المقالاتسياسة واقتصاد

دور النُّخب؛ قراءة في العلاقات المعقَّدة بين المدنيِّين والعسكريِّين (السودان)

Abstracts:

The Role of Elites:

Reading into the Complex Civilian and Military Relations (Sudan)

Dr. Elsadig Elfaqih

 This research aims to analyze the existing institutional relations between the armed forces and the civilians, led by political elites, in the framework of the process of unifying their quest for power. In the recent history of the Sudan we have witnessed many attempts of portraying/betraying this relationship between these unfaithful partners, as some political analysts described, each of whom claiming to be working to deepen the democracy in the country. This is why all periods of democratic transformation, with a different length each time, represented a case when relations between civil and military powers were at stake. During these times some civilian forces thought it was necessary to dismantle the complex military structures, which were seemingly controlled the power, while others conspire to grab power using the very military. So, whenever the civilians tried to regain control of the state and ensure the unification of democratic forces, the military always insisted to retain a share of power in their own hands.

الملخَّص:

يهدف هذا البحث إلى تحليل العلاقات المؤسَّسيَّة القائمة بين القوَّات المسلَّحة/العسكريِّين والمدنيِّين، بقيادة النخب السياسيَّة، في إطار عمليَّة توحيد بحثهم عن السلطة. فقد شهدنا، في تاريخ السودان الحديث، العديد من محاولات تصوير/خيانة هذه العلاقة بين هؤلاء الشركاء غير المخلصين، كما يصفهم بعض المحلِّلين السياسيين، الذين يزعم كل منهم أنَّه يعمل على تعميق الديمقراطيَّة في البلاد. وهذا هو السبب في أنَّ جميع فترات التحوُّل الديمقراطي، بأطوال أزمانها المختلفة في كل مرَّة، تمثِّل حالة رهانيَّة عندما كانت العلاقات بين القوى المدنيَّة والعسكريَّة على المحك. خلال تلك الأوقات، اعتقدت بعض القوى المدنيَّة أنَّه كان من الضروري تفكيك الهياكل العسكريَّة المعقَّدة، التي كانت تسيطر على ما يبدو على السلطة، في حين يتآمر آخرون على الاستيلاء على السلطة باستخدام القوَّة العسكريَّة ذاتها. لذلك، كلَّما حاول المدنيُّون استعادة السيطرة على الدولة وضمان توحيد القوى الديمقراطيَّة، أصرَّ الجيش دائماً على الاحتفاظ بنصيب من السلطة بأيديهم.

المقدِّمة:

تابع المهتمُّون بأمر التحولات السياسية في السودان، من قبيل الإعلان الفعلي لاستقلال البلاد، وخروج آخر جندي بريطاني في الأوَّل من يناير عام 1956، توجُّهات القوى السياسيَّة المدنيَّة نحو الديمقراطية، والعلاقات الناشئة مع المؤسَّسة العسكرية. فقد أصبح المشهد السياسي متقلباً بشكل متزايد بعد تصاعد نفوذ جماعات الحركة الوطنية؛ متمثلة في أندية الخريجين،[1] ومؤتمر الخريجين،[2] وحدة التنافس بين الحزبين الطائفيين الكبيرين الأمة والاتحادي،[3] وتعارض تصوراتهما لشكل الدولة المستقلة،[4] ونزوعهما للاستنصار والارتباط بدولتي الحكم الثنائي؛ بريطانيا ومصر، كل حسب تكييفه للمصلحة المتأتية من هذا الارتباط.

وشهدت ساحات العمل السياسي سجالات حامية حول طبيعة الاستقلال المرجو، خاصة قبيل الإعلان المفاجيء لهذا الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955. إذ صار من المستحيل تقريباً؛ بعد هذا الإعلان، بالنسبة للجهات الفاعلة الإقليمية والدولية إعادة توجيه الحوار السياسي لينتصر لأيٍ من الخيارات، التي كانت مطروحة قبله، أو معالجة أزمة الثقة التاريخية بين الشريكين الأساسيين، اللذين سيقتسمان التركة الاستعمارية؛ آخذين في الاعتبار سابق ولاءاتهما لدولتي الحكم الثنائي.

لقد ظل الصراع محتدماً بين الطائفتين، ممثلتين بالحزبين الكبييرين، حول تصورهما للسودان المستقل، وعلاقته بدولتي الحكم الثنائي حتى يومنا هذا، إذ ما تصاعدت المنافسة بينهما إلا ولجأ كل واحد منهما إلى نصيره القديم طلباً للدعم والمؤازرة. ففي مرحلة ما بعد الاستقلال، نشطت التحالفات والمؤامرات وسط القوى السياسية المختلفة، إلا أن التساؤل ظل مطروحاً حول حدود الدور، الذي يجب أن تتقيد به المؤسَّسة العسكرية، وما تراه هي عن مهمتها وحدود مسؤوليتها، والذي يشكِّل لُبَّ الصراع الراهن في الفضاء السياسي السوداني، والذي ستحدد دينامياته وتوازنات القوى بين أطرافه مستقبل الأوضاع في البلاد في الفترة المقبلة، مثلما فعلت في الماضي، إذ “هي قضية بالغة التعقيد، ومحل جدل مستمر على مدار العقود الستة الماضية، وهي ليست نزاعاً بين طرفي نقيض كما يبدو ظاهرها، بل تتداخل فيها عوامل شتى وممارسات متشابكة تجعل الفرز على أساس مدني مقابل عسكري غير قابل للتطبيق في واقع الأمر؛ فدخول الجيش السوداني في ساحة السياسة لم يحدث من فراغ،”[5] ولم يكن طواعية، بل عمد إليه المدنيون، كما سلفت الإشارة إلى ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أنه عندما جرى الاتفاق على إجراء بحث في العلاقات المدنية – العسكرية، بالنظر إلى التجربة السودانية، فإن أولى الاهتمامات، التي جالت بذهني هي أن المتغير المستقل، الذي يستند إليه هذا البحث ينبغي أن يركز بشكل أساس على دور النخب، باعتبار أنهم المجموعات “المؤدلجة” داخل صفوف القوى المدنية الحية، ومن شملتهم جهود “التجنيد” الأيديولوجي بين أفراد المؤسَّسة العسكرية، وأصبحوا جزءاً من الفعل السياسي، ورأس الرمح في كل التغييرات السياسية، التي جرت في السودان، منذ الاستقلال وحتى الآن. أي أن للنخب هنا أكثر من معنى واستخدام. ومن هنا، جاء تعريف وبناء موضوع الدراسة ترجمة عملية لهذا الفهم، ومطلباً أساسياً لإبرام اتفاق موضوعي مع النتائج المتوقعة مسبقاً قبل بدء البحث. وقد تكون هذه واحدة من أولى المشكلات، التي تنشأ عندما يحاول شخص ما تحليل الموضوعات المتعلقة بالديمقراطية، في بلد يختصر فيه قادة النخب السياسية الطريق إلى السلطة عبر الانقلابات العسكرية. وتقول الحقيقة إن كل القوى السياسية المدنية جربت تجنيد عناصر تابعة لها داخل المؤسَّسة العسكرية، وأقدمت على انقلابات، أو غامرت بمحاولات انقلابية، أو تمردت وجيشت قواتها الخاصة للاستيلاء على الحكم، أو شاركت وتعاونت مع أنظمة حكم عسكرية. ومنها من كان له نصيب في كل ما تقدم، غير أن الجميع يتغنون بـ”الديمقراطية”، ويمارسون أقصى درجات الإنكار عند إدانتهم بتعمد اجهاضها، بل التبرير أحياناً عن لماذا لم يحسنوا إدارتهم لترتيباتها عندما تهيأت سوانحها الثلاث الماضية، وما هم فاعلون بتجربتها الرابعة الماثلة. وفي مثل هذه الحالة، يكون السؤال الحازم حول تحميل المسؤولية للجميع طريقة للحد من حالة الإنكار، التي تمارسها النخب المدنية؛ اعتماداً على أن الذاكرة التاريخية السياسية لدى الرأي العام ضعيفة الاستدعاء، يُساعدهم في ذلك قلة التدوين للأحداث وتفاصيلها، بحيث لا يمكن دراستها بدقة وموضوعية.

في المنهج:

إن هذا البحث يجادل بأنه إذا كان التدخل العسكري في السياسة لا يمكن فهمه، في غالب بلدان العالم، إلا من خلال دراسة طبيعة التهديدات والترتيبات السياسية المحلية، فإن الحالة السودانية ربما مثلت قلباً لهذا المنظور بتعمد النخب المدنية إقحام العسكر في السياسة كلما اضطربت الترتيبات الديمقراطية، أو ضاقت فرص المنافسة الانتخابية. ومعروف أن أقدم نظرية للجيش في السياسة مبنية على التفاعل بين تكوين التهديد والمأسسة السياسية وشرعية الحكومة المدنية.[6] لهذا، جاء اختبار الحجة هنا من خلال رصد حالة العلاقات المدنية – العسكرية منذ الاستقلال، وكيف أقدمت النخب السياسية المدنية على إسناد مهام التغيير السياسي للجيش أكثر من صنادق الاقتراع. على الرغم من أوجه التشابه بينهما في التطلع للسلطة، والرغبة في التشبث بها، إلا أن الجيش والمدنيين سلكا في تجارب الحكم مسارين سياسيين مختلفين تماماً. وتكشف الحالات كيف تتفاعل هياكل السياسة الداخلية للنظم العسكرية مع تصورات التهديد العسكري؛ في الجنوب ودارفور، لتفسير قدرتهم على الحفاظ على مستويات مختلفة من السيطرة على الحكم، فيما يفشل المدنيون في الحفاظ على تماسكهم كسياسيين منتخبين، أو مفوضين عبر ثورات شعبية. وينظر البحث في نظرية العلاقات المدنية – العسكرية المطبقة على الدول الديمقراطية الناضجة من دون تفصيل، لأنها تفترض أن المشكلة النظرية المهمة هي كيفية الحفاظ على جيش يحافظ على القيم الديمقراطية ويحميها، ويوضح كيف أن نظريات هنتنغتون وجانوفيتز الكلاسيكية، التي لا تزال مؤثرة كانت متجذرة، على التوالي، في النظريات الليبرالية والمدنية الجمهورية للديمقراطية، ونتيجة لذلك، لم تحل هذه المشكلة بشكل كاف.[7] ثم يستخدم البحث الحالي لطرح أسئلة جديدة حول العلاقات بين النخب السياسية والعسكرية، وعلاقات المدنيين بالجيش والدولة، واستخدام القوة متعددة الجنسيات، في حال الديمقراطية الرابعة.

