الهويّة القاتلة

يامن نوح

يتحدّث عالم النفس الشهير “إريك إريكسون” عن “الهويَّة” ضمن نظريّته المعروفة “نظريّة التطوّر النفس- اجتماعي[1]” Psycho-Social development theory على أنّها إحدى الأزمات المهمَّة في مسار تطوّر الشخصيَّة، حيث تبدأ تساؤلات الفرد حول “هويّته” في مرحلة المراهقة.

فالمراهق في هذه المرحلة يبدأ في البحث من خلال البيئة المحيطة عن إجابات لأسئلة ملحّة مثل: “من أنا؟” و”ما دوري في الحياة” و”ماذا يجب أن أفعل؟” و”كيف يجب أن تكون علاقاتي بمن حولي؟” وغيرها من الأسئلة.

وبحسب نظريَّة “إريكسون” فإنَّ المراهق في محاولته الإجابة على هذه التساؤلات يمرّ بمرحلتين: الأولى، وهي التي يجد فيها المراهق بعض الإجابات عن طريق ربط نفسه بمن حوله باستخدام الأشياء المشتركة التي تجمعه بهم، مثل: الدين، العرق، العائلة، المنطقة، الهوايات، العشيرة.. إلخ؛ بمعنى أنه يشعر بالانتماء والولاء إلى الجماعة المحيطة، وهو بذلك يجد من خلال هذا الربط بعض الإجابات التي يستقيها من الثقافة التي تمليها هذه الجامعة عليه. على سبيل المثال: لأنّك تنتمي إلى عشيرتنا فعليك أن تتصرّف بهذا الشكل، وأن يكون مظهرك بهذا الشكل.. أو لأنّك ابن لهذه العائلة فيجب أن تكون مثقّفاً أو متفوّقاً أو رياضيّاً أو تعمل في مهنة معينة يعمل بها كل أبناء العائلة.. الخ. هذه المرحلة يطلق عليها “إريكسون”: “الهويَّة الاجتماعيَّة” “Social Identity”.

تفترض النظريَّة أنّه بعد فترة وجيزة من النموّ الصحّي، تعجز هذه “الهويَّة الاجتماعيَّة” عن تقديم إجابات كافية ومشبعة للمراهق، حيث يبدأ المراهق في اكتشاف تناقضات الثقافة المفروضة عليه، وتعارضها مع نزعاته وميوله الخاصَّة، ومن ثمّ يبدأ في اكتشاف نفسه بشكلٍ أعمق، والتعرّف على قدراته وإمكاناته الخاصَّة، وبذلك يبدأ تدريجيّاً في اكتشاف “دوره” الخاصّ الذي يستطيع عن طريقه تمييز نفسه عمّن حوله. وهنا تتحوَّل “الهويَّة” – أي الطريقة التي يعرف بها المراهق نفسه- من “هويَّة اجتماعيَّة” إلى “هويَّة فرديَّة” “Individual Identity”.

يعني ذلك أنَّ هذا المراهق يمكنه عند الوصول إلى هذه المرحلة من النضج التي يعرف عندها بوضوح “من هو؟” و”ما دوره في الحياة؟”، أن يتجاوز إملاءات الثقافة المحيطة وما تفرضه من سلوكيّات، وصياغة سلوكيّاته الخاصَّة النابعة من قناعاته الخاصَّة، التي تتماشى مع ما يراه في نفسه من إمكاناته متميِّزة ومتفرّدة، ومع الدور الذي يراه لنفسه[2].

النقطة الأهم هنا والتي سنعود إليها لاحقاً هي أنَّ الشكل الصحّي من “الهويَّة” الذي يقترحه علينا إريكسون هنا هي: هويَّة مستمدَّة من الدور.

تأخذنا إذن من عند هذه النقطة نظريَّة أخرى مهمَّة لعالم اللغويّات المعروف “كينيث بيرك[3]“، والتي يتناول فيها “الهويَّة” وعلاقتها بـ “اللغة”، حيث يرى “بيرك” أنَّ “اللغة” آداة رمزيَّة يستخدمها المتحدِّث لخلق “الرموز” التي تسهِّل عليه إقناع المخاطبين برسالةٍ معيّنة. وأحد تطبيقات هذه النظريَّة ما يحدث في الخطاب السياسي- التحريضي بوجهٍ خاصّ- حيث يرى “بيرك” أنّ الخطاب السياسي ينجح بقوَّة عندما يستخدم “الخطيب” رموزاً تؤكِّد بشدّة على “الهويَّة” التي تجمعه بجمهوره، وبالتالي يتوحّدون معه، ويبدأون في الاقتناع برسالته. لاحظ في هذا الترتيب أنَّ “الاقتناع” بالرسالة لم يأتِ نتيجة “تفكير موضوعي” أو “تحليل منطقي” مثلاً لمضمون الرسالة التي يطرحها الخطاب، ولكن جاء “الاقتناع” نتيجة عمليَّة نفسيَّة تمَّ استخدام الرموز فيها بشكلٍ يتجاوز مضمون النصّ ذاته، وهذا ما يؤكِّد عليه “بيرك” في نظريّته. فالطريقة التي يقف بها الخطيب السياسي مثلاً، والزي الذي يرتديه، والطريقة التي يشير بها بأصابعه، واللهجة التي يتحدَّث بها والدلالات الاجتماعيَّة لبعض العبارات التي يستخدمها … إلخ، كل هذه الأشياء تعبِّر عن “رموز” معيِّنة تؤدّي إمّا إلى نجاح الخطيب في التواصل مع جمهوره أو فشله في ذلك. ونجاحه مرهون بأن تؤكِّد كل هذه الرموز على “هويِّة” معيّنة تجمعه بجمهوره، وكأنّه يقول لهم مثلاً: “أنا مثلكم يا عشيرة كذا…” أو “أنا منكم يا قبيل كذا…” أو “أنا على مذهبكم يا أهل مذهب كذا…” إلخ، وبالتالي يتوحَّد “الجمهور” مع “الخطيب” ويقتنع بمضمون الرسالة التي يطرحها عليهم ويقبلون “الدور” الذي يطلب منهم في هذه الرسالة، وفي الخطاب السياسي التحريضي، يكون هذا الدور يكون في النهاية إمّا “مع” أو “ضدّ”.

فالخطيب السياسي عندما يحاول مثلا إقناع/ تحريض جمهوره للتصويت لمرشّح القبيلة أو الحزب، أو وجوب إسقاط الدستور أو خطر عشيرة كذا علينا، أو ضرورة التخلّص من أحد الأقلّيات.. إلخ. فهو يبدأ بالتأكيد على “هويّتك” أي “من أنت؟” ليحدّد لك بالضرورة من هو “الآخر” (أي من “ليس أنت”) ومن ثمَّ بقليل من التحريض والتخويف يتحوَّل هذا “الآخر” إلى “خصمك” ثمَّ إلى “عدوّك” وبالتالي يحدِّد لك دورك منه.. وهنا مربط الفرس: “دور” مستمدّ من “الهويِّة”.

هل أحسست بأنَّ الأمر اختلط عليك بين النظريتين؟ الأمر بسيط، النظريَّة الأولى تخبرك أنَّ صحتك النفسيَّة تأتي عندما تكتشف نفسك وإمكانياتك الخاصَّة ودورك الخاصّ بك في الحياة وبالتالي تصبح هويّتك الفرديَّة واضحة، والنظريَّة الثانية تخبرك أن الخطاب السياسي يحاول أن يستغلّ أحد هويّاتك (انتماءاتك) الاجتماعيَّة ليوحي لك بدور ما في الحياة. هذا ببساطة هو الفرق بين النظريتين.

لاحظ أنَّ المعادلة في الخطاب السياسي التحريضي هي تماماً عكس معادلة إريكسون السابقة الناضجة، فإريكسون طرح “الهويَّة المستمدَّة من الدور” باعتبارها الشكل الناضج من التعامل مع الهويَّة، بينما يستخدم الخطاب السياسي شكلً “أقل نضجاً” من تطبيقات “الهويَّة” ليضمن النجاح في تحقيق مكاسب سياسيَّة بعينها، وهو “الدور المستمدّ من الهويَّة”… وهنا تكمن الخدعة.

فالخطاب السياسي بهذا الشكل يحاول دائماً أن يقنعك أنَّ الدور الذي يطلبه منك الخطيب هو دور مفروض عليك بالطبيعة من الأصل، وأنه لا مصلحة للخطيب السياسي في ذلك القرار الذي يحاول دفعك إليه، فهو- كما يدّعي- لا يطلب منك سوى أن تستجيب لطبيعتك المفروضة عليك والتي يذكرك هو بها، وأنك لا خيار لك سوى الالتزام بالدور المفروض عليك بحكم “هويّتك”.

مثلاً:
لأنّك “أسود” إذن عليك بالضرورة التضامن “مع – نا” ضدّ “غير الأسود”، والذي قد يكون أبيض أو أصفر لأنّك “سني” إذن عليك التضامن “مع – نا” ضدّ “غير السنّي”. والذي قد يكون “شيعيّاً” أو “علويّاً”.
لأنَّك “مسلم” إذن يجب عليك التضامن “مع – نا” ضدّ “غير المسلم” والذي قد يكون “مسيحيّاً” أو “هندوسيّاً” … إلخ.

وهكذا: “دور” تفرضه عليك “الهويَّة”، “دور” لا تملك إلا أن تنصاع إليه، وهو أيضاً “دور” لا تختلف فيه عن غيرك، فأنت “مجرد رقم” في تعداد أولئك الواقعين في فئتك أو لهم الهويَّة نفسها، كلكم يجب عليكم بحكم “هويّتكم” أن تكونوا “جنوداً” في “جيش” الدفاع عن أنفسكم، ضدّ كل من “ليس أنتم”.

“التهديد” … هذه هي كلمة السر، والمفتاح لهذا النوع من الخطاب. فما دمت قد حدّدت لك “من أنت” وبالتالي عرفتك من “ليس أنت/ آخر”، يبقى فقط أن تشعر ببعض “التهديد” من هذا “الآخر” حتى تبدأ المعركة، ثمّ تتصاعد المعركة لتصير حرباً، ثمّ تشتعل الحرب حتى تصبح تطهيراً “عرقيّاً/ طائفيّاً/ مذهبيّاً… إلخ”.

كأنما الغاية الكبرى لهذا الخطاب، هو أن يفنى جميع البشر، وتبقون وحدكم على الأرض لا يهدّدكم أحد، ولا يوجد إلا من هو مثلكم.

خديعة كبرى، هو ذلك الخطاب الذي يحدِّد لك “دورك” من “هويّتك”… لماذا؟ لأنّك ببساطة متعدّدة الهويّات بالطبيعة، فأنت “مصري” و”مسلم “و”عربي و” وسني” و”ذكر” و”شاب” في نفس الوقت، وانظر إذن إلى التناقض الذي يمكن أن تفضي إليه معادلة “الدور” المستمدّ من “الهويَّة”:
مصري: المصري حليف والفلسطيني غير حليف.
مسلم: الفلسطيني حليف والمصري المسيحي غير حليف.

عربي: السوري حليف والكردي المسلم غير حليف.

سنّي: السعودي حليف والسوري العلوي غير حليف.

سيتوجَّب عليك في هذه الحالة أن “تسقط” بعض هويّاتك لصالح البعض الآخر، وكأنك بـ “عروبتك” تنكر “سنيتك”، أو كأنك بـ “مصريتك” تنكر “إسلاميّتك”…إلخ.

وفي هذا السياق، أتذكَّر الآن تساؤلنا الحائر الساذج في فترة المراهقة: ايهما أولى وأهمّ في نظرك… “دينك” أم “وطنك”؟ وكأنّهما متعارضان!

هذه الإشكاليَّة هي التي سيستثمرها السياسي على حسب الموقف ليتمكّن من توجيهك إلى ما يريد في كلّ مرَّة، فسيمكنه في مرَّة أن يذكرك أنك “مصري” وبالتالي عليك الوقوف في وجه “التونسي” أو “الجزائري” (كما حدث في أزمات كرة القدم المتكرّرة) وسيذكرك في مرَّة أخرى أنك “مسلم” لتقف في وجه “المسيحي” (كما حدث كثيراً في الأزمات الطائفيَّة في مصر” وسيذكرك في مرَّة ثالثة أنك “سني” لتقف في وجه “الشيعي” (كما يحدث في قضيّة التشيّع التي تثار عادة في دول الخليج العربيَّة) وهكذا.

وبذلك تصبح معادلة رسائل خطاب التحريض المتتابعة على هذا النحو:
هويَّة: من “أنت” ومن “ليس أنت/ آخر”.
تهديد: “الآخر” يشكِّل خطراً.

تحريض: هويّتك تملي عليك دوراً.
صراع: معركة مع الآخر للبقاء والدفاع عن “الهويَّة”.

وهذا هو الواقع الذي تعيشه يوميّاً مجتمعاتنا التي مزّقتها صراعات “الهويَّة” الفارغة.

نعود مرَّة أخرى إلى “إريكسون” ونظريّته، حيث يعطينا الحل، لتصبح الرسائل الصحيَّة التي ينبغي أن تصل لأفراد المجتمع ليسلك مسار التطوير والبناء:
انتماء: إلى دوائر انتماء متعدّدة ولا تفرض على دوراً إجباريّاً للدفاع عنها (فنحن لا نشعر بالتهديد).

دور: أعرف تدريجيّاً إمكانيّاتي وقدراتي وأدرك دوري في الحياة.

هويَّة: هويّتي مستمدَّة من دوري في الحياة.

إنتاج وعمل: أمارس “دوري” وأنتج وأعمل بثقة.


وهذه هي المعادلة لا تتعارض مع احتفاظك بالانتماء إلى الدوائر المتعدّدة التي تجمعك بمن حولك، فلا يعني هذه المسار الأخير أن تتخلّى عن احترامك لوطنك أو لدينك أو لمذهبك أو لإقليمك أو لقبيلتك، بل على العكس، أن تكن لهم كل احترام، لكن أن تأتي مواقفك من داخلك لا بشكل مفروض عليك من الخارج، وكأنه أمر حتمي، وكذلك ألا تدافع عن عشيرتك أو قبيلتك وهي على موقف الخطأ – فقط- لأنها تخصّك، بل أن يكون ولاؤك للـ”حق” فقط ولو على حساب أقربائك وأحبائك وبني جلدتك، وتلك هي القيمة التي تتجلّى في نص كتاب الله ووحيه عندما يقول: ” قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة 24).

فـالجهاد في القرآن الكريم-لمن يتأمَّل- هو الدفاع عن “الحقّ” أينما كان، لا الدفاع عن “العشيرة” أو “الأهل” أو “أبناء المذهب” ولو كانوا على باطل.

لا يدعوك هذا المقال أن تنسلخ من هويّاتك وتنكر صلتك بقومك، بل يدعوك أن تكون صلتك بـ “الله” و”الحق” و”دورك” في الحياة أعلى من أي صلة أخرى، ولتعرف أن طريق الله لا يأتي بتدمير خلقه وإشعال النيران، بل يأتي بسلام مع النفس أولاً، يبدأ بالإنسان ثمّ يملأ الأرض سلاماً وأماناً.


[1] Erik Erikson 1902-1994.

[2] Erik Erikson (1994)-Identity: Youth and Crisis-publisher: W. W. Norton Company.

[3] Kenneth Duva Burke (1897-1993).