حوارية النموذج الأردني بين مئويتين

الطاهات: إذا لم ندخل في مستوى جديد من ممارسة السياسات سنبقى نعيد لحظتنا الراهنة

وكان الأستاذ جمال الطاهات قد تحاور مع نخبة من الشباب الأردني خلال ندوة بعنوان النموذج الأردني بين مئويتين ويذكر أن الطاهات هو كاتب وصحفي أردني، له العديد من المقالات المنشورة عن الأنظمة العربية، والأردن والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعن الوضع الاقتصادي للأردنيين ومعادلات الإصلاح في الأردن.

بدأ الطاهات حديثه بالإشارة إلى العنوان “النموذج الأردني بين مئويتين” وطرح تساؤل هل النموذج الأردن مكتمل؟ أو هل لدينا نموذج أردني؟ وقال أنه يجب مناقشة هذه الأسئلة بوضوح وجرأة منطلقين من فكرة أساسية أننا معنيين بالحديث عن الأردن القابل للتطور والمستمر في تطوره، الأردن الذي يستطيع أن ينجز مهام تاريخية كدولة و كمجتمع، والأردن الذي كان والذي نرثه الآن وبين المستقبل الذي لا يمكن أن يأتي إلا من خلال اشتباكنا مع الواقع.

وأضاف أن الفعل والنشاط مداره الحقيقي الواقع واللحظة الراهنة التي نعيش بها، هي التي يمكن لها أن تفتح النوافذ والأبواب حتى نصل للمستقبل، كذلك جهدنا في هذا الواقع هو الذي سيقرب المستقبل في الفترات القادمة. كما أن حاضرنا هو ميراث الماضي، آباءنا وأجدادنا عندما عملوا لحاضرهم لكن ذلك الحاضر هو الذي أفضى إلى ما نحن عليه بكل منجزاته وسلبياته وبكل ما يمكن أن يقال عنه.

كما أننا إذا كنا نمتلك نموذج للدولة الأردنية فهو النموذج القادر على أن يقدم حلاً للمعادلة الآنية، المعادلة التي يجب أن يتصدى لها الشعب الأردني والدولة الأردنية والنخب هي ضمانات الديمومة والاستقرار، ضمانات التطور والتقدم، نتحدث عن ديمومات قوى حيّة قادرة على التكيف وقادرة على التفاعل، أيضا قادرة على التقدم وعلى المضي قدما بشكل واضح، بالتالي إذا تحدثنا عن نموذج حتى الآن في العالم العربي نشأت الدولة كغيرها من الدول أعقاب الحرب العالمية  الأولى، حققنا إنجازات  وحافظنا على ديمومتنا لكن هذا بمقدار ما هو مصدر فخر  أيضا ولكن المعضلة الكبرى الآ، أن معالم مستقبلنا لا نعرف عنها الكثير. بالتالي عوضا عن الحديث عن المستقبل علينا العمل على حاضرنا، كيف نجعل النموذج الأردني قادر على التطور.

كما طرح الطاهات تساؤل وحاول الإجابة عليه ،قال أننا نقف على ميراث مئة عام من الدولة وما بين طموح لقرن قادم، كيف لنا أن نتصرف وما هو المدخل الأساسي لفهمنا لهذه العملية؟ إذا تحدثنا عن المستقبل فإن هناك معضلة نظرية وتطبيقية  في الإجابة وكذلك على سؤال هل توجد خرائط تفصيلية تأخذنا إلى المستقبل؟قال أنه في تقديره لا وجود لمثل هذه  الخرائط الآن في العالم كلّه، وهذه ليست  معضلة الأردن، هذه معضلة كل دول العالم، في المرحلة الأولى من تشكيل الدولة حين كنا نتحدث عن بدايات الربع الأول من القرن العشرين كان يبدو الطريق نحو المستقبل واضح، كانت فكرة الدولة قائمة على إنشاء مؤسسات تأخذنا إلى مسير التقدم لنصبح بسوية المجتمعات الأوروبية وما امتلكته من عناصر قوة.

وفي سياق استكمال الحديث عن ما بين مئويتين قال الطاهات أننا عندما كنا نتحدث عن بناء الدولة كان الحديث عن بناء جيش وعن تعليم وخدمات، عن صورة شاهدناها في العالم وأردنا أن نطبقها، كذلك كنا نتحدث عن مواصفات وبنى دفاعية  واقتصادية، كانت صورة المستقبل تبدو واضحة. لكن نحن الآن للأسف إذا سألنا في كل العالم ما هي ملامح المستقبل بعد ثلاثين أو أربعين سنة سنجد أن هناك إشكالية نظرية وعملية بأنه ليس لدينا خريطة واضحة للمستقبل، بالتالي نحن في ظل عدم وجود هذه الخريطة ما الذي نحتاجه حتى ننطلق من الحاضر إلى المستقبل؟ أجاب بأننا نحتاج إلى ثقة بأنفسنا ونحتاج إلى جرأة وشجاعة حقيقية، وأيضا نحتاج إلى أدوات ومراكب الرواد لنمضي من الحاضر نحو مستقبل مأمول وملامحه نحن من نحددها.

