صنف ثالث من الأمية

أحميده النيفر

قيل قديماً: “لا يكون العالم عالِماً حتى يكون مع علمه عارفاً والعارف هو الذي يمكنه أن يوفّق بين الشرع وبين ما ينفع الناس في كل زمن بحسبه. ومن كان بارعاً في العلوم الدينية لكن لا يعرف حال أهل عصره ولا يراقب أحكام زمانه لا يسمّى عالِماً ولكن يسمّى متفنّناً… ولا يسمَّى عالماً على الحقيقة حتى يظهر أثر علمه في قومه ولا يظهر ذلك الأثر إلا بعد العلم بأحوالهم وإدراكه لحاجاتهم”.

يساعدنا مثل هذا التحديد المميّز بين العالم والعارف والمتفنّن في معالجة قضية الأميَّة الأبجدية في علاقتها بالأميّة الفكريَّة. أول فوائد ذلك هو التأكيد على أهمّيَّة “الضبط المفاهيمي” الذي كثيراً ما يغيب عند معالجة واقعنا الحضاري.

من ثمّ فإن الإجابة عن سؤال: ” أي الأميّين أخطر على مستقبل المجتمعات العربية: أميّة الفكر أم أميَّة الحرف” تقتضي تعذّر الفصل بينهما لتلازمهما طرداً تلازم الأداة والمطلب. فالفاقد للقراءة والكتابة لا يمكنه بفقدانه هذه الوسيلة الحضاريَّة بلوغ هدفها وهو القدرة على التمييز وحسن الاختيار وإرادة الفعل. القضاء على أميَّة الحرف شرط لازم للوعي والنضج الفكري والسلوكي، لكن تحقّق هذا المستوى من اتّساع الرؤية والقدرة على التسديد والفاعليَّة. وإن تطلَّب مزيداً من المعرفة إلا أنه لا يجعل اختفاء أميَّة الحرف شرطاً كافياً له.

لنا في التجربة اليابانيَّة أفضل شاهد.. فقد قضي فيها على الأميَّة في نهاية القرن التاسع عشر ما أتاح القيام بنهضة علميَّة وبحثيَّة وتكنولوجيَّة واقتصاديَّة كبرى. لكن ذلك لم يحل دون مخاطر ضياع الهويَّة الثقافيَّة للأجيال الجديدة بما أكَّد دقة التحدّي الثقافي وتعقيده وخطورة مفاعيله.

عربيّاً ينبغي أن نذكر أن خطورة الـ70 مليون أمّي تتضاءل أمام كون مجموع الكفاءات العلميَّة العربيَّة في الخارج يعدّ مليوناً و90 ألفاً و282 كفاءة علميَّة مقابل 717 ألفاً و815 كفاءة علميَّة للصين ومليون و50 ألفاً و484 كفاءة علميَّة للهند.

معنى ذلك أن قسماً مهمّاً من الكفاءات العلميَّة العالية العربيَّة تعاني من صنف ثالث من الأميَّة هو “أميَّة الانتماء والهويَّة والمشروع” الناجم عن مستلزمات “الأميَّة الفكريَّة” والتي سبقت الإشارة إليها في أنه “ولا يسمَّى عالِماً حتى يظهر أثرُ علمه في قومه ولا يظهر ذلك الأثر إلا بعد العلم بأحوالهم وإدراكه لحاجاتهم”.  

مقالات ذات صلة