الاستعمار الجديد وأزمة النخب المثقَّفة

حسنيوي عبدالرحمان

مقدِّمة:

في منتصف القرن العشرين الميلادي، دخلت العديد من الدول المستعمَرة (الجزائر، المغرب، تونس، مصر، سوريا…)، في مفاوضات طويلة عريضة مع المستعمِر (بالخصوص البريطاني والفرنسي)، حول الاستقلال، وهذا كان  نتيجة الضغط الشعبي (السياسي أو العسكري) الذي مارسته الحركات الوطنيَّة على المحتل، هذه المفوضات أفضت في الأخير إلى نيل الكثير من الدول لاستقلالها، فمثلا: المغرب وتونس حصلتا على استقلالهما سنة 1956، وتبعتهم الجزائر سنة 1963…إلخ، بعد حصول هذه الدول على الاستقلال، طفا إلى السطح العديد من الإشكالات في خضم بناء الدولة الوطنيَّة، من أبرزها إشكال التخلُّص من التبعيَّة الثقافية والاقتصادية والسياسية لبلاد الاستعمار (النيوكولونيالية)، لحدود كتابتي لهذه الأسطر ما زال نفس المشكل يؤرق النخب المثقَّفة. لهذا سنحاول في هذه الورقة محاولة فهم المكانيزمات التي بسبها يمكن تتخلَّص من التبعيَّة، وسنطرح السؤال التالي: كيف يمكن التحرُّر من النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي الذي يمارسه المستعمر على مستعمراته السابقة؟

  ولمحاولة الإجابة على هذا السؤال الإشكالي سأعتمد على العديد من الكتابات النوعيَّة التي تطرقت لهذا الموضوع بالتحليل والتفصيل لمحاولة الفهم، وهي كالآتي: كتاب ادوارد سعيد الموسوم بـ “صور المثقف”، وكتاب “تصفية استعمار العقل” لنغوجي واثيونغو، وكتاب فرانز فانون المعنون بـ“معذبي الأرض”، بالإضافة لعديد من الكتابات والدراسات الأخرى. وسأقسم هذا البحث لمحوريين أساسين هما:

  • النيوكولونيالية وأزمة النخبة المثقَّفة.
  • المثقَّف وإشكال التحرُّر الوطني.
  1. النيوكولونيالية وأزمة النخبة المثقَّفة

في هذا المحور سأنطلق ممَّا طرحها انغوجي، الذي يرى أنَّ الصراع في إفريقيا الذي حدث بعد نيل الاستقلال، يقوم على جدليَّة الصراع بين قوّتين متضادّتين، “تراث الاستعماري في إفريقيا من ناحية، وتراث مقاوم من ناحية أخرى”، فالتراث الاستعماري هو ما تمثّله وتحافظ عليه البورجوازيَّة العالميَّة المتمثِّلة في الشركات متعدِّدة الجنسيَّات، كما أنَّ الطبقات الحاكمة التي تمثِّل بين قوسين الدولة الوطنيَّة، هي في الأصل نخبة تخضع للتبعية الاقتصاديَّة والسياسيَّة للمستعمر، وهي التي تشكِّل المحور الأساسي لما يسمى الاستعمار الجديد (النيو كولونيالية)، وهذه النخبة مفروضة على الشعب، بقوَّة الشرطة والجيش، ورجال الدين (الحارس الإيديولوجي)، ويتمّ الترويج لأفكارهم عبر أجهزة البروبغاندا، التي تضمّ العديد من مثقّفي الدولة، والأكاديميّين والصحافيّين (الصحافة الصفراء) المقرَّبين من المؤسَّسة النيوكولونياليَّة[1].

