الاستشراق الجديد.. الإسلام والاستعمار (قراءة نقديَّة)

عثمان الهاسوتة

 بحث إدوارد سعيد في كتابيه “الاستشراق” و”الثقافة والإمبرياليَّة” عن جذور الصور الغربيَّة النمطيَّة عن الشرق العنيف المتطرِّف والهمجي الذي يقابل مدنيَّة وعقلانيَّة الغرب. فبتحليل مجموعة من الكتابات الغربيَّة، انتهى الكاتب إلى أنَّ الاستشراق مثَّل أسلوبا واضحا للسيطرة على الشرق منذ أواخر القرن الثامن عشر، معتبرا أنَّ دراسة الشرق من طرف المستشرقين أنتج كتابات منحازة مدفوعة بأغراض استعماريَّة ووجهات نظر مسبقة لا تحترم ثقافة الشرق، بعيدة كل البعد عن الموضوعيَّة والحياد.

وإن توفي ادوارد سعيد سنة 2003، فإنه لم يشهد التحوُّلات التي لحقت العصر الكلاسيكي للاستشراق الأوروبي. فحسب حميد دباشي في كتابه “بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب” لم يعد العرب والإسلام مشمولين بمحاولة الفهم والمعرفة، بل بالكراهية والبغض. حيث لم تصبح هذه الكراهية متمثِّلة فقط في هامش الخطاب الغربي، بل صارت مركز السياسة والإستراتيجيَّات الغربيَّة. وتعزِّز هذه الصورة لراديكاليَّة الإسلام والمسلمين، أو الاستشراق الجديد، في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث إنَّ عدم التوازن في تغطية أخبار المسلمين تسهم في العداء تجاه الدين الإسلامي. وتصير أكثر عداء في الخطابات الأمريكيَّة الاستشراقيَّة خاصَّة مع المستشرق برنارد لويس. وإن اعتمد الاستشراق القديم خطاب التنوير و”الرسالة الحضاريَّة” لتبرير الحقبة الاستعماريَّة، فإنَّه يستخدم الاستعمار الجديد لخدمة حرب أمريكا أو ما يسمَّى الإرهاب الإسلامي.

  • البعد الديني في الحركات التحريريَّة المناهضة للاستعمار

تزامنت النهضة الغربيَّة الجديدة مع تخلّف العالم العربي الذي بقي جراء ذلك قابعا في الاستعمار. فبينما عرف الغرب تقدُّما ملحوظا في العلوم والتقنيَّة وقام بثورات متعدِّدة في الإعلام والاتِّصالات، تميَّزت البلدان العربيَّة بعجزها عن ولوج كل هذه المجالات والإبداع فيها. وقد اعتمدت القوى الإمبرياليَّة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين- لتبرير احتلالها للعديد من البلدان العربيَّة الإسلاميَّة -أطروحة الرسالة الحضاريَّة. والتي تعني – بناء على المنظور الإمبريالي- تنوير الشعوب المتخلِّفة وتصدير الثقافة “الحقيقيَّة” وفقا لمبادئ الحرّيَّة والمساواة وحقوق الإنسان التي تدّعيها البلدان الغربيَّة الإمبرياليَّة. ولتحقيق هذه الرسالة كان لا بد من أن تكون الشعوب المستعمَرة متخلّفة، وفي حاجة ماسَّة لروح المدنيَّة الأوروبيَّة حتى تتطوَّر وتتخلَّص من الهمجيَّة التي تتخبَّط بها.

بعد استقلال البلدان المستعمَرة، تبدّت نسبيَّة نتائج تلك الرسالة الحضاريَّة وإفلاسها. فلو كان الغرب حقا رسول الحريَّة والتنمية، لقام بالنهوض بثقافة الشعوب المستعمَرة بدل تركها أكثر تخلّفا من قبل استعمارها. الاستعمار كما أشار ادورد سعيد يقوم بطبيعته على استغلال المستعمرات لمصلحة رأسماليَّة، ولكي يجعل منها سوقا مفتوحة دائما لبضائعه ومشاريعه الاستثماريَّة. يقول ألبير ميمي» الاستعمار هو، أولا، استغلال سياسي –اقتصادي[1]« . ويضيف أنَّ الاستعمار هو علاقة شعب بشعب وليس طبقة بطبقة، وهو في نظره ما يشكّل بشكل خاصّ وجه الظلم الاستعماري.  وإن كان ذلك يقوم على أساس، ليس فقط تمثيل ثقافة المستعمَر على أنها متخلِّفة ولكن تدميرها حقا عبر ما سماه غرامشي بالهيمنة الثقافيَّة وما أكَّده فرنز فانون في كتابه “المعذَّبون في الأرض”.