وبالقطع، لا يناقش هذا البحث مشكلة السيطرة المدنية على الجيش في الديمقراطيات الجديدة، التي تختلف طبيعة تنظيمها جذرياً عن الحالة السودانية، غير أنه يقدم إشارات لفائدة المعرفة العامة حول موضوع العلاقات المدنية – العسكرية. أولاً، هناك دراسات قدمت تحليلاً منهجياً للمحتويات الأساسية لمشكلة الهيكل والوكالة وآثارها على بناء النظرية في البحث المدني العسكري؛ الكيانات الفاعلة، التي تشكل تفاعلاتها العلاقات المدنية – العسكرية، والعوامل البيئية ذات الصلة، والحجة النظرية، التي تربط سلوك الوكلاء بالبيئة. [8]وبناءً على هذه الدراسات، وما صاحبها من المداولات النظرية، جرى تحليل أربع محاولات حديثة لربط الهيكل والوكالة بشكل صريح في شرح العلاقات المدنية – العسكرية في الديمقراطيات الجديدة. يُظهر التحليل أنه على الرغم من كونه مساهمات مهمة في تطوير النظرية في هذا المجال، تتجلى عدة ملاحظات؛ أولها، أقرت أنه من المؤكد أن مسألة السيطرة ليست هي المشكلة الوحيدة في العلاقات المدنية – العسكرية في الديمقراطيات الجديدة، التي كثيراً ما تعترضها مسائل الكفاءة والفعالية في الدفاع والإدارة العسكرية، أو الموروثات الإشكالية لانتهاكات حقوق الإنسان خلال الأنظمة الاستبدادية. ومع ذلك، وفي ضوء التحول الديمقراطي، تعتبر مشكلة السيطرة المدنية ذات أهمية قصوى، حيث لا يمكن أن يكون هناك حكم ديمقراطي دون أن يكون الجيش تحت سيطرة القادة المدنيين المنتخبين. وثانيها، أن من الجوانب ذات الصلة، هو القرار المتعلق بالمستوى المناسب من التحشيد، أو التحالف، لوضع تصور للفاعلين ذوي العلاقة. بينما بالمعنى الدقيق للكلمة، هو ما يُمَكِّن للأفراد فقط التصرف، إذ يجادل معظم الباحثين المدنيين والعسكريين بأن افتراض “الفاعلين المتحالفين” غالباً ما يكون مبرراً غير مقنع، باعتباره تجريداً تحليلياً. وطالما يمكن الافتراض بشكل معقول أن المجموعة المتحالفة متماسكة بما فيه الكفاية، ومتميزة عن بيئتها، وأنه يمكن إنشاء ترتيب تفضيل متسق نسبياً للمجموعة نفسها، فمن الممكن معاملة الكيان الجماعي “كما لو كان” يتمتع بخصائص أفعال. والثالث، أنه، بالإضافة إلى الفئات الثلاث “الهيكل” و”المؤسسات” و”الثقافة”، يقترح بارسونز الحجج “النفسية” كآصرة رابعة. وتجادل التفسيرات المبنية على مثل هذه الادعاءات “أن الناس يتخذون إجراءات معينة لأنهم يفسرون عالمهم بطرق صلبة، وغالباً ما تكون غير عقلانية”.[9] وحتى الآن، مع ذلك، فإن هذا الخيط من الجدل لم يُجْدِ فائدة في دراسة العلاقات المدنية – العسكرية. وقد يبدو تصنيف العوامل الثقافية تحت فئة واسعة من “البنية” غريباً، نظراً لوجود اختلافات مفاهيمية مهمة بين الظواهر المادية، التي تُفهم عادةً على أنها تشتمل على هياكل من الدرجة الأولى والثانية والظواهر غير المادية، والتي تشكل جزءاً من الثقافة، أو التركيبة الفكرية للمجتمع. ومع ذلك، من منظور هذا البحث، من المعقول تتبع العلاقات المدنية – العسكرية من خلال الفاعلية السببية للعوامل الفكرية والهيكلية الحقيقية، وبنفس المنطق، كونها خارجية، ومن حيث المبدأ مستقلة عن الجهات الفاعلة أنفسها. ففي الوقت، الذي يتخذ فيه المدنيون قرارهم بشأن إجراء تغيير قهري معين في السلطة، فإنهم يقحمون الجيش فيما لم تُعِدَّهم المهنة له.

ولا بد من إشارة إلى أن مصطلح “الديمقراطية” لم يعد بحاجة إلى تعريف، في هذا البحث، الذي يحصره المنهج التاريخي في غرضه الموضوعي. فمنذ أن اشتقه اليونانيون ما بين 500 و250 قبل الميلاد، قد تم غرسه في تضاعيف الفكر السياسي الإنساني، ويعني في أبسط تعريفاته “حكومة الشعب” المنتخبة. ومع ذلك، كان نطاقها في ذلك الوقت مقصوراً على مجالات ضيقة، إلا أننا هنا، ولمزيد من الإيضاح، ولكن باختصار، يمكن تحليل الكلمة من منظورين مختلفين: الأول، إجرائي، يرتبط بشكل التصويت، الذي يُخْتَار بموجبه الحكام، ومن ثم يضعون السياسات، ويتخذون القرارات السياسية. والثاني، القيم والأهداف الهيكلية البحتة، التي تعتمد على الخصائص المثالية؛ مثل، المشاركة، والحرية، والعدل، والمساواة بين الآخرين، والتي يجب على المجتمع الوفاء بها من أجل العيش معاً، أي المتوقع اجتماعياً من الديمقراطية. ولكن، إذا كان هذا هو المعلوم قديماً وحديثاً عن الديمقراطية، وأنها أفضل اختراع بشري لإدارة التنوع وإثراء فاعلية التعدد، لماذا يتعجل المدنيون الدخول إلى السلطة عبر البوابات العسكرية، واستدعاء الانقلابات، أو كما أسماها الدكتور حسن الحاج علي أحمد “امتداد للعملية السياسية بوسائل الإكراه.”[10] في معرض تناوله لأسباب الانقلابات العسكرية في السودان، وأنماط التدخل العسكري، الذي تصفه هذه الورقة بأنه تدخل مدني في الأساس، ينزع إلى حسم التنافس على السلطة باستخدام القوة العسكرية كوسيلة إكراه واحتكار. وهذا يقودنا إلى فرضية الورقة الرئيسة وهي أن تدخل العسكريين في السلطة في السودان لم يكن أبداً طوعياً، أو مبادرة عسكرية خالصة، وإنما كان على الدوام تحفيزاً وتدبيراً وتخطيطاً مدنياً، ينفذه العسكريون المنتمون أيديولوجياً وسياسياً للجماعة السياسية، التي تقف خلفهم. وهذه الفرضية تقدم إطاراً نظرياً قد يسهم هو الآخر في تفسير ظاهرة الانقلابات العسكرية في السودان، خاصة عندما نرد كل واحدة منها إلى أصولها الحزبية.

العلاقات المدنية – العسكرية:

يشير مصطلح “العلاقات المدنية – العسكرية” إلى دور القوات المسلحة في المجتمع. ربما تكون ليست عبارة مُسْعِدَة، ولكنها تمثل توصيفاً لمخرج هذه العلاقة، وهو ما يعني ضمناً أن العلاقات بين الجيش والسكان المدنيين هي مثل العلاقات بين العمل والإدارة، والعلاقات التشريعية التنفيذية، في المستوى المحلي، أو العلاقات السوفيتية الأمريكية إبان الحرب الباردة، في المستوى الدولي، حيث هناك مجموعتان ومنظمتان لهما مصالح متضاربة، واقعية وملموسة؛ تتنافسان وتتفاوضان مع بعضهما البعض. [11]ومن ثم فهو يشير إلى انقسام أساسي ومعارضة بين وجهات النظر المدنية والعسكرية. رغم أن هذه قد تبدو، في الحالة السودانية، معارضة زائفة، لاعتماد المدنيين على الجيش في إنفاذ التغيير، أو استخدامه للمعالجات القاهرة لانحرافات السياسة. وقد لا يصح هذا على إطلاقه في العديد من المجتمعات؛ أولاً، لأنه يوجد القليل من وحدة الاهتمام، أو المهارة، أو اختلاف وجهات النظر بين العسكريين. ثانياً، حتى في حالة وجود وجهة نظر ومصالح ومؤسسة عسكرية مميزة وقابلة للتحديد، لا توجد في أي مجتمع وحدة مماثلة بين المدنيين. كلمة “مدني” في عبارة العلاقات المدنية – العسكرية تعني ببساطة غير العسكرية. غالباً ما يتحدث الدعاة والمؤلفون عن العلاقات المدنية – العسكرية، وبشكل أكثر تحديداً، عن السيطرة المدنية، كما لو كانت هناك مصلحة مدنية واحدة.[12] ولكن، في الممارسة العملية، فإنهم ببساطة يحددون اهتماماتهم ووجهات نظرهم لمصلحة المدنيين. وهذه قد تبدو وجهة نظر معارضة، أو معادية لمصلحة العسكريين، وهو دور يُشابه ما اختاره بعض اليسار السوداني في التجربة الحالية. ومع ذلك، فإن أي مجتمع متطور بما يكفي ليكون له مؤسسات عسكرية متميزة لديه أيضاً مجموعة واسعة من المصالح والمؤسسات والمواقف المدنية، وقد تكون الاختلافات بين أي منهما أكبر بكثير من الفرق بين أي منهما وبين المجتمع. وبالتالي، تنطوي العلاقات المدنية – العسكرية على تعدد العلاقات بين العسكريين والمؤسسات والمصالح من جهة، ورجال ومؤسسات ومصالح غير عسكرية متنوعة، وغالباً ما تكون متضاربة من جهة أخرى؛ إنها ليست علاقة نِدٍ بِنِد، ولكنها علاقة واحدة بين عدة أطراف.

إن العلاقات المدنية – العسكرية؛ في أي مجتمع، تعكس الطبيعة الشاملة لمستوى تطور المجتمع ونظامه السياسي، ويبقى السؤال الرئيس، الذي يطرح نفسه هنا، هو: إلى أي مدى يتم تمييز العسكريين ومصالحهم الخاصة عن المصالح العسكرية؟ وفي محاولة الإجابة، يمكن أن يحدث هذا التمايز على ثلاثة مستويات؛ أولها، العلاقة بين القوات المسلحة ككل والمجتمع ككل. وثانيها، العلاقة بين قيادة القوات المسلحة “الضباط”، كمجموعة نخبوية، ومجموعات النخب الأخرى. وثالثها، العلاقة بين قادة القوات المسلحة وكبار القادة السياسيين في المجتمع.[13] وهكذا، على المستوى العام، قد تكون القوات العسكرية جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، تعكس وتجسد القوى والأيديولوجيات الاجتماعية المهيمنة. والنظام العسكري، في الواقع، قد يكون متضافراً مع المجتمع؛ مع جميع أعضاء المجتمع، الذين يؤدون أدواراً عسكرية أيضاً، كقوة احتياط، وفي الحالة السودانية قد يمثلها: الدفاع الشعبي، والدعم السريع، ومن أُطْلِقَ عليهم حديثاً؛ “رفقاء الكفاح المسلح” وهم ذات من كانت بعض النخب السياسية تصفهم من قبل بـ”المتمردين”. على النقيض من ذلك، قد يكون النظام العسكري متمايزاً للغاية، ولا يلعب أعضاؤه أي أدوار مهمة باستثناء الأدوار العسكرية. في المستوى الثاني، قد تكون الروابط بين ضباط الجيش والمجموعات القيادية الأخرى في المجتمع وثيقة للغاية؛ قد يكون نفس الأشخاص قادة عسكريين واقتصاديين وسياسيين. في الطرف الآخر من السلسلة، قد تكون للضباط العسكريين مهمة مهنية حصرية، لا تتوافق مع الأدوار الأخرى. وأخيراً، في المستوى الأعلى، قد يمارس نفس الأفراد أدواراً قيادية سياسية وعسكرية، أو قد تكون هذه الأدوار مختلفة تماماً ويتم تجنيد شاغليها من مصادر مختلفة عبر قنوات مختلفة. لا يلعب أعضاؤها أي أدوار مهمة باستثناء الأدوار العسكرية.