 وهكذا، فإنَّ الاستعمار خرج من الباب ورجع من النافذة، عبر العديد من المؤسَّسات والأشخاص الذين يحملون الخطاب الاستعماري، ويحاولون تكريسه وإبقاءه ما أمكن في هذا المجتمعات “الكامنة”، والتي ترفض التغُّير والإبداع وتنحو نحو التقليد، فهي بذلك تحمل أفكار قاتلة، تساهم في الإبقاء على الاستعمار الجديد وتغذِّيه بغير وعي منها، من خلال الخنوع والخضوع والاستسلام والتقليد، لذلك فالنخبة التي تمثِّل النيو كولونيالية، لا زالت تسيطر على البنية التحتيَّة (علم الأشياء) والبنية الفوقيَّة (عالم الأفكار)، فهذه البورجوازيَّة تسيطر على السلطة في المركز، وهنا السلطة بمعناها الفوكوي، فالسلطة ليست شيئا يتقلّده صاحب السلطة، بل هي مجموعة من الاستراتيجيَّات والتقنيات، وسلسلة من علاقات السلطة بين أفراد قاعدة الهرم المؤسَّسي وقمّته، فالسلطة سلسلة من آليات محليَّة يوميَّة لنظام “الانضباط والمراقبة”[2].

لكن الذي يكرِّس لهذه الهيمنة الغربيَّة على الدول التي استعمرتها، هو وجود نخبة مثقَّفة منفصلة كليّا عن العالم الواقعي، ودائما تنصرف إلى الاهتمامات الخياليَّة والطوباويَّة، وتعيش في أبراجها العاجية[3]، وتعمل على القطع مع هموم مجتمعاتها، لذلك فهذه النخبة المثقَّفة جزء من المشكل الذي تتخبَّط فيه جل الدول التي تعرَّضت للاستعمار الأجنبي، ولكي لا أكون قاسيا على هذه النخب المثقَّفة، سوف أتَّجه بسهام النقد لهذه المجتمعات التي أنتجت هذا المثقَّف، لأنَّه منذ الصغر يتمّ زرع أفكار قاتلة باللغة مالك بن نبي في هذا العقل، فيتمّ قتل قيمة الإبداع والابتكار والخلق والنقد، ويتمّ زرع قيم التقليد والنقل والخضوع، وذلك بالاعتماد على نصوص كهنوتية، تلغي العقل وتمجِّد التقليد والنقل، هذا التطرُّف إمَّا ينتج متطرّف في أقصى اليمين، يحمل الثقافة الرجعيَّة المتعلّقة بالفكر الكهنوتية، ويلغي الفكر العلمي والعقلاني هذا من جهة، أمَّا من جهة أخرى، فينتج لنا متطرّفا في أقصى اليسار، يلغي كل ما في التراث وينسلخ عن هويّته، ويتّجه نحو تقليد الحداثة الغربيَّة، وهذا ما يسمى “الاستيلاب”، لذلك فالمجتمع يحمل جزءا من الأزمة التي يعيشها العالم الثالث (دول الجنوب).

 وما يثبت ما قلناه في الأعلى، هو ما حدث في “ثورات الربيع العربي” سنة 2011، فالكثير من المثقّفين العرب كانوا ضمن شرائح النظام السياسي القائم، لذلك وقفوا ضدّ تطلّعات الشعوب العربيَّة، وتخلّوا عن الدور التاريخي المناط بهم، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل المثقّفون العرب يسبقون الشارع العربي أو العكس؟ في اعتقادي أنّ الشعوب العربيَّة في الكثير من اللحظات تتقدَّم على المثقّفين، وما حدث في 2011 خير دليل على ذلك. ولكيلا نكون دغمائيّين في طرحنا، فهناك العديد من المثقّفين العضويين –بتعبير أنطوني جرامشي- الذين كانوا في مستوى تطلّعات الشعوب نحو الحرّيَّة والكرامة والعدالة الاجتماعيَّة. في هذا الجزء الأخير من المقال سأحاول الحديث عن الدور الإيجابي الذي يلعبه المثقَّف العضوي في التحرُّر الثقافي والسياسي والاقتصادي للتخلّص من التبعيَّة.