وإن كان الإسلام يمثِّل الدين والعقيدة السائدة في البلدان المستعمَرة وبعدا لا يستهان به للحركات الوطنيَّة التحريريَّة المناهضة للاستعمار باسم الوطن والدين[2]، فقد عمدت السلطات الاستعماريَّة كتصدّي لحركات التحرير الوطني على نعت هذه الأخيرة بالتعصُّب الديني. يقول د. المحجوبي: “كما تعتبر السلطات الاستعماريَّة أن مناهضة هيمنتها لا تنبثق من داخل مستعمراتها بل بإيعاز من قوى خارجيَّة تعتمد الإسلام لتعبئة الشعوب المسلمة ضدّ الهيمنة الأجنبيَّة”[3]. ويعطي هنا الدكتور مثال الجامعة العربيَّة التي بعثها جمال الدين الأفغاني إيمانا منه بأن الاستعمار هو مصدر فساد الأمم العربيَّة الإسلاميَّة وتخلُّفها وضعفها. فحضور البعد الديني المتعصِّب في حركات التحرير التي غزت البلدان العربيَّة كان مصدرا رئيسا في نظر المستعمر للتصدِّي لرسالته الحضاريَّة.

  • الإسلام والغرب ونظريَّة صراع الحضارات

وإن حلَّ الاستعمار الجديد محلّ الاستعمار التقليدي وقيام النظام العالمي الجديد بعد انهيار الاتِّحاد السوفياتي، فإنَّ الاحتلال العسكري والاستعمار المباشر قد عادا وبقوَّة إلى الساحة السياسيَّة في ظل العولمة بعدما ظنَّ الكثيرون أنَّ عصرهما قد ولى. وتجلَّت هذه الظاهرة في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان. وكان ردّ فعل الشعوب العربيَّة إثر ذلك يتمثَّل في المقاومة التي احتدَّت في لبنان وفلسطين والعراق. وبرزت تيارات سياسيَّة جمعت بين المرجعيَّة الدينيَّة والوطنيَّة للتصدِّي للاستعمار: كحزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، ومنظَّمة القاعدة في بلاد الرافدين. فتبنَّت الدفاع عن الدين والوطن شأنها شأن حركات المقاومة التي تصدَّت للاحتلال الإمبريالي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

إثر افلاس الدعاية الأمريكيَّة التي مفادها “امتلاك نظام صدام حسين ترسانة من أسلحة الدمار الشامل الذي يهدِّد الغرب،” وتواطؤ نظامه مع نظام القاعدة (علما أنه لم يتمّ العثور على مثل تلك الأسلحة في العراق، والنظام القائم بالبلد، رغم ما هو عليه، تغلب عليه العلمانيَّة المناقضة لمرجعيّات نظام القاعدة)، فقد برَّرت الحكومة الأمريكيَّة آنذاك، لتبرير سياستها العدوانيَّة في العراق،” نظريَّة صراع الحضارات”. وهي نظريَّة أوجدها أحد منظِّري المحافظين الجدد في الولايات المتَّحدة، المستشرق الأمريكي برنارد لويس لتحليل الصراع العربي –الصهيوني خصوصا، وضدّ الغرب عموما. فبالنسبة له تعتبر المقاومة الفلسطينيَّة رد فعل غير معقول لخصم قديم معاد للتراث اليهودي – المسيحي،[4] وليس نتيجة للاحتلال. وهي بذلك لا تندرج في إطار حركات التحرير الوطني.