تسييس الجيش وعسكرة السياسة:

شكلت الاختلافات العميقة بين القوى السياسية السودانية حالة دائمة من الاستقطاب والشك المانع لأي تعاون وتآزر وروح جماعية كانت تتطلبها رحلة العبور من حقبة استعمارية إلى فضاء وطني أرحب. إذ أقعدها مفهوم التضاد التاريخي، الذي نشأت عليه كياناتها الطائفية والعقائدية، والذي يشير إليه السلوك الفعلي للأداء، والتحالفات الهشة، التي ما انعقدت إلا لتنفض. لهذا، بدأت كل القوى السياسية المدنية العمل باكراً في تخليق خلايا “مؤدلجة” داخل المؤسَّسة العسكرية، تأتمر بأمر النخب المدنية، لاستخدامها عند الضرورة. وقد خلقت هذه الترتيبات والاختراقات السياسية تغيرات جوهرية في طبيعة النهج الإجرائي والهيكلي لكل من المؤسستين المدنية والعسكرية، فعسكرت الأولى وسَيَّسَتْ الثانية. وبهذا، يمكن القول إن سؤال: كيف تنظر النخب السودانية إلى الممارسة الديمقراطية؟ ظل معلقاً بين أصابع الإتهام، التي يرفعها كل طرف ضد الآخر بأنه السبب في اجهاض ما تهيأ من سوانح التجارب الديمقراطية؛ والجميع مذنب، والجميع يتذرع بالإنكار. رغم أن سجلات التاريخ المعاش والمسطور مترعة بالأدلة، وتفيض ببراهين الإدانات. فحصاد التجارب الماضية، الذي تستند إليه النخب، يقدم صورة سيئة للديمقراطية، بسبب الخلافات المُقْعِدَة، التي تُعطل كل جهود التنمية والإعمار، ويضطرب الحال العام، وتسوء أوضاع الناس المعيشية لدرجة يُصبِحُ فيها الانقلاب العسكري مطلباً لدى من أسخطتهم ضوائقها، بينما يتمتع العسكريون، في الغالب، بصورة تبدو جيدة أول الأمر، ثم تتراجع شعبيتهم بعد ممارستهم للحكم لفترات زمنية أطول مما نالته التعددية الحزبية.

إن المتتبع للانقلابات العسكرية في السودان لن يعجزه أن يلاحظ ارتباطها الوثيق بالنخب المدنية، وتجريب القوى الحزبية لحظوظها في الوصول إلى السلطة عبر خلاياها العسكرية. ووفقاً لورقة الدكتور حسن الحاج علي أحمد، فإن هناك أسباباً للانقلابات العسكرية في السودان، وأنماطاً للتدخل العسكري، وهناك تداخل مؤكد بين ما هو مدني وما هو عسكري عند النظر في طبيعة الممارسات السياسية؛ نُجملها في أربع، هي:

أولاً؛ أن الانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية المدنية بوسائل أخرى يراها البعض “أكثر فاعلية”، ومتجاوزة للأطر الديمقراطية في تداول السلطة. وهذا قد يعني أن الدافع الرئيس للانقلابيين ليس الرغبة الذاتية للقوات المسلحة، أو المظالم الشخصية للضباط، وإن كانت هذه تُشَكِّل فقط حافزاً مهيئاً للانقلاب، وليست شرطاً مُمَهِّدَاً لقرار التحرك والتنفيذ.

ثانياً؛ أن توسّع المهام المهنية للقوات المسلحة، وحكم العسكريين المتطاول، بجانب تجييش الشعب؛ المليشيات “المراحيل” في عهد الديمقراطية الثالثة، والدفاع الشعبي و”الدعم السريع” في فترة الإنقاذ، وحركات التمرد المسلحة في الجنوب والغرب والشرق، قد قلل الهوة بين المدنيين والعسكريين، وجعل حالة تداول المدنيين والعسكريين على السلطة ينظر إليه بحسبانه جزءاً “طبيعياً” من العملية السياسية في السودان.[14]

ثالثاً؛ ومثلما فشلت التجربة الديمقراطية الأولى بسبب المكايدات السياسية والصراعات الحزبية، أدى ازدياد حالة الصراع والاستقطاب السياسي إلى تزايد فرص الانقلاب، كما تزداد للسبب ذاته فرص انهيار النظام العسكري، عندما يكون العسكريون في السلطة، أي أن تزايد الاستقطاب والصراع السياسي يسهم في انهيار الأنظمة، لأن النخب ذاتها هي المسيطرة بدرجة أكبر في الحالتين المدنية والعسكرية في السودان.

رابعاً؛ أن قدرة النظام الحاكم التكتيكية في منع الانقلاب تجعل الاستقرار مرهوناً بتلك القدرة، وليس بسبب السمات الهيكلية للدولة.[15] لذا، فإن ترك هذه القضية بلا حل جذري سيجعل المشكلة قائمة والانقلابات محتملة، كلما توفرت لها الأسباب. ويتفق الجميع أن اللحظة الراهنة مفصلية، رغم أن القوى المتنفذة فيها لا تقول الكثير عن الدوافع الكامنة وراء الإصرار على استصحاب بعض نوازع المكايدات والصراع، التي أفشلت التجارب المدنية السابقة. ومن أجل مواصلة تطوير التجربة الراهنة بطريقة أكثر اكتمالاً، هناك حاجة إلى أسئلة أخرى تشكل البحث عن حلول مستجدة، على سبيل المثال: ما هي العلاقة بين تصور المدنيين والعسكريين للنظام الديمقراطي في الغترة الانتقالية؟ وهل هناك فرق، أو تشابه، بينها وفترات الانتقال، التي أعقبت الثورات الشعبية السابقة، ولماذا؟ وهل نتوقع، بعد الانتخابات القادمة، أن تستمر اللامبالاة بالديمقراطية، التي وسمت أداء القوى الحزبية، في الفترات الثلاث الماضية، أم لا؟

انقلابات النخب:

تلاحق جميع الأحزاب السودانية، والنخب السياسية، وحركات التمرد، تُهم التدبير والتخطيط وتنفيذ الانقلابات العسكرية، حتى ولو جنحوا للإنكار. وما الإصرار الدائم على تسمية هذه الانقلابات بـ”الثورة” هو التأكيد القاطع على روابطها المدنية، ومحاولات غير صحيحة لنفي شبهة “العسكرة” عنها. ولكن يظل السؤال ماثلاً: لماذا تتعجل النخب الانقلابات العسكرية؟ ومحاولة الإجابة الموضوعية لهذا السؤال ظلت الشغل الشاغل للمدنيين والعسكريين على السواء، وكذلك الدارسين والباحثين والأكاديميين، فتتقارب التصورات حيناً وتتضارب معظم الأحيان، فهناك من يُعزيها للتوترات السياسية والصراعات الحزبية والانفلات الأمني، فتستخدم بعض القوى السياسية خلاياها في الجيش لتنفيذ برامجها، وهناك من يقول إنها من طبيعة المؤسَّسة العسكرية، فمتى تنتهي هذه الدورة الخبيثة في السودان، والتبادل بين ديمقراطية يعقبها انقلاب، فثورة تليها فترة انتقالية، تعقبها ديمقراطية، ثم انقلاب آخر يَصِم الجميع بالفشل، ويفشل.

يحدثنا التاريخ الحديث أن السودان شهد صراعاً أيديولوجياً، احتدم أواره بين كافة الأحزاب السياسية، منذ العام 1946؛[16] فالاستقلاليون من حزب الأمة والشيوعيين؛ يدعمهم البريطانيون، طالبوا بالانفصال عن مصر وتأسيس جمهورية للسودانيين، بينما سعى حزب الأشقاء، برئاسة إسماعيل الأزهري، للارتباط بمصر عبر الدعوة، التي وجهها لقيام حكومة سودانية تحت التاج المصري. في تلك الأثناء كانت المملكتان البريطانية والمصرية تتصارعان حول اتفاقية الحكم الثنائي في الجنوب، حتى وصل الخلاف بينهما إلى مجلس الأمن عام 1947.[17]

بيد أنه، وبوصول اللواء محمد نجيب إلى الحُكم، عقب حركة الضباط الأحرار، في 23 يوليو عام 1952، خَفَتَ صوت الأحزاب المطالبة بالانفصال، نتيجة لما يربط نجيب بالسودان من صلات، حيث وُلد في الخرطوم وتلقى تعليمه بها. ويحكي نجيب، في مذكراته “كنت رئيساً لمصر”،[18] تفاصيل أهم اجتماع عقده مع جميع الأحزاب السودانية في منزله، بعد ثلاثة أشهر فقط من سقوط الملكية.[19] وبينما كان الزعيم إسماعيل الأزهري، الذي أسس الحزب الوطني الاتحادي، منشغلاً بقضية التقارب مع مصر، بدأ أن رئيس رئيس حزب الأمة، السيد عبد الرحمن المهدي يتفاوض مع الإنجليز لعرقلة الخُطط المصرية.[20] وقضت اتفاقية تقرير المصير للسودان عام 1953، بتشكيل حكومة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تنتهي بإجراء استفتاء شعبي، لتجري بعدها انتخابات اكتسحها الحزب الاتحادي، واستحوذ على غالب مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، وكافة الحقائب الوزارية، وتشكلت الحكومة برئاسة إسماعيل الأزهري، الذي افتتح أول تجربة سودانية ديمقراطية، التي لم يدم لها الاستقرار طويلاً.

لقد سادت الواقعية السياسية؛ بعد التجربة الفعلية للحكم، وإدراك الأزهري لحجم التناقضات بين القوى السياسية السودانية في شأن الوحدة مع مصر، فـ”بدأ تدريجياً التخلي عن فكرة الوحدة؛ فالأحزاب السياسية بكافة انتماءاتها اعتبرت أن الانفصال بدأ أمراً واقعاً نظراً لأنّ النظام الديمقراطي الانتخابي في السودان لا يتفق مع المنحى الشمولي، الذي اتخذه الضباط في مصر، خاصة بعد إقالة محمد نجيب والتنكيل بالإخوان المسلمين والشيوعيين.”[21] بالإضافة إلى ما تراكم من أحداث وتصرفات، كان أقساها الإهانة، التي تعرض لها رئيس الوزراء المُنتخب من قبل القائمين على الملف السوداني في مجلس قيادة الثورة المصرية.[22] فما كان من الأزهري غير أن يقود أول “انقلاب مدني أبيض”، وذلك بإعلانه الاستقلال من داخل البرلمان، وبموافقة جميع الأحزاب.