  • المثقَّف وإشكال التحرُّر من التبعيَّة

يتحدَّث نغوجي في كتابه “تصفية استعمار العقل” عمَّا يسمَّى التراث المقاوم، الذي يشكّله الشغيلة من بروليتاريا وفلاحين بمساعدة البورجوازيّين الإيديولوجييِّن (الطلبة الوطنيين، والمثقفين الوطنين)، والجنود، والعناصر التقدّميَّة من الطبقة الوسطى الصغيرة، هذا كلّه يؤسِّس للمقاومة التي تتجلَّى في ” دفاعهم الوطني عن الجذور الفلاحيَّة – العمَّاليَّة للثقافات الوطنية، وفي دفاعهم عن النضال الديمقراطي لكل القوميَّات التي تسكن المنطقة ذاتها. وكل ضربة توجَّه إلى الاستعمار، مهما كانت الأصول الإثنيَّة والمحليَّة للضربة، فإنها انتصار لكل العناصر المناهضة للاستعمار في القوميّات كلها. وأن الحصيلة النهائيَّة لكل هذه الضربات، مهما كان وزنها وحجمها ونطاقها ومكانتها وزمانها، هي التي تشكِّل التراث الوطني”[4].

والمثقَّف (أو الخزان الإيديولوجي) يلعب دورا أساسيا في قضيَّة التحرُّر الوطني، فهو الذي يحاول تفكيك ونقد الخطاب الاستعماري، الذي يقوم بالأساس على نظام معرفي، تتخفَّى فيه القوَّة أو السلطة بمفهومها الفوكوي أو إرادة القوَّة بالمعنى النتشوي، والتي ترمي إلى طمس موضوع الواقع، وإعادة إنتاجه  إنتاجا تثوي فيه السلطة وتتخفَّى فيه المؤسَّسة[5]، وهنا سوف نتحدَّث عن مثقَّف كرَّس كل حياته لنقد الخطاب الاستعماري (المعرفة الاستعماريَّة)، وهو المفكِّر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي قام بتفكيك وتعرية الخطاب الاستعماري في كتابه الموسوم بـ”الاستشراق”، وقد استطاع بحقّ أن يفكِّك ويعرِّي المعرفة الاستشراقيَّة الغربيَّة، وذلك بالاعتماد على مناهج وأفكار تنتمي إلى الغرب نفسه، وخصوصا أفكار فترة ما بعد الحداثة، فإدوارد سعيد يشكِّل خليطا من فوكو (من خلال مفهوم الخطاب) وغرامشي (من خلال مفهومي المجتمع المدني والمجتمع السياسي)، لذلك إدوارد سعيد يمثِّل نموذجا للمثقَّف العضوي الذي يلعب دورا أساسيّا في محاولة التحرُّر الوطني.

وفي الطريق نحو التحرُّر الوطني على “الطبقات التي تكافح الاستعمار حتى في مرحلة وشكل النيو – كولونيالية، أن تواجه هذا التهديد بثقافة النضال الحازم، هذه الثقافة الأرقى والأكثر إبداعا، على هذه الطبقات أن تستخدم بمضاء أشد، الأسلحة النضاليَّة المتضمِّنة في ثقافاتها. عليها أن تتكلَّم بلغة النضال الموحَّدة المتضمّنة في أي لغة من لغاتها. عليها أن تكتشف ألسنتها المتنوّعة كي تغني أغنية: الشعب الموحد لن يهزم”[6]، إن على المثقَّف أن يعتمد على لغته القوميَّة لبناء الوعي لدى الجماهير، فلا يمكن مثلا أن يكتب بالإنجليزيَّة أو الفرنسيَّة وينتظر أن يصل فكره للطبقات المسحوقة في المجتمع، لهذا فإنَّ وسيلة التواصل بين المرسلِ (المثقَّف) والمرسل إليه (الشعب) هو اللغة القوميَّة، وهكذا فإنَّ اللغة تصبح ليس فقط “مجرَّد أداة للفكر، بل هي أيضا القالب الذي يتشكَّل فيه الفكر”[7]، لذلك على دعاة التحرُّر الكتابة بلغة قومهم لكي يصنعوا الوعي، وبالوعي تحرّر الأوطان.

