفسه من خلالها، وفي الحالين تكون قدرة البيئة على تحفيز العواطف الأصيلة ذات الصلة هي العامل الحاسم في نمو شخصية الجماعة وليس بالضرورة مواهب الفرد الظاهرة.

غير أن هناك فرقاً جوهريّاً بين الشخصيتين، ليس فقط فيما يتعلّق بآثارهما، بل أيضاً ببنيتهما الذهنية (استعارة) فبينما تتحلى الجماعة المبدعة بذات خلاقة وحرّة في الأصل، تتّسم الشخصية العنفية بالتأزم والانغلاق.

وإذا واصلنا الاستعارة يجوز طرح السؤال الآتي: ما الذي يساهم في بناء الذات الخلاقة والحرّ والعكس؟

يمكن القول، إنها كما في الأفراد، هي مجموعة القيم والمفاهيم الجوهرية والرؤى الوجودية المؤسسة.

فمن أين تستقي ذات الجماعة المبدعة المنتجة لشخصية الجماعة المبدعة قيمها ومفاهيمها ورؤاها الوجودية، ومن أين تستقي ذات الجماعة العنفية المنتجة لشخصية الجماعة العنفية قيمها ومفاهيمها ورؤاها الوجودية، وما الذي يدفع شاباً متعلماً في ربيع عمره يغادر دعة العيش في (السعودية) ويلتحق بجبهات القتال المغبرة في سورية والعراق منشداً إلى هذه الذات العنفية.

ولماذا يفارق شباب وشابات في ربيع أعمارهم صخب العيش وعنفوانه في مدن أوروبا والغرب وينشدّون إلى هذه الذات العنفية وينتمون بفخر إلى هذه الشخصية العنفية؟
ما الذي يجعل “انتحار الجماعة” أكثر جاذبية وأكثر شرعية من “انتحار الفرد” لدى هؤلاء الشباب، وهم يشكّلون روافد تبدو غير ناضبة لنهر الموت الذي لا يزال يتدفّق؟