الديمقراطية الأولى:

نال الأزهري ثقة الشعب ليُشكل أول حكومة مدنية في سودان ما بعد الاستقلال، لكن للأسف الشديد لم يدم الالتفاف حول الأزهري سوى وقت قصير جداً، حتى بدأ السياسيون في مكايداتهم، التي أجهضت أول تجربة ديمقراطية وليدة في السودان، فالمعارضة المتمثلة في حزبي الأمة والأحرار اجتهدت في محاولاتها لإسقاط حكومة الأزهري أكثر من مرة،[23] ولم يسلم الحزب الوطني الاتحادي نفسه من الصراعات، فوصل الشقاق مدى بعيداً داخل الحزب الحاكم؛ مَثَّل طرفاه جناح الأزهري الليبرالي، الذي كان يُعارض إدخال الدين في السياسة، وبين جناح الطائفة الختمية، الذي تحالف مع طائفة الأنصار الموالية لحزب الأمة لإسقاط أول رئيس لحكومة منتخبة، “ورسمت تلك الصراعات خريطة لتأثر السياسة بالطائفية الحزبية لأكبر حزبيين سودانيين”.[24]

لقد سقطت حكومة الأزهري بعد سبعة أشهرٍ من إعلان الاستقلال؛ إثر الصراع داخل الحزب الحاكم، الذي انتهى بانشقاق الختميين وتأسيسهم ما عُرِفً بإسم “حزب الشعب الديمقراطي. وبعدما تولى حزب الأمة المشهد، عيّن عبد الله خليل رئيساً للوزراء، ليكون أول رئيس حكومة ذا خلفية عسكرية، لكنّ التغيير لم يخدم المشهد لصالح العملية السياسية، فكافة الأحزاب فشلت في الاتفاق على صيغة توافقية للدستور، ووضع رؤية لملف التنمية، وحل أزمة جنوب السودان. فبدأ مسلسل الانقلابات العسكرية بخطى حثيثة، إذ شهد السودان عام 1957، أي بعيد انتخاب أول حكومة وطنية ديمقراطية جاءت عقب الاستقلال عن دولتي الحكم الثنائي في الأول من يناير عام 1956، أول محاولة انقلابية، استدعتها المنافسات السياسية، وقادها مجموعة من ضباط الجيش، والطلاب الحربيين، بقيادة إسماعيل كبيدة، وحكم على هذه المحاولة بالفشل، وتم إحباطها في مراحلها الأخيرة.

عسكرية المدنيين الأولى:

وعلى الرغم من فشل المحاولة الانقلابية الأولى إلا أن الحكم المدني لم يثبت طويلاً، فقد مرَّ بحالات مخاض عسيرة استمرت ثلاث سنوات كانت نهايتها على يد وزير الدفاع آنذاك الفريق إبراهيم عبود، الذي بدأ عهد الانقلابات الحاكمة، وذلك بعد أن جاءته دعوة صريحة من سكرتير حزب الأمة الأميرلاي عبدالله خليل بك بالتدخل؛ بمباركة الخَتمية والأنصار، وبحجة أن القوى السياسية فشلت في التوافق على رؤية دولة ما بعد الاستقلال. لذا، وتجنباً للفوضى، كان الحل السريع هو الاستنجاد بالمؤسَّسة العسكرية، لتحسم خلافات السياسيين. وفي 17 نوفمبر 1958، أعلن عبود سحب الثقة من رئيس الحكومة، وحل البرلمان، الذي ألقى فيه بيانه الأول، وأصبح رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري قيد الإقامة الجبرية.

لقد جاء في بيان الفريق عبود كوصف لما آلت إليه أمور الحكم المدني الأول، إذ قال: “الحمد لله أن قام جيشكم المُخلص بتنفيذ خطته المباركة لإيقاف الفساد وإعادة النظام.. صبرنا على الحكومات حتى نفد صبرنا وهو المسلك الطبيعي لإيقاف الفوضى ووضع حد نهائي لها، ولا نرجو نفعاً ولا كسباً، ولا نضمر لأحدٍ عداءً.”[25] ومنذ ذلك البيان، ظل تدخل الجيش في الحياة العامة سمة ملازمة للعلاقة بين المؤسَّسة العسكرية والعمل السياسي في السودان. وقد مثل انقلاب 1958 أول انقلاب عسكري بمبادرة مدنية في تاريخ السودان، ضد حكومة ائتلاف ديمقراطية بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، كان يرأسها مجلس السيادة المكون من الزعيم الأزهري، من الحزب الاتحادي، ومجلس الوزارة برئاسة الأميرلاي عبد الله خليل بك، من حزب الأمة. فجاء الانقلاب، الذي قاده وزير الدفاع الفريق إبراهيم عبود، وسرعان ما شكل الانقلابيون حينها حكومة عسكرية برئاسة عبود، حكمت السودان لمدة 7 سنوات، تخللتها محاولات انقلابية أخرى، قادتها مجموعة من الضباط بتدبير من قوى سياسية منافسة. ولكن، في كل تلك الحالات، تم فيها استيعاب الانقلابيين في نظام الحكم بدلاً من محاكمتهم، الأمر الذي يؤكد انتمائهم السياسي، وقدرة المساومات الحزبية، التي كانت تقف خلفهم.

إن أول وأشهر تلك المحاولات، التي هددت سلطان الحكم العسكري في بداياته، هي ما قامت به جماعة محدودة من تنظيم الإخوان المسلمين عام 1959، بقيادة الرشيد الطاهر بكر، الذي وُجِهَت له تُهمة العمل بمفرده دون استشارة التنظيم، الأمر الذي أثر على ثقة الأخوان في مدى التزامه، وأثر على علاقاته المستقبلية بالتنظيم. ورغم أنه رأس هذا التنظيم فترة الاعتقالات المتكررة، التي تعرض لها الدكتور حسن عبدالله الترابي في السنوات الأولى لعهد جعفر محمد النميري، إلا أن الرشيد الطاهر قرر مفارقة الأخوان المسلمين، وانضم لحكومة النميري، بل أصبح نائباً لرئيس الجمهورية. بينما سجل التاريخ للدكتور حسن عبدالله الترابي، عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم وقتها، مخاطبته الشهيرة ضد الحكم العسكري بقيادة إبراهيم عبود، في ندوة شارك فيها ممثلون لعدد من القوى السياسية السودانية، إلا أن الثورة الشعبية، التي انطلقت عقب هذه الندوة، تنازعتها جهات كثيرة من اليمين واليسار؛ كل يدعي ملكيته الحصرية لثورة 21 أكتوبر 1964، والتي وضعت حداً لحكم عبود، وانحاز فيها العسكر إلى جانب الشعب، ليبدأ عهدٌ ثانٍ من الديمقراطية.

ثورة أكتوبر والديمقراطية الثانية ونميري:

لقد جاءت الانتخابات البرلمانية، التي أعقبت ثورة أكتوبر بذات القوى الحزبية الطائفية والتقليدية؛ مع تمثيل ضعيف للأحزاب العقائدية، والتي زادت بدورها تعقيدات المشهد السياسي، وعمقت من حدة التوترات والصراعات؛ إلى الحد الذي طُرِدَ فيه أعضاء شيوعيون منتخبون من الجمعية التأسيسة “البرلمان”، لأن عضواً من الحزب الشيوعي تحدث في ندوة عامة بما عُدَّ تطاولاً على الدين وقدحاً في رموزه.[26] ولأن عملية عزل الحزب الشيوعي قادها الإسلاميون، وقوى اليمين، فقد بدأ الشيوعيون، وجماعات اليسار القومي، في إعداد العدة للإنقضاض على السلطة عبر عناصرهم في الجيش. فقاد تحالف من الشيوعيين، والقوميين العرب، وحزب البعث العربي الإشتراكي، ومجموعة من الضباط الأحرار، انقلاباً في 25 مايو 1969، بقيادة العميد جعفر محمد نميري.

كُتِبَ النجاح لانقلاب نميري ضد حكومة الرئيس إسماعيل الأزهري، لأنه بالإضافة للأسباب، التي ترد في بيانات كل الانقلابات العسكرية، والتي يتركز فيها اللوم على ضعف أداء الأحزاب والقوى السياسية المدنية ومكايداتها، تحدث باسهاب عن موضوع الحرب المستمرة، منذ قُبَيل الاستقلال، بين الجنوب والشمال، أي منذ شهر مايو 1955، وعجز الحكومة المدنية في إيجاد معالجات ناجعة لها. وقد بدأ الانقلاب بانتشار وحدات من الجيش أمام مقرات الحكومة والرئاسة، والقبض على السياسيين المدنيين، وقيادات القوات المسلحة، التي يمكن أن تُشكل تهديداً وعملاً مضاداً، ثم إعلان بيان الجيش من الإذاعة الرسمية في أم درمان بصوت العميد جعفر نميري والقاضي بابكر عوض الله.[27] وجاء تشكيل ما عُرِف باسم مجلس قيادة الثورة، من ضباط معروفين بانتماءاتهم السياسية اليسارية؛ شيوعية وقومية عربية، وبمشاركة مدنية كانت جزءاً من التخطيط والتنفيذ. لكن سرعان ما تخلص نميري من رفقاء الانقلاب الشيوعيين، وأصبح رئيساً منفرداً بالسلطة، ليستمر في الحكم لمدة 16 عاماً، تخللتها مصالحات، وتحالفات، وانتخابات، وتبدلات، ومحاولات انقلابية عديدة للتخلص منه، لكنه قابلها بالحديد والنار والبطش.

لقد كانت أولى تلك المحاولات انقلاباً قصير العمر، أطاح بالحكومة؛ وذلك في التاسع عشر من يوليو 1971، دبره الحزب الشيوعي، وقاده العقيد هاشم محمد العطا. لكن الانقلاب، رغم استيلائه على مفاصل السلطة في البلاد، وجد مقاومة شعبية محلية شرسة، وفشل في تأمين اعتراف إقليمي، أو دولي، ولم تمض ثلاثة أيام حتى خرج المواطنون إلى الشوارع وتجمعوا في الميادين، وقام الموالون لنميري داخل المؤسَّسة العسكرية بانقلاب مضاد، وأطاحوا بحكومة هاشم العطا، وأطلقوا سراح نميري ورفاقه. وبذلك، استطاع نميري أن يعيد سلطته، ويقوم بمحاكمات وإعدامات طالت الانقلابيين من المدنيين والعسكريين، وكان على رأسهم زعيم الحزب الشيوعي السوداني آنذاك عبد الخالق محجوب، ومساعده الأيمن الزعيم النقابي الشفيع احمد الشيخ، وبابكر النور، ومدنيين آخرين، بينما شملت قائمة العسكريين قائد الانقلاب هاشم العطا وعشرات من الضباط والجنود، الذين شاركوا في تنفيذ انقلاب الحزب الشيوعي.

شكلت المغامرة الشيوعية صدمة حادة للرئيس نميري، فوجه ضربة قاصمة لرفاق الأمس، وثقها الكاتب فؤاد مطر في كتابه “الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر”،[28] دخل على أثرها ما تبقى من الحزب الشيوعي تحت الأرض، بينما بدأ نميري رحلة التحولات والتبدلات بحثاً عن شركاء جدد من النخب اليمينية، الذين كانوا حضوراً عند بوابات الطلب. فحشد منهم أسماء لامعة، على رأسهم الدكتور منصور خالد، الذي انصرف مباشرة إلى ترميم علاقات نميري مع الغرب عبر بوابة جنوب السودان، فكانت اتفاقية “أديس أبابا” عام 1972 مع حركة “أنيانيا2” بقيادة العقيد جوزيف لاقو، الذي أصبح نائباً للرئيس في الخرطوم، وحاكماً للإقليم الجنوبي. إذ أعطت الاتفاقية الجنوب الحكم الذاتي، لِيُدار من عاصمته جوبا، وأتت للخرطوم بشركاء جدد في السلطة المركزية، استقرت بهم الأوضاع لمدة عشر سنوات، واجه فيها النظام محاولتين انقلابيتين فاشلتين.

عُرفت المحاولة الأولى بحركة المقدم حسن حسين، ووقعت في 5 سبتمبر 1975، التي لم تنجح، وأفضت إلى القبض عليه، ومحاكمته محاكمة عسكرية قضت بإعدامه. ولمعرفة البعد المدني في المحاولة، يقول المقدم حسن حسين فى هذا الصدد: “في حوالي أبريل 1975 زراني بمنزلي بإمتداد الدرجة الثالثة بالخرطوم القاضي عبد الرحمن إدريس، قاضي بالمكتب الفني بالمحكمة العليا، ولم تكن هناك معرفة سابقة بيننا، وإنما قدمه لي الحكمدار الطيب أحمد حسين، ثم تكررت الزيارات. ونستخلص من هذه الإفادة طبيعة الشخصيات المدنية، التى كانت تعد وتخطط للانقلاب، ومع أن الأمر بدأ وكأنه نضج فى تلك اللحظة من أبريل 1975، أي قبل 5 أشهر من التنفيذ، إلا أنه من المؤكد أن التفكير، ومحاولة رسم الملامح العامة للخطة، قد سبقت هذا التاريخ بالنسبة للقاضي عبد الرحمن إدريس والحكمدار أحمد حسين. ولكن ما يهمنا في هذه القراءة أن هذين الرجلين كانا هما الأساس، الذي بدأت على أفكارهما العملية.[29]

وفي المحاولة الثانية، خططت القوى السياسية، فيما عُرِفَ بـ”الجبهة الوطنية” المعارضة لنظام نميري، التي كانت تضم أحزاب: الأمة والاتحادي الديمقراطي والأخوان المسلمين، وتنطلق من ليبيا لِقلب نظام الحكم، وأوكلت المهمة للعميد في الجيش محمد نور سعد، بمشاركة واسعة من عناصر المعارضة تسللت إلى الخرطوم عبر الحدود مع ليبيا. وقد تعامل نظام نميري مع محاولة الانقلاب، التي وقعت في 2 يوليو 1976، بعنف غير مسبوق.[30] إذ شهد المواطنون بأعينهم جثث القتلي في الشوارع، وداخل المباني، والعربات، كما نقلت الصحافة للمواطنين الأحداث مدعمة بالصور. فيما إعترف الصادق المهدي بأنه وراء أحداث 2 يوليو، بعد أن أصدر بياناً بثته إذاعة طرابلس المسماة “إذاعة الثورة الشعبية” مساء 2 يوليو 1976، جاء فيه أن الحركة الأخيرة في السودان هي حلقة من غرس “الثورة”، التي قال إنها لن تهدأ إلا إذا حققت أهدافها. وقال الصادق المهدي في بيانه إن الجبهة الوطنية، التي يتزعمها، تكونت منذ سبع سنوات لمقاومة ثورة مايو بالعنف، ونظمت عدداً من حركات المقاومة، وكادت كوادرها العسكرية، في 2 يوليو 1976، أن تقتلع النظام المايوي لإقامة نظام “إشتراكي” مبرأ من الإلحاد.[31] ولم يمض كثير وقت إلا ويلتقي السيد الصادق المهدي، رئيس الجبهة الوطنية، مع الرئيس نميري في مدينة بورتسودان، يوم الخميس 7 يوليو 1977، ويتفقا على المصالحة، لتعود القوى السياسية المعارضة إلى العمل من داخل النظام القائم، بل ويلتحق بعضها بحزب الاتحاد الإشتراكي الحاكم.

إن التفاعل بين الشمال والجنوب، الذي عززته اتفاقية أديس أبابا 1972، شجع النخب الجنوبية أن تجرب هي الأخرى الانقلابات العسكرية. ولأن التجربة جديدة، فقد كُشفت أول محاولة في مهدها، وأعتقل قادتها من السياسيين المدنيين، إلا أنه، ورغبة في إطلاق سراحهم، وقع عام 1977، ما عُرف باسم محاولة انقلاب جوبا، حين قام 12 طياراً عسكرياً سودانياً بمحاولة الاستيلاء على المطار، والقيام بمحاولة إطلاق سراح قيادة الانقلاب المحتجزين في سجن جوبا؛ وهم جوزيف أودوهو، وبنيامين أكوك، وملاث جوزيف، غير أن المحاولة فشلت، وتدخلت سلطات الحكم الذاتي، بتنازلات من المركز، لاستيعابهم في الحياة السياسية في وقت لاحق.

لقد واجهت اتفاقية أديس أبابا جملة من المشاكل والعقبات عند التطبيق، كان أهمها دمج قوات المتمردين السابقين في المؤسَّسة العسكرية السودانية، التي قوبلت بمعارضة من جانب المقاتلين الجنوبيين، خاصة في عام 1975، عندما رفض عدد من أفراد الأنيانيا تنفيذ أوامر نقلهم إلى الشمال، وقاموا باطلاق النار على القوات، والتي جاءت لتحل محلهم، مما أدى إلى مصرع قائدها وعدد من الجنود. وهرب عدد من مقاتلي حركة “الأنيانيا”، في أعقاب الحادث، بأسلحتهم إلى الغابات في الجنوب، وكانوا النواة الأولى، التي تشكلت منها حركة التمرد في الحرب الأهلية السودانية الثانية،[32] التي قادها العقيد جون قرنق، فيما عُرِف بـ”الحركة الشعبية لتحرير السودان”، والتي انطلقت بعد الانقلاب على حامية مدينة توريت العسكرية بجنوب السودان في عام 1983.

الثورة الشعبية الثانية:

قاد تجدد الحرب في جنوب السودان إلى توتر الأوضاع في الشمال كذلك، وبدأت القوى السياسية الوطنية، بما فيها القوى اليمينية الطائفية ذات التوجهات الإسلامية، في البحث عن سبل لإزاحة نميري من السلطة، خاصة بعد إعلانه لقوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983، التي أدت بدورها إلى مقاطعة إقليمية ودولية للحكومة السودانية.[33] كما مَثَّل تراجع نميري من شراكته مع الأخوان المسلمين آخر كروت المساومة والمقاومة، التي كان يملكها في مواجهة القوى الأخرى. فتحرك الشارع بكل فئاته في 6 أبريل 1985، في ثورة شعبية هي الثانية في تاريخ السودان، بعد ثورة 1964. وعُرفت الثورة حينها بـ”انتفاضة أبريل”. وكما جاء للسلطة في انقلاب عسكري غادرها أيضاً جعفر نميري بنفس الطريقة، حيث قامت مجموعة من ضباط الجيش بقيادة القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع المشير عبدالرحمن سوار الذهب، وذلك انحيازاً لثورة الشعب، وتجنيب البلاد إراقة الدماء. فسقط النميري، الذي سبق له أن أجهض أربع محاولات انقلابية فاشلة، بتحالف مدني عسكري، أي بثورة شعبية بلغت مقاصدها بانقلاب عسكري، وبذات السمات، التي طبعت علاقات ثورة أكتوبر 1964 الشعبية بالمؤسَّسة العسكرية، وتجدد في ثورة 19 ديسمبر 2018 الثالثة، التي بلغت الحكم في 11 أبريل 2019 باستيلاء اللجنة الأمنية العسكرية على مقاليد الأمور، مُنهِية عقوداً ثلاثة من ثورة الإنقاذ الوطني.

لقد اتسمت الفترة الانتقالية؛ أبريل 1985 إلى أبريل 1986، التي قادها المجلس العسكري الانتقالي بزعامة المشير عبدالرحمن سوار الذهب، ومجلس الوزراء المدني، برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله، بالهدوء والتناغم بين مكوناتها المدنية والعسكرية. وفي نهايتها، جرت انتخابات برلمانية، تسلم الفائزون فيها مقاليد الحكم بالبلاد، وأوفى سوار الذهب بعهده، الذي قطعه على نفسه أمام الشعب، تاركاً للسيد الصادق المهدي المُنْتَخَب إدارة الحقبة الديمقراطية الثالثة في البلاد. غير أن سلوك الأحزاب لم يكن أفضل حالاً من الفترتين الماضيتين، فكثرت الخلافات والتحالفات والمكايدات، إلى أن تدخل الجيش بأسلوب مختلف هذه المرة. إذ بعث، في فبراير 1989، مذكرة وقعها مائة وخمسون من ضباط الجيش، بقيادة رئيس هيئة الأركان؛ الفريق فتحي أحمد علي، طلبت من الحكومة التركيز على موضوعات؛ السياسة الخارجية وأثرها على القضايا الوطنية، ومعالجة التدهور الاقتصادي والتضخم وارتفاع الأسعار، وضبط المليشيات والانفلات الأمني، ووقف تفكك المجتمع السوداني وانتشار الفساد، والحد من تأثير الصراع المسلح في دارفور، وما يقتضيه كل ذلك من توسيع قاعدة الحكومة. وقد أمهلت مذكرة الجيش الحكومة أسبوعاً لتنفيذ تلك المطالب. وفي 28 فبراير 1989؛ أصدرت هيئة الأركان بياناً أكّدت فيه ما ورد في المذكرة. وبناء على ما جاء في ذلك البيان، اجتمع معظم زعماء الأحزاب وعدد من قادة النقابات، ووقعوا، في 10 مارس 1989، على برنامج من سبع نقاط لحكومة جديدة. وقد اشتمل ذلك البرنامج على إعلان سلام، أرسلت بموجبه هذه المنظمات مذكرة إلى رأس مجلس الدولة تطلب فيه استقالة الحكومة خلال 24 ساعة. وفي اليوم التالي، وضعت هيئة الأركان مزيداً من الضغط على الحكومة، إذ أرسلت خطاباً لمجلس رأس الدولة تتساءل فيه عن الوضع السياسي. وفي 12 مارس قدم الوزراء استقالاتهم.[34] وبذلك، أغرى ضعف الحكومة المدنية بعض النخب اليمينية لتحريك كوادرهم في الجيش لاسقاط الحكومة؛ وإن كان بانقلاب عده البعض ناعماً.

تجارب انقلاب الإنقاذ:

إن التجربة الديمقراطية في السودان لم تستمر طويلاً، نتيجة لكل الضعف والعثرات، التي وردت الإشارة إليها عاليه. يضاف إليها، أنه في الفترة من فبراير إلى يونيو 1989، شهدت أروقة الحكم في الخرطوم مناورات ومؤامرات كثيرة جعلت النخب المدنية السياسية تتحفز للانقضاض على السلطة بوسائل الإكراه، التي تمتلكها داخل المؤسَّسة العسكرية. إلا أن الجبهة القومية الإسلامية كانت الأسرع، والأكثر تنظيماً، فسبقت غيرها بالتمويه والتدبير والتخطيط والتنفيذ. وفي صبيحة الثلاثين من يونيو 1989، أعلن التلفزيون السوداني عن استيلاء ضباط من الجيش، بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير، على الحكم، وإعلان حالة الطواريْ. ولم تكن هوية الانقلاب، الذي عُرف بعد ذلك بـ”ثورة الإنقاذ الوطني”، واضحة في البداية مما ساعد الحكومة الجديدة على أن تنال تأييداً كبيراً؛ داخلياً وخارجياً، ومن دول كثيرة، خصوصاً مصر. ومن أجل ترتيب أوضاعها، قامت الحكومة الجديدة بحملة اعتقالات واسعة شملت طيفاً سياسياً واسعاً؛ من بينهم الدكتور حسن عبدالله الترابي، الذي اتضح فيما بعد أن الجبهة الإسلامية القومية، التي يقودها، كانت وراء الانقلاب على حكومة الصادق المهدي. كما تولى الترابي؛ في فترة لاحقة بعد إطلاق سراحه، مناصب شرفية مهمة في الدولة، كان آخرها رئيس المجلس الوطني “البرلمان”.

لم يصبر الحكم الجديد على إخفاء هويته الأيديولوجية الإسلامية العروبية لفترة طويلة، إذ ربطته علاقات قوية مع محور المقاومة القومي العربي، خاصة العراق، وصلت إلى الحد، الذي قطع فيه السودان علاقاته الرسمية مع الجمهورية الإسلامية في إيران. إلا أن هذا لم يشفع له عند حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي بادر بتدبير أول محاولة انقلاب ضد “ثورة الإنقاذ الوطني”، في رمضان عام 1990. وكان الانقلاب بقيادة اللواء عبد القادر الكدرو، واللواء طيار محمد عثمان حامد كرار، اللذين يمثلان كوادر مهمة في قيادة حزب البعث العربي الإشتراكي – جناح العراق. وانتهت المحاولة الانقلابية بإعدام 28 ضابطاً من الذين أُدِينوا بفعل الانقلاب، أبرزهم قائداه الكدرو وكرار. ولم يكن العراق ذاته بعيداً عن هذه المحاولة، إذ حاول مساعدة الانقلابيين بشحنة أسلحة عاجلة؛ سقطت الطائرة المُقِلَّة لها في الأراضي السعودية، كما أن الحكومة السودانية طردت السفير العراقي وقتها طارق محمد يحيى، بعد أن تجمع لديها ما يُفيد بمشاركته الشخصية الفاعلة في التدبير والترتيب والدعم.

لقد تخطت العاصمتان؛ الخرطوم وبغداد، أزمة الانقلاب بسرعة، وعادت العلاقات أقوى مما كانت عليه في السابق، نتيجة لحاجة كل منهما لدعم الأخرى في صراعاتهما الإقليمية. غير أن محاولة انقلابية فاشلة أخرى، وقعت عام 1992، بقيادة العقيد أحمد خالد، نُسبت إلى حزب البعث العربي الإشتراكي، وإن كانت كثير من الروايات حينها قد نسبتها إلى حزب الأمة، مُسْتَدِلَّة بأن عدداً من الضباط المقبوض عليهم ينتمون لطائفة الأنصار، التي تُشكل الغطاء الأيديولوجي لحزب الأمة. ورغم أن العلاقات بين حزب الأمة والعراق لم تكن أبداً على ما يُرام، نتيجة لمواقف الصادق المهدي المناصرة لطهران في حربها مع بغداد، إلا أن “شبهات” مشاركته، أو “الزعم” بدعمه، لهذا الانقلاب المزدوج؛ البعثي – الأنصاري، نال الكثير من مصداقية حزب الأمة مع الجبهة الإسلامية القومية، ووسع من شقة الخلاف والتنافس بينهما، رغم كل محاولات النفي، راجت في السر والعلن.

إن حكومة “الإنقاذ الوطني” العسكرية، والمدعومة من الجبهة الإسلامية القومية، ظلت متماسكة وقوية، رغم كل الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية. غير أن المفاصلة، التي وقعت بين الإسلاميين في العام 1999، إذ انقسموا إلى فريقين؛ حزب المؤتمر الوطني “الحاكم”، وحزب المؤتمر الشعبي “المعارض”؛ الأول بقياد البشير، والثاني بزعامة الترابي. وكانت المفاصلة في بنيتها السياسية انقلاباً نخبوياً مدنياً مسانداً للعسكر ضد قيادة الخركة الإسلامية التاريخية، أثرت تأثيراً بالغاً على قوة وتماسك حكم الرئيس عمر حسن أحمد البشير، وصار عرضة من جديد لتحديات المعارضة السياسية، وخطر الانقلابات العسكرية. لهذا، تذرع بالاجتهاد في إتاحة الحريات، وأشرع أبواب الحوار الوطني، وفتح المجال للقوى السياسية لتكون شريكة في الحكم. ونَشَّط التواصل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ مُقَدِّماً تنازلات مهمة بغية الوصول لاتفاق يُنهي الحرب في الجنوب، وإرسال رسائل تطمين للداخل والخارج عن توجه جديد للسودان بقيادة حكومته الهجين. ولكنه لم يغفل عن أولئك، الذين انشقوا عنه من الإسلاميين، فاتهمهم رئيس جهاز الأمن والمخابرات وقتها، بتدبير محاولة انقلابية في مارس 2004، وأدخل عناصر من حزب المؤتمر الشعبي، بقيادة حسن الترابي، إلى السجون، أثبتت التحقيقات لاحقاً أنها كانت مجرد “فبركة” من جهاز الأمن، الذي لم يتوقف عند هذا الحد، بل اتهم المؤتمر الشعبي مجدداً بتدبير انقلاب آخر في نوفمبر 2012.[35]

وبدا واضحاً أن الانقلابات العسكرية الحقيقية توارت عن البلاد منذ محاولات البعثيين الفاشلة، في عامي 1990 و1992، وذلك لتركيز المعارضة نشاطها المسلح من الخارج عبر إريتريا، وليبيا، وتشاد، ويوغندا، وبدعم قوي من دول جوار أخرى، وعواصم عالمية لم تكن تخفي عداءها لحكم الإسلاميين في السودان. الأمر الذي أعان القوى السياسية المدنية لتشكيل جيوشها الخاصة، تحت رايات التجمع الوطني الديمقراطي، والذي ضم كل الأحزاب التقليدية والعقائدية في الشمال، بالإضافة للحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب. وفي الوقت ذاته، ومع قرب التوصل لاتفاق سلام في الجنوب، اشتعلت، في عام 2003، الأوضاع في إقليم دارفور بغرب السودان، بقيادة خليط من الجماعات اليسارية والإسلامية، وهددت الأمن في كامل الإقليم، ووصلت، في عام 2005، إلى العاصمة الوطنية أمدرمان، فيما عُرف بعملية “الذراع الطويل”، التي قادها الدكتور خليل إبراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة.

إن الواقائع، التي يرى البعض أن لا مراء فيها، أن “الإنقاذ”، رغم استمرار البشير على رأسها طوال عقود ثلاثة، لم تكن نظاماً واحداً، ولا حكومة تيار سياسي واحد. فقد شهدت تحولات وتبدلات عديدة، وشاركت فيها عناصر من مختلف المكونات السياسية الوطنية، خاصة بعد توقيع اتفاقية الترتيبات الأمنية، التي جرت في 25 سبتمبر 2003، في “نيفاشا”،[36] إلى جانب الاتفاقيات الخمس الأخرى، والتي شكلت جميعها اتفاقية السلام الشامل، الموقعة في عام 2005،[37] وشاركت بموجبها القوى السياسية في الشمال والجنوب؛ بما فيها اليسار واليمين، في أجهزة السلطة المختلفة. ونُظمت بعدها انتخابات رئاسية وبرلمانية عام 2010، واستفتاء في يناير 2011 قاد لانفصال الجنوب عن الشمال.[38]

الثورة الشعبية الثالثة:

لقد بدأ واضحاً، منذ اليوم الأول في انتفاضة 19 ديسمبر 2018، أن “الإنقاذ” قد أوهنتها الأزمات، والخلافات، وربما المؤامرات الداخلية، أو ما يسميه البعض بـ”الخيانية”، بعد أن قاومت طويلاً تلك القادمة من الخارج. وشكل العنف، الذي مُورِس في قمع التظاهرات السلمية سبباً جوهرياً في دنو أجلها. إذ أفقدها هذا العنف، والتعدي الصارخ على المواطنين وحُرماتهم، نُصرة أصدقائها قبل أعدائها، وعجل بالسقوط المحتوم. الأمر الذي مهد للحراك الشعبي أن يستقطب دعم القوات المسلحة، ويدعوها للتدخل لوضع حد لإراقة الدماء، ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى. فاستجاب الجيش، في يوم الخميس 11 أبريل 2019، لنداء الشارع وتولى السلطة، بعد إزاحة البشير والتحفظ عليه. إلا أن إعلان وزير الدفاع السوداني، ورئيس اللجنة الأمنية العليا، عوض بن عوف، لم يلب طموحات الشباب الثائر، رغم أن مطلب التخلص من البشير قد تحقق.

من جهة أخرى، لم يلق البيان، الذي ألقاه بن عوف وأعلن فيه تشكيل مجلس عسكري يحكم البلاد لمدة عامين وتعطيل العمل بالدستور وفرض حالة الطوارئ ثلاثة أشهر وحظر التجول لمدة شهر، قبول تجمع المهنيين السودانيين، وهي الجهة الرئيسة المنظمة لاعتصام القيادة منذ السادس من إبريل 2019، ودعا التجمع المواطنين لمواصلة الاعتصام حتى تحقيق المطالب كاملة، وأهمها تشكيل حكومة مدنية تتولى إدارة البلاد في الفترة الانتقالية.[39] ووقفت مع هذا المطلب قوى إعلان الحرية والتغيير، التي تشكلت مع أحزاب ومنظمات، في يناير 2019، مما أضطر الفريق ابن عوف لتقديم استقالته في اليوم التالي، متنازلاً للفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي. وبعد أكثر من عام على تجربة حكومة الفترة الانتقالية المدنية، يخشى المراقبون أن لا تكون الديمقراطية الرابعة أفضل من سابقاتها، إذا استمر أداء النخب السياسية، والقوى السياسية الحزبية على ما هو عليه الحال.

لقد اتسمت الانتفاضات الشعبية الثلاث بأنها كانت “نصف ثورة ونصف انقالب”، كما أكدت ذلك حقيقة تدخل الجيش في مراحلها النهائية، والاستيلاء على الحكم نيابة عنها.  وفي ذلك يقول الكاتب اللبناني ربيع بركات إن “دخول “قوى الحرّيّة والتّغيير” إلى مؤسسات الدولة يعني أنها ستتنازل عن الكثير من رومانسيّتها. فـ‘نصف الثورة‘، وهو أفضل الممكن في الظرف السوداني الراهن وفي ظلّ الاختلال في الموازين، لن يحدث انقلاباً تاماً في سياسات الخرطوم، خصوصاً الخارجية منها، أقلّه في المستقبل القريب.”[40] وفي رأي الكاتب بركات المبكر أن “ما حصل في السودان، إن قُدّر له أن يكتمل على نحوٍ يسمح بانعكاس الخطاب ‘الثوري‘ـ ولو جزئياً ـ في أجهزة الدولة، هو تجاوزٌ لـ‘الربيع العربي‘، بالمعنى التاريخي للكلمة.

فقد حقّقت ‘قوى الحرّيّة والتّغيير‘ قسطاً مهماً من مطالب ‘الربيع العربي‘، الحقوقيّة والسياسيّة، من دون الانزلاق إلى وهم الفوز بـ‘الضربة القاضية‘ في مواجهة الدولة العميقة وأذرعها”.[41] غير أنه أقرَّ أن دخول ‘قوى الحرّيّة والتّغيير‘ إلى مؤسسات الدولة يعني أنها ستتنازل عن الكثير من رومانسيّتها. فـ‘نصف الثورة‘، وهو أفضل الممكن في الظرف السوداني الراهن وفي ظلّ الاختلال في الموازين (العسكريّة والاقتصاديّة) بين الجيش والميليشيات الرديفة وداعميها الإقليميين من جهة، وقوى الحراك المدني من جهة أخرى، لن يُحدث انقلاباً تاماً في سياسات الخرطوم”,[42] وربما لم يحالفه الصواب في قوله: “خصوصاً الخارجية منها، أقلّه في المستقبل القريب”، بعد عمليت التطبيع مع إسرائيل.

الخاتمة:

لقد شهد السودان ثلاث انتفاضات شعبية، كانت بالتوصيف التاريخي؛ “نصف ثورة ونصف انقلاب”، لأن الجيش تدخل في لحظاتها الفارقة لحسم الخيار الشعبي ضد الحكم العسكري. وهكذا كان الحال في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وأبريل 2019، وذهب عبود والنميري والبشير. وبالقراءة المقارنة قد نجد أن “الإنقاذ”، التي جاءت بها الجبهة الإسلامية القومية عبر انقلاب عسكري، في 30 يونيو 1989، وقادها المشير عمر حسن أحمد البشير لثلاثة عقود، وسقوطها، في 11 أبريل 2019، قد أعاد بالفعل السيناريو نفسه، “ويتكرر في المرات الثلاث نسق الأحداث والوقائع ذاتها: تحريض من قوة سياسية مدنية للجيش للانقلاب على نظام منتخب كما حدث في انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 1958، وانقلاب العقيد جعفر نميري في 1969، وانقلاب عمر البشير في 1989، ثم تعقبها بعد فترة تطول، أو تقصر انتفاضة شعبية للإطاحة بالأنظمة الشمولية. بيد أن المفارقة تبدو في أن القدرة على التخلص من حكم العسكر، الذي تمهد له قوة مدنية لا يتحقق في نهاية المطاف للثورات الشعبية إلا بمساعدة العسكر أنفسهم، ثم لا يلبث العسكر أن يعودوا للانقلاب على النظام الديمقراطي قصير العمر بدعوة من حزب سياسي.”[43] وهذا ما حاولنا إيضاحه من خلال عرض تفاصيل هذا البحث، مُلقِين بكامل المسؤولية على النخب السياسية المدنية بالدعوة والتدبير للانقلابات العسكرية، بعد كل مرة يفشلون فيها في التأسيس لحكم مدني ديمقراطي، يستوعب التعدد والتنوع الموجودين في السودان.

الآن، وبعد كل هذه التجارب، والتقلبات بين مختلف أنواع الحكومات العسكرية والمدنية والانتقالية، وما أضاعته من سنين طويلة من عمر البلاد والعباد، هل يتوصل السودانيون إلى حالة استقرار سياسي يكسرون بها هذه الدائرة الخبيثة، ويتراضون على دستور دائم يضمن التداول السلمي للسلطة، دون حجر، أو إقصاء لأحد؟ وهل تجعل القوى السياسية المتنافسة والمتصارعة من الاختلاف والتنوع والتعدد فرصة لإثراء الساحة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية؟ أم يستمر الوحل في طين المكايدات اللازب، ويجعلون من هذا الثراء سبباً للاحتراب والاقتتال؟ وهل من أمل نقرأ عبره مسيرة المستقبل، ونحن موقنون أن الجميع قد استفاد من تجارب الماضي العديدة والمديدة، التي كادت أن توردنا موارد الهلاك؟ ورغم حال التشاؤم، الذي يخيم على الناس الآن، بعد التراجع السريع للطموحات، بسبب تعثر الفترة الانتقالية، لكن يبقى الخير في الباقي، وهو كثير، إن أحسن السودانيون خيارات اجماعهم هذه المرة، وعقدوا توافقاً تاريخياً لمصلحة المستقبل.


[1]* أصل هذا البحث ورقة قُدمت باللغة الإنجليزية في المؤتمر العالمي الثالث، بعنوان: “The Quest For Democracy: Examining Civil-Military Relations In Muslim Societies”، الذي شهدته”Istanbul Zaim University”، بتركيا، ونظمه “Center for Islam and Global Affairs (CIGA)”، وذلك في الفترة من 13 إلى 15 أكتوبر 2019.

** دبلوماسي، الأمين العام السابق لمنتدى الفكر العربي، عمان، الأردن.

 جاء أول نداء لإقامة مثل هذا التنظيم حدث في عام 1935م لما دعت مجلة الفجر، التي كان يرأس تحريرها آنذاك عرفات محمد عبد الله، إلى تكوين جمعية لتمثيل الخريجين وتدافع عن مصالحهم وتتصل بالحكومة في جميع المسائل المتعلقة بظروف عمل الخريجين في دواوين الحكومة. بينما يذكر خضر حمد أنه قد أشار إلى كلمة مؤتمر في مقال كتبه لجريدة السودان في يوم 14/7/1935م.

[2] يمثل مؤتمر الخريجين كياناً سودانياً تم إنشاؤه إبان فترة الحكم الثنائي الاستعماري بالسودان على غرار المؤتمر الهندي، الذي أتى بالاستقلال للهند. وكان ميلاد مؤتمر السودان في عام 1938م على أيدي خريجي كلية غردون -جامعة الخرطوم حالياً، وخريجي الكليات الاجنبية الأخرى. وقد كان السكرتير للسودان هو الزعيم إسماعيل الأزهري.

[3] يعتبران طائفيين على أساس أن حزب الأمة يمثل طائفة أنصار الإمام محمد احمد المهدي قاعدته الأساسية، بينما تمثل طائفة الختمية قاعدة للحزب الاتحادي.

[4] كان لكلا الطائفتين والحزبين الكبيرين روابطهما الخاصة والمختلفة مع دولتي الحكم الثنائي؛ بريطانيا ومصر، اللتين مارستا حيلاً كثيرة لإبقاء نفوذهيما في السودان حتى بعد مغادرتهما لأرضه، فدعمت بريطانيا حزب الأمة ليبتعد عن فكرة الوحدة مع مصر، فنادى بشعار السودان للسودانيين، فيما دعمت القاهرة الحزب الاتحادي، فنشط في دعوته للاتحاد مع مصر.

[5] الدكتور خالد التجاني النور، “جدلية المدني والعسكري.. هل يلتف عسكر السودان على ثورة الشعب؟”، https://midan.aljazeera.net/reality/politics/2019/4/28/

[6]  بول ستانيلاند، “شرح العلاقات المدنية – العسكرية في البيئات السياسية المعقدة: الهند وباكستان في منظور مقارن”، مجلة الدراسات الأمنية، جامعة شيكاغو، مايو 2008، المجلد (2)، العدد 17، صفحات 322-362.  https://www.researchgate.net/publication/240520268_Explaining_Civil-Military_Relations_in_Complex_Political_Environments_India_and_Pakistan_in_Comparative_Perspective

[7] جيمس بيرك، “نظريات العلاقات المدنية – العسكرية الديمقراطية”، نشرت لأول مرة في 1 أكتوبر 2002 كمقال بحثي. https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/0095327×0202900102?journalCode=afsa

[8] مجموعة مؤلفين، “العلاقات المدنية – العسكرية في إضفاء الطابع الديمقراطي على آسيا – الهيكل والوكالة والنضال من أجل السيطرة المدنية”، المجلة الآسيوية للعلوم السياسية المجلد 19، الإصدار 3، 2011، https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/02185377.2011.628145?src=recsys&journalCode=rasi20

[9] بيفرلي بارسونز، “حالة الأساليب والأدوات لتغيير النظم الاجتماعية”، مارس 2007، ص 134. شهد العقد الماضي أو نحو ذلك زيادة في معدل الاهتمام بتغيير الأنظمة وتطبيق نظريات متعددة لدراسة والتأثير على التغيير في الأنظمة. تتناول هذه المقالة كيف تفتح هذه النظريات، الموضحة في مقالات أخرى في هذا العدد، بالإضافة إلى النظريات حول الأنظمة التكيفية المعقدة فرصًا لنا لمواصلة توسيع مخزوننا من الأدوات والأساليب لمعالجة تغيير الأنظمة. من المتوقع أن تساعدنا هذه الأطر والأدوات والأساليب المفاهيمية على زيادة قدرتنا على الدراسة والتأثير على تغيير الأنظمة المخطط لها وذاتية التنظيم. ظهرت أدوات وأساليب جديدة وهناك حاجة إلى أخرى لمساعدتنا على الاستمرار في استكشاف النظم الاجتماعية المعقدة التي نعمل من خلالها والتأثير عليها. https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1007/s10464-007-9118-z

[10] الدكتور حسن الحاج علي أحمد، “الانقلابات العسكرية في السودان: الأسباب والدوافع”، ورقة قُدِمَت في ورشة (المؤثرات العسكرية على العملية السياسية في السودان)، مركز التنوير المعرفي، الخرطوم، ونُشِرَت في موقع قناة “الشروق”، http://www.ashorooq.net/index.php?option=com_content&view=article&id=15899

[11] ديفيد كوهن وفيليب لورينز، “شرح العلاقات المدنية – العسكرية في الديمقراطيات الجديدة: تطوير البنية والوكالة والنظرية”، تم النشر على الإنترنت: 19 ديسمبر 2011، الصفحات 231-249 https://doi.org/10.1080/02185377.2011.628145 

[12] “العلاقات المدنية – العسكرية”،  https://doi.org/10.1177/0095327X0202900102

[13] “الجماعات العسكرية وغير العسكرية” https://www.encyclopedia.com/social-sciences-and-law/political-science-and-government/military-affairs-nonnaval/civil-military-relation

[14] ورد في مقدمة كتاب “السودان: الأرض والشعب”، الذي نشره السفير تيموثي كارني، عام 2005، أن بداية الاستعانة المركزية بالمليشيات كانت عام 1915 عندما سلحت حكومة الخرطوم آنذاك القبائل العربية في دارفور للقيام بحملات استطلاعية ضد سلطة علي دينار، واستمرت إلى أن تم القضاء على السلطنة في عام 1916.Timothy M. Carney, “Sudan: The Land And the People”. Publisher: Marquand Books; First Edition, (September 30, 2005)

[15] الدكتور حسن الحاج علي أحمد، المصدر السابق.

[16] الجزيرة وثائقية، “الزعيم إسماعيل الأزهري والسودان”، https://www.youtube.com/watch?v=bBcSFSU96Nc&feature=youtu.be

[17] محمد أحمد مرسي، “لماذا تفشل ثورات السودانيين ضد العسكر كل مرة؟”، ساسه بوست، 14 مايو 2019، https://www.sasapost.com/why-sudanese-revolutions-fail/

[18] اللواء محمد نجيب، “كنت رئيساً لمصر”، الناشر: المكتب المصري الحديث، 1 يناير 1984.

[19] محمد أحمد مرسي، المصدر السابق.