لم تؤخذ هذه النظريَّة بعين الاعتبار إلا بعد انهيار الاتِّحاد السوفياتي تزامنا مع حرب الخليج الثانيَّة، وتحقيق هدف الحلف الأطلسي. فقد كان وجود الخطر الشيوعي حافزا قويّا للقوى الغربيَّة الرأسماليَّة بزعامة الولايات المتَّحدة للتصدِّي للمدّ الشيوعي. وأمام انبلاج خطر الاتِّحاد السوفياتي، كان الغرب في حاجة إلى”خطر” آخر للحفاظ على تضامنه واتِّحاده. وقد تمثّل الخطر بادئ الأمر في “دول الجنوب”، ثم حصر في الإسلام قاطبة. فتمّ التمييز بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرِّف الذي أصبح مصدر الإرهاب. وقد نظَّرت الصحافة الأمريكيَّة لهذا الخطر منذ 1993 موضّحة أن الأصوليَّة الإسلاميَّة لا تقل خطرا عن الأصوليَّة الشيوعيَّة، وهذا الخطر بالنسبة لها يهدِّد استتاب الأمن والسلم في العالم، وبالتالي عليها وعلى الحلف الأطلسي مسؤوليَّة التصدِّي له. وأكَّد ذلك الأحداث التي لحقت هذا الادِّعاء: احتلال العراق والسيطرة على الشرق الأوسط بهدف مكافحة الإرهاب.

يبيّن فخري صالح في مؤلّفه “كراهية الإسلام: كيف يصوّر الاستشراق الجديد العرب والمسلمين” اختلاف الظروف والسياقات المعاصرة التي أسهمت في ظهور الاستشراق الجديد، الذي يكرّس للقطبيَّة الواحدة ممثّلة في أمريكا التي تعمل على تكريس هيمنتها لصالح محاربة الإسلام واستعمار الشرق الأوسط. فضلا عن الخلط بين العنف المتطرِّف كظاهرة وبين نقد الإسلام ذاته.

الصدام بين حضارة العالم العربي الإسلامي والحضارات الأخرى يعتبر في نظر المفكِّر الأمريكي صموئيل هنتنغتون المحور الأساس للمشهد السياسي العالمي.[5] الفوارق بين الحضارات في نظر المفكِّر، أساسيَّة ولا يمكن تغييرها. الحربان العالميتان اللتان قسّمتا العالم لم تكونا سوى حروبا إيديولوجيَّة، هي بمنزلة الحروب الأهليَّة. بعدها، انتقل العالم لصدام الحضارات التي تختلف عن الأخرى من حيث اللغة والدين. ويرى هنتنغتون أنَّ الصراع بين الإسلام والمسيحيَّة صراع يضرب في عمق التاريخ، مضى عليه أكثر من 14 قرن، بينما الصراع بين الدول الغربيَّة الليبراليَّة والاشتراكيَّة الممثلة آنذاك في الاتِّحاد الاشتراكي في القرن العشرين هو ظاهرة تاريخيَّة سطحيَّة. [6] وهذا في نظره، ما جعل الدول الإسلاميَّة تلجأ إلى العنف بقوَّة. وينتهي إلى أن الصراع بين العالم الإسلامي والغرب هو صراع حتمي يفوق في حدّته كل الحروب التي ولَّت. وهذه النظريَّة من شأنها، إذن، تبرير التدخُّل الغربي في البلدان الإسلاميَّة، الذي يدافع خفيَّة على مصالحها، والتي تتناقض مع ما شهده التاريخ من مجازر دمويَّة في القرن العشرين حيث لم يكن للإسلام يد وراء الحربين العالميتين اللتين قتل فيهما إزاء السبعين مليون نسمة.


[1] ألبير ميمي – صورة المستعمر والمستعمَر، تعريب جيروم شاهين، دار الحقيقة، بيروت، الطبعة الأولى، تموز 1980، 14

[2] د. علي المحجوبي – العالم الحديث والمعاصر: تخلف فاستعمار فمقاومة، مؤسسة الإنتشار العربي، بيروت الطبعة الأولى 2009، ص 231

[3] المرجع السابق، ص 232

[4] نفس المصدر، ص 228

[5] عبد الوهاب أحمد عبد الرحمان – تاريخ العرب الحديث، 1798 – 1920. دراسة في التنافس الأوروبي على البلاد العربيَّة ط3، دار القلم، الإمارات 1997م، ص 154 – 160

[6] د. المحجوبي، ص 230