كما أكد الطاهات على أننا نحتاج إلى أطر مرجعية جديدة للفهم، كيف نفهم الماضي والحاضر ، أدوات الفهم والتحليل التي ننطلق منها وما هي أطرنا المرجعية التي ننطلق منها في فهمنا لماضينا وواقعنا. أما إذا بقينا نجتر التحليل السياسي بأدوات سابقة فنحن بالتأكيد لن نبتعد عن حاضرنا.

بالإضافة إلى الثورة التكنولوجية التي نعيشها اليوم أنتجتها أدوات فهم وتحليل جديدة، إذا لم نفهم الواقع من حولنا بشكل مختلف لن نستطيع أن نقدم إستجابة صحيحة، ولا مجال للهروب من الواقع،  لكن هناك فرصة جدية بأن نطور منظومة استجابتنا بتطوير منظومة مرجعية جديدة للفهم. 

وعندما نسأل من أين نبدأ؟ وكيف نذهب من لحظتنا الراهنة ؟ قال الطاهات أننا نذهب بميراثنا ووقائعنا التي نعرفها ولكن بأدوات جديدة، كما أن التاريخ ينساب بشكل تلقائي، هناك نخب استطاعت أن تلتقط اللحظة، وهناك نخب في مجتمعات غيرها فشلت وتداعت بالتالي عندما نقول من أين نبدأ بمعنى كيف لنا أن نكون نقطة مميزة في فهم الماضي والحاضر والانطلاق نحو المستقبل.

كما أضاف أن ما يمكن أن يشكل مزية لفهمنا المختلف والارتقائي والمتجاوز والقادر هو القدرة على تطوير الممارسة عبر تطوير السياسات، بمعنى أن هناك أزمات ومشكلات ومنجزات، نريد أن نحافظ على المنجزات وتطورها، ونتجاوز العقبات، ونعالج عناصر الضعف. من خلال النقطة الأولى والأساسية وهي وجود إطار مرجعي ومنظور جديد للفهم ينطلق من تطوير الممارسة.

وعند الحديث عن فكرة تطوير السياسات والاستراتيجيات قال الطاهات أنه ومن خلال تجربته الشخصية لا تتم بالقليل من المقترحات، وأن فكرة التطوير القطاعي في الأردن بدأت في منقلب القرن الواحد والعشرين، بدأت كجهد جدي والوصول لخطوات عملية لبدء بلورة استراتيجيات وسياسات بديلة، لكنها ليست رحلة سهلة، ولكن إحداث التطور في المستوى القطاعي هذا يعني أننا بحاجة إلى تصميم سياسات جديدة، وهذه العملية حسب تجربته “عملية صراعية” ليست بالسهولة التي نعتقدها، ولكنها هي الحل للمعادلة الآنية التي تقول كيف نحافظ على الديمومة وكيف نضمن التطور.

 وأن السياسات مهمتها الأساسية أن تأخذ ما لديك من منجزات ووقائع حقيقية قابلة للقياس ويعاد تفعيلها باتجاه بناء آليات عمل جديدة، وأضاف أننا إذا لم ندخل إلى مستوى جديد من الممارسة ونطورها لن يكون هناك مستقبل وسنبقى نجتر الماضي، ونعيد إنتاج لحظتنا الراهنة. 

كما تساءل الطاهات إذا ما كنا سنظل نفكر بالتعليم كما فكر به آباءنا وأجدادنا في الستينات؟ وهل سنبقى ندير مرافقنا الصحية كما كانت في السابق، هل ستبقى طرقنا تصمم كما كانت في السابق، إذا كان الجواب نعم؛ سنكون جيل مفقود من التاريخ فاقد صلته بين الماضي والمستقبل.

وما ميز الأردن من لحظة انبثاق فكرتها أنها كانت استجابة ذكية للتحديات، الأردن البلد الذي حقق منجزاته ، المؤسسين من آبائنا ذهبوا لمقاربة الاستجابات الذكية أمام التحديات وهذا هو الذي مكننا من الحفاظ على في ظل وجود قوى قادرة على أن تعصف بالأردن وجوداً واستقراراً وكينونة.إضافة إلى أن المجتمع الأردني الذي بنى الدولة وأوصلنا إلى ما نحن فيه اختلف نوعاً وكماً، والمتطلبات التي كانت تلبي الحاجات في تلك المرحلة لم تعد تلبي حاجات اليوم ولا المستقبل.