[20] وراجت أقوال أيضاً أنه سبق واتفق مع الملك فاروق أن يكون نائباً له وحاكماً على السودان، الأمر الذي أدى بالأزهري للمسارعة وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955.

[21] مرسي، المصدر السابق.

[22] عبداللطيف البغدادي، “مذكرات عبداللطيف البغدادي”، الجزء الأول، المكتب المصري الحديث، 1977. https://www.goodreads.com/book/show/13613962-

[23]  محمد على صالح، “وثائق امريكية عن عبد الله خليل: (1) سقوط الازهري”، نُشر بتاريخ 29 ديسمبر 2009. http://www.sudanile.com/index.php/وثائق/9080-

[24] محمد أحمد مرسي، المصدر السابق.

[25] صار بيان الفريق إبراهيم عبود نموذجاً لكل بيانات الانقلابات، التي تلته، إذ حملت جميها إدانة لفوضى المدنيين وعجزهم عن إدارة شؤون البلاد والعباد، مبررة لتدخل الجيش بأنه وقف للتدهور ووضع الأمور في نصابها

[26] تقول اصل الرواية إنه في مساء يوم الاثنين 18 نوفمبر 1965، أقام وقتها (معهد المعلمين العالي)، حاليآ كلية التربية جامعة الخرطوم، ندوة مفتوحة كان من ضمن المشاركين في حفل المعهد الطالب (شوقي محمد علي)، الذي فجأة دون سابق انذار عرج في كلامه -من عبر منصة الحفل- وقال حديثا لا يليق بالنبي الكريم وآل بيته. كان الأمر يمكن ان يقف عند هذا الحد من المناكفات خصوصاً أن الأجواء السياسية بعد ثورة عام 1964 كانت مليئة بالمشاحنات والعدائيات خاصة بين الأحزاب الدينية والعلمانية، وكانت الجماهير وقتها، تغض النظر عن ما يجري من سلبيات، إلا أن الطامة الكبري جاءت عندما قال شوقي بالصوت العالي علي مسمع من الجميع في الحفل: “أيوة أنا شيوعي وملحد”.

[27] تؤكد مشاركة مولانا القاضي بابكر عوض الله، وصياغته لبياني الانقلاب؛ وتقديمه لأحدهما، التدبير المدني لهذا الانقلاب. فقد جاء في كتاب مولانا محمد خليفة حامد، القاضي بالمحاكم السودانية، الموسوم “بابكر عوض الله رئيس القضاء الأسبق-سيرة ومواقف”، عرض المؤلف أن صلة مولانا بعسكري مايو بدأها فاروق حمد الله عندما اتصل بمولانا بابكر، ووقتها كان مولانا يعمل بمكتب صديقه الأرمني ادوارد جورجيان، وتواصلت اللقاءات بمنزل مولانا بابكر بالعمارات بالخرطوم. وفي أحد هذه الاجتماعات، التي حضرها بجانب فاروق – ابوالقاسم محمد ابراهيم-بابكر النور-خالد حسن عباس تم ترشيح اثنين من الضباط لقيادة الانقلاب، وهم عثمان حسين والآخر أحمد الشريف الحبيب.. رفض بابكر الاثنين لكن الرفض لم يكن صريحاً إذ إنه تساءل مافي اسم ثالث فردوا لا يوجد سواهما حالياً فطلب منهم أن يختاروا من يختارونه، لكنه يعتذر عن المشاركة.. في اجتماع آخر، قدموا اسم جعفر نميري ولم يعترض عليه رغم أنه لايعرفه (ص 145 من الكتاب). وقد أوضح الكتاب أن مولانا اختار كل الوزراء ما عدا ثلاثة اختارهم جعفر نميري، وكتب مولانا بيان الانقلاب الأول وظل لمدة ثلاثة أيام يحفظه لجعفر نميري مراقباً أخطاء النطق وسلامة اللغة (ص 146 من الكتاب).

[28] فؤاد مطر، “الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر”، دار النهار للنشر وتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1971.

[29] كانت غالب أفكار التخطيط والاعداد للعملية من تدبير القاضي عبد الرحمن إدريس، الذي تقول صفحات التاريخ إنه نجح في الهرب عند اكتشاف وفشل الانقلاب، وجرت محاولات مضنية لاعتقاله، ولكنه – وللمرة الثانية – نجح في الهرب، وتمكن من الخروج من السودان، ولم يعد اليه إلا بعد أحداث العام 1976، والتى أعقبتها المصالحة الوطنية في العام 1977 بين الجبهة الوطنية ونظام الرئيس نميري وأتيح للقاضي الحصول على عفو، بل وتم تعيينه فى الاتحاد الاشتراكي وهو الحزب احاكم في العهد المايوي كما هو معروف. أما الشخصية الثانية، من حيث البعد والأهمية في التدبير والتخطيط، فهو الحكمدار شرطة الطيب أحمد حسين، ولعل من أغرب ما كان مطوياً فى ثنايا هذه الحركة، وجود ضابط شرطة بين مدبريها، إذ لم يكن أمراً مألوفاً في موجة الانقلابات العسكرية محلياً وعالمياً. وهناك أيضاً شخصية عباس برشم، الذي كان أحد أهم العناصر الإسلامية، التي أشعلت أحداث شعبان 1973 حين كان يترأس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم.

[30] تقول الوقائع إنه ما بين الثالثة والرابعة من صبيحة يوم الجمعة، الموافق 2 يوليو عام 1976، إستيقظ سكان العاصمة الخرطوم وحواجبهم معقودة دهشة، على أصوات رصاص كثيف، وتراشق بالنيران وإطلاق دانات وقذائف حربية، بدأ ذلك بصورة متقطعة في بداية الأمر، ولكنه سرعان ما تكثف، مما أدخل القلق في نفوس الناس، فهرعوا إلى الشوارع لمعرفة ما يجري فيها، إلا أنهم سرعان ما ارتدوا إلى منازلهم، فأوصدوا أبوابها عليهم والذعر والهلع يحتويهم، هذا بعد أن تأكد لهم بأن ثمة محاولة لإنقلاب عسكري، ضد نظام النميري يجري تنفيذها، وقد استمرت تلك المواجهات العسكرية لأكثر من يوم، جرت فيها تصفيات واغتيالات بين الجانبين، وسُفكت فيها دماء غزيرة بين أكثر من جانب.

[31] الاتحاد الاشتراكي السوداني هو حزب سياسي سوداني، أسس في 1971، وحل في 6 أبريل 1985، وسبق أن اتهمته القوى اليمينية المعارضة بأنه يقوم على أسس شوعية إلحادية.

[32] الحرب الأهلية السودانية الثانية هي حرب أهلية بدأت في عام 1983، بدأت بعد 11 عاما من الحرب الأهلية السودانية الأولى بين أعوام 1955 إلى 1972، درات معظمها في الأجزاء الجنوبية من السودان أو في منطقة الحكم الذاتي الذي يعرف بجنوب السودان، وتعتبر إحدى أطول وأعنف الحروب في القرن وراح ضحيتها ما يقارب 1.9 مليون من المدنيين، ونزح أكثر من 4 ملايين منذ بدء الحرب. ويعد عدد الضحايا المدنيين لهذه الحرب أحد أعلى النسب في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، انتهى الصراع رسميا مع توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام في يناير 2005 واقتسام السلطة والثروة بين حكومة رئيس السودان عمر البشير وبين قائد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق.

[33] ربما لا يعفي صمت السيد محمد عثمان الميرغني عن “قوانين سبتمبر” الحزب الاتحادي الديمقراطي عن المساءلة التاريخية، لكن زعيم حزب الأمة السيد الصادق المهدي كان قد صرح كثيراً ضدها، ووصفها بأنها “لاتساوي الحبر الذي كُتبت به”، ولكن عاب الناس على السيدين؛ الميرغني والمهدي، أنهما لم يتخذا قراراً بشأن هذه القوانين عندما واتتهما الفرصة ليحكما إئتلافاً ديمقراطياً بعد سقوط النميري.

[34] تعد مذكرة الجيش نقطة تحوّل في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية. فلأول مرة في تاريخ تلك العلاقة منذ الاستقلال، تقوم المؤسسة العسكرية باستخدام (فيتو) عبر خطاب رسمي، تطالب فيه بمطالب سياسية محددة. ونتيجة لمذكرة الجيش خرجت الجبهة الإسلامية القومية من الحكومة. درجت مؤسسات عسكرية في العالم الثالث في استخدام الفيتو في علاقتها بالسياسيين المدنيين، وخير مثال في هذا الصدد الجيش التركي. أما في السودان فقد اتخذت العلاقة، قبل المذكرة شكلين أساسيين: استلام السلطة، أو العودة إلى الثكنات.

[35] مسلسل الانقلابات العسكرية في السودان https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201904121040428078

[36] اتفاقية الترتيبات الأمنية في نيفاشا https://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/2c07ee7e-f535-4b9c-a9bc-ca9a5bd09b69

[37] اتفاقية السلام الشامل https://www.marefa.org/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9

[38] استفتاء جنوب السودان https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2011/01/110121_south_sudan_latest

[39] المصدر الجزيرة https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2007/1/31/

[40] ربيع بركات، “حدود الرومانسية الثورية في السودان”، صفحة الرأي، جريدة السفير اللبنانية، 19 أغسطس 2019. http://awanmedia.net/opinion-analysis/%/

[41] ربيع بركات، المصدر السابق.

[42] بركات، المصدر السابق، يقزل: إنّ أيّ تقدير لطبيعة السياسة الخارجية للسودان، بعد توقيع الاتفاق بين المجلس العسكري و”قوى الحرية والتغيير”، يُفترض ألا يستثني مجموعة من المعطيات، بعضها ذو دلالات، أو نتائج متناقضة، من بينها؛ (١) أن المجلس العسكري ما زال غالباً في تركيبة الحكم الحالية، (٢) أن “قوى الحرّيّة والتغيير” ليست متجانسة من حيث الجذريّة والخلفيّة العقائدية والتطلّعات السياسية، (٣) أن الأقاليم الطَرَفيّة في السودان (دارفور وكردوفان والنيل الأزرق) تعاني من مشاكل سياسيّة وأمنيّة وإنسانيّة يصعُبُ حلّها في المدى المنظور، وتتيح للخارج (أميركا على وجه الخصوص) أن يضغط عبرها على أي سلطة مركزيّة، (٤) أن السودان يواجه أزمة اقتصادية حادّة تقلّص من إمكانيّة اعتماده سياسة خارجيّة مستقلّة، (٥) أن رفع العقوبات عن الخرطوم يستوجبُ نيلَ رضى واشنطن، (٦) أن روسيا هي مُصدّر السلاح والشريك العسكري الأوّل للسودان، و(٧) أن الصين هي الشريك التجاري الأوّل للسودان (تليها الإمارات ثم السعوديّة).

[43] عبد الله مكى، “الانقلابات العسكرية.. الأسباب والدواعي”، صحيفة ألوان اليومية، بتاريخ 27 مايو 2015، http://www.alwandaily.com/?p=3677
________

*الدكتور الصادق الفقيه: دبلوماسي، الأمين العام السابق لمنتدى الفكر العربي، عمان، الأردن.

-أديس أبابا، إثيوبيا/ الجمعة 8 نوفمبر 2019.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات