حين بدأت شعلة حكم الإسلام السياسي تخبو

إبراهيم العدوان

يلحظ المتتبع لنشوء الدولة الإسلامية منذ بداية الدعوة الإسلامية أن بنية الدولة قامت على وحدة المكان ووحدة الروابط بين الأفراد وعلى العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين هؤلاء الأفراد من المسلمين من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة ثانية، وبينهم من يعيش بين ظهرانيهم من غير المسلمين من جهة ثالثة.
وبدأت معالم بناء الدولة الإسلامية بالظهور في المدينة وفي الأمصار التي فُتحت تباعاً، وعاش بكنف هذه الدولة مجتمع الأنصار والمهاجرين ومن اليهود الذين ارتبطوا بالدولة الإسلامية بمواثيق وعهود ومعاهدات نظمت العلاقة بينهم، وحافظت على نشاطهم الديني والاجتماعي والاقتصادي والتجاري.
ولما كان لهذه الدولة أن تُبنى وتصبح سيدة العالم آنذاك إلا بنشر الدين الإسلامي على يدي الرسول (ص) وأصحابه. وانتهاجهم مبدأ الشورى، القائم على عدم التفرد في القرار فيما يتعلق بالقضايا الدنيوية، وأخذ رأي المسلمين وإشراكهم في الحكم.
وفي ضوء تطور النظم السياسية في الحكم بتغير الأزمان ظهر مصطلح الإسلام السياسي ونظر إليه الغرب على أنه حركة أصولية استناداً إلى ظاهرة الحركات الدينية في التاريخ الغربي. واختلف المختصون في الدائرة الإسلامية حول ظاهرة الإسلام السياسي طبقاً لتوجهاتهم السياسية والثقافية وطبيعة الرؤية تجاه الإسلام من حيث كونه صاحب رؤية شاملة للحياة أم رؤية روحية أخلاقية للإنسان.

فالإسلام السياسي يتبناه أفراد مسلمون تربطهم هيئة أو جماعة أو تنظيم أو حزب له نظام خاص، ويؤمن أفراده بأعماق قلوبهم بالإسلام وشعائره ونظمه وقوانينه ويعمل هؤلاء الأفراد على تطبيق تعاليم الإسلام في حياتهم اليومية، وتسعى مثل هذه الجماعات المنظمة إلى الحكم، وجعل مؤسسات الدولة تسير في برامجها وفق تعاليم الإسلام.

ولو نظرنا إلى الدول العربية التي أصابها إعصار الربيع العربي. نجد أن هذه الجماعات برزت أثناء وبعد مطالبات شعوب مصر وليبيا وتونس بالحرية، ووصلت إلى الحكم مطبقة الشريعة في دستورها وتعزيز الأحكام الإسلامية في كل مرافق الحياة.

ولا يخفى على أحد أن الرافعة الرئيسة لوصول مثل هذه الجماعات إلى سدّة الحكم هو ثورة الشعوب وتوقها للحرية ودعم الدول الغربية نحو التحول الديمقراطي.

ولم تمض فترة على وصولها للحكم حتى بدأت شعلة حكم الإسلام السياسي في هذه البلدان تخبو وتفشل في إدارة دفة الحكم، ويمكن إرجاع سبب الفشل إلى مجموعة من العوامل منها ضعف الخبرة والممارسة في مجال الحكم والإدارة وانتهاج سياسة الإقصاء للآخر واحتكار السلطة، وغربة الخطاب الإسلامي السياسي تجاه البيئة الدولية، والإرث التاريخي من الخوف والعداء الدولي لظاهرة الإسلام، ودعم الدول الغربية للنظم الديكتاتورية على مدار عقود من الزمن ضد المعارضة الإسلامية بكافة أشكالها، إلى جانب الحصار الدولي لهذه الجماعات إعلامياً والصراع بين المشروع الصهيوني والمشروع الديني والحضاري لظاهرة الإسلام السياسي.

والمراقب للمشهد السياسي في هذه الدول يلمح إلى أن تجربة حكم الإسلام السياسي قد أثرت سلباً على التحول الديمقراطي الذي تاقت إليه الشعوب في المنطقة العربية، فالديمقراطية لم تتحقق والحرية لم تنلها الشعوب التي ثارت من أجلها، وتم استبدال النظم الديكتاتورية بنظم جامدة أدت إلى خراب في العمران وقتل للبشر وإعاقة للتنمية واتساع لرقعة الفقر وإحداث شرخ في البنى الاجتماعية في مجتمعات المنطقة العربية.