وأن المطلوب اليوم مجلس نواب يؤدي مهامه بطريقة مختلفة عن المجالس الأخرى وإلا سنعيد المئوية الأولى وهذا يؤدي إلى مخاطر، مطلوب من المجلس أن يطور نمط ممارسته بقواعد عمل جديدة.

نقاش مع الشباب:

تفاعل الحضور من الشباب بطرح جملة من الأسئلة، منها؛ كيف يتم ترجمة كل ما تحدث به الطاهات على أرض الواقع، ومن أين سنبدأ ومن الذي سيبدأ المجتمع أم الدولة، وما الذي ينبغي تطويره في النموذج الأردني، وكيف يمكن أن نعيد تعريف القيم الوطنية الأردنية، وهل هناك تصور كيف يمكن تطوير العقد الاجتماعي، وكذلك عن أزمة يواجهها الشباب الأردني اليوم من الرسائل التي تأتيه من الدولة رسائل باتجاه الإصلاح وأخرى مناقضة له، جيل اليوم يحتاج لأجوبة، وعن الأزمة التي نعيشها اليوم تجاه مؤسسات الدولة، والاعتقاد بأن الحلول القادمة يجب أن تكون عضوية ويكون من الشباب وقادم من الشعب أولا وأن تتخلى الدولة عن فكرة أنها قادرة دائما على فهم ما هو صالح للأمة، والسؤال عن إذا ما كان هناك خوف من الإصلاح السياسي، وعن مستقبل الشباب الأردني في ظل وجود مشكلة في فهم الإصلاح السياسي وما هي المنهجية المثلى لمئوية جديدة وتحقيق نمو ديمقراطي يخدم مستقبل الدولة، وكذلك عن توقعاته لفكر الدولة في المئوية الثانية، وما هي الفرص لدى الشباب اليوم ليبني عليها.

قال الطاهات في معرض إجابته على نقاش الشباب أنه باعتقاده أن النقطة الأساسية كيف لنا أن نفهم ميراثنا وتحدياتنا الراهنة، وفي حال أننا بقينا نفكر بنفس الأدوات والمقاربات سنعيد ذات الأخطاء، ومن وجهة نظره قال أن النقطة البداية تكون في تكون منظور فهم جديد، كما أضاف أنه منذ سنوات ونحن يستهلكنا منطق البحث عن المخطئ والأصل أن نبحث لتحديد الأخطاء، وأن الهدف من الحوار السياسي ليس التقاضي وإنما تطوير الممارسة بأن تحدد ما هو خطأ لتصل إلى الصواب، وبالتالي من سيبدأ العقد رأى الطاهات أنه ليس هناك طرف مسؤول عن بقية الأطراف وعلينا جميعا مسؤولية البداية وعلينا إجراء المراجعة والتفكير بمنطق جديد، وفي إجابته على مسألة الخوف من الإصلاح قال الطاهات أن هناك أطراف مستفيدة من الوضع الراهن وهي من تواجه خطط الإصلاح بالترويع منه، وإحدى عناصر القوة لدينا هي قدرتنا على تحويل الإجماع الوطني على أولويات الإصلاح ومفرداته إلى خطط مقنعة قابلة للتطبيق. كما أكد على أهمية المضي قدما نحو الملكية الدستورية التي تحدث عنها الملك، وأضاف أن هناك كتلة في جسم الدولة تعترض الإصلاح السياسي وتعتقد أن لديها القدرة والتماسك لتعقب على ما يقوله الملك وينشره في أوراقه النقاشية، كذلك شدد على أهمية توسيع دائرة المشاركة وتوسيع دائرة النخبة الأردنية، وأن كل المجتمع اليوم بكل مكوناته أمام ذات الاستحقاقات والوقائع والميراث والمطلوب أإن بأن نضع مقترحات تضع الممارسة الراهنة في كل المجالات أمام أسئلة مفصلية، وأن يتم ترجمة الإصلاح السياسي بمجموعة مطالب واضحة؛ تتمثل في ملكية دستورية والملكية الدستورية تقول بوضوح أن الملك ليس إرادة مفارقة لإرادة الأمة وإنما التعبير الموضوعي لإنفاذ هذه الأرادة ، وأن يتم تولية جميع السلطات عن طريق التمثيل(لا سلطة لمن لا تمثيل له)، وأن تكون المجالس المحلية والنيابية صاحبة سيادة ودور واسع، كما وأضاف أن إحدى معاناة هذا المجتمع أن نخب الدولة متكلسة وعاجزة عن تطوير الخطاب وعن إبداء فهم جدي لقواعدها الاجتماعية التي تدعي أنها تخدمها، وأخيرا قال بأن الهدف المركزي لتطوير المنظومة السياسية هي الوصول إلى بنية مؤسسية وإلى توظيف كافة الموارد البشرية بفعالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات