المدن الحضاريَّة الزاهية بالآخر

التنويري

المدن الحضاريَّة دائماً وأبداً تزهو بالغريب (أو الآخر) وتتوهّج بالثقافات المختلفة وإبداعات الإنسان المتنوّعة، لندن وباريس ونيويورك وغيرها أصبحت الكوزموبوليتيَّة جزءاً من نسيجها، والتعدّديَّة قسماً من تكوينها، والجمعيَّة (نسبة إلى الجمع) من حصّة تراثها. تلحظ في ذات المكان، وفي آن واحد، كثافة إبداعيَّة تعكس كرنفال روّاد المكان الآتي من خلفيّات ثقافيَّة وأفكارهم وهمومهم لتصيغ صورة بانوراميَّة ثقافيَّة متعدّدة الألوان، بعيداً عن عقليَّة التآمر أو الشعور بالنقص أو الغزو لتشبك نسيج الحياة وتعيش أسئلة الواقع وتحدّياته.. وطالما استوقفني مرادف الغزو، كالغزو الفكري أو الغزو الحضاري وغيرها في ثقافتنا، أليس معنى الكلمة هو امتطاء الخيول السارعة، المشتقّ من ثقافة البدو عند هجوم القبائل لبعضها البعض، ليصبح فيما بعد جزءاً من ذهنيّتنا ونمط تفكيرنا.

والمكان كما قيل دالة حركيّة ثقافيَّة ذات قوانين معرفيَّة تفصح عن فعلها عبر الحوار وأشكاله، وتشارك في تكوينها ثقافات المكان. فالغريب يستطيع التعبير عن إنسانيّته وترابطه مع الآخر، وإن رفض من قبل الأخير لعنصريّته أو اللامبالاة وما شابه، ولكن لتواجده في ذات مكان الآخر.

العلاقة الواضحة بين ملامح الشخصيَّة أو بعضها، والمكان الذي يقطنه وثقافته اليوميَّة في الامتزاج في الشخصيَّة وكل إفرازاتها على الحياة. ثقافة وحياة المكان لها نكهتها، سلباً وإيجاباً، في مزاج الإنسان أو “نشوة الاختلاط المصطنع” كما صاغها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أو “سفينة نوح المتناقضة” في وصفه لمدينة نيويورك، لكن تبقى القدرة على فن التفكير في الأشياء وتحليلها وتأمّلها والإبداع والخلاقيَّة للغريب وابن المكان، ربما في أوروبا أكثر من أمريكا، عن تلك المدن المترحّلة، لعالمنا الذي يعيش الخراب وصناعة الموت وعدم المقدرة لمجرد العيش بأكله ونمه فقط.. سبات حياتي إن صحّ التعبير.

المباني ومعماريتها تعطي شعوراً عن تاريخ وثقافة المكان، أمّا الشوارع والطرقات في المدن الحديثة تحوّلت إلى مسارات لمستقبل الإنسان وأصبحت قنوات التواصل بين الأماكن عبر الزمن. وسائط النقل من السيّارة، إلى القطار والطائرة تربط الإنسان بالآخر، اقتصادّيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، واضعة مسارات الأنسنة المشتركة مادّيّاً، بدنيّاً وفيزيائيّاً، فضلاً عن الإنترنت والبريد الإلكتروني وغيرها في ترابط المسار الإنساني افتراضيّاً.

نحن إزاء ثقافة متجدّدة برموزها ووسائلها تسرع كلها نحو المستقبل في أماكن العالم الحيّة. لو تفحّصنا تاريخ مدننا المشعّة كبغداد قبل خراب المغول 1258 أو الأندلس لرأيت بوتقتها في تعدّد الأجناس والثقافات في إقامة الحضارات الكبرى، وكذا كان الحال مع دمشق وبيروت والقاهرة والعديد من مدن شمال أفريقيا، وصولاً إلى الأمبراطوريَّة الرومانيَّة وغيرها. وعكسها في أماكننا حاضراً التي تمحي الآثار الماضية بذريعة الشرع، وتدمّر المباني والمعمار بحجّة الدين، وتمنع المسارات الزمنيَّة والمكانيَّة بتهم الإيمان، إذن كيف يمكننا إقامة ثقافة المكان مع ثقافة الغائيَّة كهذه، ثقافة خاصّة بذوات مكبّلة في تاريخ معيّن، وعقول تشيح بعيداً عن معنى الحياة وحركتها الطبيعيَّة التي يلعب الإنسان فيها الدور الأساس؟