في هذا الصدد يقول فانون في كتابه “معذبو الأرض”: “إنَّ على البرجوازيَّة الوطنيَّة الصادقة في البلد المتخلِّف ان تفرض على نفسها خيانة المهمَّة التي كانت ميسَّرة لها، وأن تدخل مدرسة الشعب، أي أن تضع تحت تصرُّف الشعب الرأسمالي الثقافي والتكنيكي الذي استطاعت أن تنتزعه حين مرورها بجامعات الاستعمار”[8]، كما أن على البورجوازيَّة الوطنيَّة الصادقة (مثقفين، وأصحاب رأسمال…) أن يحاولوا إنتاج معرفة وطنيَّة، تجعل من مشاكل شعوبها محورا لدراستها، وهذا لا يتحقَّق إلا بإنشاء مؤسَّسات بحثيَّة وطنيَّة (جامعات ومعاهد ومراكز أبحاث…). وفي الأخير نستحضر كلمة للمناضل الهندي المهاتما غاندي يقول فيها: “أملي أن تهبّ جميع الثقافات بمحاذاة منزلي وبأكبر قدر ممكن، لكنني أرفض أن تسلخني أي منها عن جذوري”[9].

على سبيل الختم:

 إنَّ الطريق نحو التحرُّر من التبعيَّة أو الاستعمار الجديد، هي طريق مليئة بالمصاعب والتحدّيات، ولكن على الشعوب أن تخوض غمار التحدِّي، وتعتمد على ذاتها في بناء دولتها الوطنيَّة، ولا تحاول تقليد أو استنساخ تجارب المستعمر، فلكل الشعب ثقافة وتراث يحفِّزه نحو بناء حضارة قائمة على التقنية الغربيَّة ولكن بروح قوميَّة.

المراجع المعتمدة:

  • نغوجي واثيونغو، “تصفية استعمار العقل”، ترجمة: سعدي يوسف، الطبعة الأولى، (دار التكوين، دمشق – سوريا، 2011).
  • تيموثي ميتشل، “استعمار مصر”، ترجمة: بشير السباعي – أحمد حسان، الطبعة الثانية، ( مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، ديسمبر 2013).
  • إدوارد سعيد، “صور المثقف”، ترجمة: غسان غصن، (دار النهار للنشر، بيروت، 1996).
  • سالم يفوت، “حفريات الاستشراق: في نقد العقل الاستشراقي”، الطبعة الأولى، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1989).
  • محمد عابد الجابري، “نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي“، الطبعة الرابعة، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991).
  • فرانز فانون، “معذبو الأرض”، الطبعة الثانية، (مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2015).
  • المهدي المنجرة، “قيمة القيم”، الطبعة الثانية، (الرباط، 2006).

[1] نغوجي واثيونغو، “تصفية استعمار العقل”، ترجمة: سعدي يوسف، الطبعة الأولى، (دار التكوين، دمشق – سوريا، 2011)، ص 16-17.

[2] تيموثي ميتشل، “استعمار مصر”، ترجمة: بشير السباعي – أحمد حسان، الطبعة الثانية، ( مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، ديسمبر 2013)، ص8.

[3] إدوارد سعيد، “صور المثقف”، ترجمة: غسان غصن، (دار النهار للنشر، بيروت، 1996)، ص 23.

[4] نغوجي واثيونغو، نفس المرجع، ص17.

[5] سالم يفوت، “حفريات الاستشراق: في نقد العقل الاستشراقي”، الطبعة الأولى، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1989)، ص10.

[6] نغوجي واثيونغو، نفس المرجع، ص 19.

[7] محمد عابد الجابري، “نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي“، الطبعة الرابعة، (المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991)، ص77.

[8] فرانز فانون، “معذبو الأرض”، الطبعة الثانية، (مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 2015)، ص125.

[9] المهدي المنجرة، “قيمة القيم”، الطبعة الثانية، (الرباط، 2006)، ص 100.

مقالات ذات صلة