اجتماعالمقالات

في جدليَّة اللوغوس والإيروس في الحضارة الغربيَّة المعاصرة؛ قراءة في نظريَّة هربرت ماركيوز عن الحبِّ والحضارة

الحبِّ والحضارة

 إن مفهوم الإنسان المشتق من النظرية الفرويدية، هو فعل الاتهام الأقصى الذي لا يمكن دحضه ضد الحضارة الغربية، وفي الوقت ذاته هو أفضل دفاع لصالحها لا يمكن رده. فإن تاريخ الإنسان بحسب فرويد هو تاريخ قمعه. ذلك أن الحضارة لا تفرض أشكال القسر على وجوده الاجتماعي فحسب، ولكن على وجوده الحيوي. فهي لا تحد من بعض أجزاء في الوجود الإنساني فقط ولكنها تحد بنيته الغريزية ذاتها ومع ذلك، فإن هذا القسر أو الإرغام هو وحده شرط التقدم الأولي“ (هربرت ماركيوز – الحب والحضارة).

يسعى المقال إلى مناقشة علاقة التقابل والتضاد بين مفهومي اللوغوس والإيروس في الحضارة الغربية المعاصرة بالاستناد إلى نقد ماركيوز لمفهوم الإنسان ذي البُعد الواحد على اعتبار أن لوغوس بوصفه منطق السيطرة وقمع الغرائز، وإيروس بوصفه غريزة الحياة، ومنطق التمرد الساعي إلى اللذة وتحقيق الارتواء، ومن هنا فقد تم النظر إلى مجالي الغرائز والحساسية على أنهما معاديان للعقل، بل ومفسدان له. اعتمد ماركيوز في نقده للمجتمع الصناعي المتقدم على مقولات النظرية الفرويدية عن الإنسان، التي تعتبر من أعنف الاتهامات الموجهة إلى الحضارة الغربية، من حيث إن تاريخ الإنسان عند فرويد هو في الوقت نفسه تاريخ قمعه، فالحضارة عند فرويد لا تمارس قهرها على وجود الإنسان الاجتماعي فحسب، بل على وجوده البيولوجي. والحضارة أيضاً لا تقيد الوجود الإنساني، بل إنها تقيد الوجود الخاص بالبنية الغريزية ذاتها. وفي هذا السياق سنحاول مناقشة هذا التعارض والكيفية التي أثرت رؤية الإنسان الغربي المعاصر لنفسه وللآخرين والواقع المعاش.

يرى ماركيوز أنه رغم وجود الدور النافي (السالب) والثوري للعقل، لكن كما يبدو لماركيوز هناك بعداً آخر للعقل لم يستطيع تجاهله بوصفه مفكراً جدلياً، فالعقل كان له دور أساسي في خلق العالم الذي نحيا فيه… ومع ذلك فقد كان له أيضاً دور أساسي في الإبقاء على الظلم والشقاء والعذاب… وباسم هذا العقل كانت ترتكب أبشع الجرائم في التاريخ، وباسمه أيضاً أنشئت محاكم التفتيش، ومعسكرات التعذيب، وغرف الغاز…إلخ([1]). غير أن العقل والعقل وحده هو الكفيل بتصحيح أخطائه وتطهير نفسه من المظاهر اللاعقلانية أو على حد تعبير هيجل “إن اليد التي تسبب الجرح هي التي بدورها التي تداويه([2]).

ويعتبر ماركيوز أن تاريخ الفكر الغربي يعكس نوعاً من التقابل أو التضاد بين لوغوس* وإيروس:([3]) لوغوس بوصفه منطق السيطرة وقمع الغرائز، وإيروس بوصفه غريزة الحياة، ومنطق التمرد الساعي إلى اللذة وتحقيق الارتواء، ومن هنا فقد “تم النظر إلى مجالي الغرائز والحساسية** على أنهما معاديا للعقل، بل ومفسدان له”([4]).

ويشير ماركيوز شارحاً إلى أن أصل هذا التعارض يعود إلى المعنى اليوناني القديم لمفهوم العقل والذي استخدم بوصفه ماهية الوجود للدلالة على معاني: العقل المنظم، المصنف، المهيمن، المسيطر، ومن هنا فقد أصبحت فكرة العقل متعارضة بصورة جوهرية مع الدوافع والحاجات التي تقع في المرتبة الأولى من الوجود الإنساني، والتي تكون تقبلية سلبية أكثر من كونها إيجابية ومنتجة، وهي أيضاً تنزع إلى البحث عن الإرضاء والارتواء أكثر من التعالي، لذلك فهي وثيقة الصلة بمبدأ اللذة([5]).

وإذا كان ماركيوز في ” العقل والثورة ” عام 1941، قد وظف مقولات هيجل لإبراز الطابع السالب للفكر، فإنه في كتاب ” إيروس والحضارة ” عام 1955، سعى ماركيوز إلى توظيف مقولات فرويد للكشف عن الطابع التحرري السالب للغريزة الجنسية. وفي هذا الكتاب الأخير يحاول ماركيوز أن يكتشف في الفرويدية ما أسماه ” التيار الخفي في التحليل النفسي ” ويقصد به العنصر النقدي الكامن في الفرويدية، وقد انتهى ماركيوز إلى أن العنصر يتمثل بصورة واضحة في مفهوم النظرية الفرويدية عن الإنسان، ذلك المفهوم الذي يعد من أعنف الاتهامات الموجهة إلى الحضارة الغربية، من حيث إن تاريخ الإنسان عند فرويد هو في الوقت نفسه تاريخ قمعه، فالحضارة عند فرويد لا تمارس قهرها على وجود الإنسان الاجتماعي فحسب، بل على وجوده البيولوجي. والحضارة أيضاً لا تقيد الوجود الإنساني، بل إنها تقيد الوجود الخاص بالبنية الغريزية ذاتها([6]).

وترجع أهمية فرويد بالنسبة لماركيوز في أنه قد حاول تحديد ماهية الوجود بوصفه ” إيروس ” على النقيض من التحديد التقليدي الشائع له باعتباره ” لوغوس ” وبذلك يكون فرويد قد رفض الانطولوجيا* التقليدية، فتصور الوجود من خلال حدود الإيروس**، أي وضع منطق اللذة في مقابل منطق العقل. ويؤكد ماركيوز على الأصالة الفلسفية لفرويد- التي تلغي من وجهة نظره الحدود الفاصلة بين الفلسفة وعلم النفس- فيشير إلى أن غريزة الموت عند فرويد هي المقابل لمبدأ العدم في الفلسفة، من حيث إنها تؤكد مبدأ اللاوجود أو نفي الوجود ضد إيروس الذي يؤكد الحياة والوجود، وأن هذا التداخل بين المبدأين في مذهب فرويد، إنما يؤكد على الامتزاج التقليدي في الفلسفة بين مبدأي الوجود واللاوجود([7]). وبالرغم من إعجاب ماركيوز الشديد بفرويد، إلا أنه قد استنكر استسلامه للفرضية القائلة بأن القمع هو شرط قيام الحضارة، ورأى ماركيوز أن الثمن الذي ندفعه مقابل هذه الحضارة ثمن لا يقارن. ومن هنا حاول ماركيوز أن يقول (بعكس فرويد) بإمكان وجود حضارة غير قمعية، بل وأقر بأن هذه الإمكانية ليست مجرد تأملات يوتوبية، بل إنها تتأسس على اعتبارين واقعيين أساسيين:

 –الاعتبار الأول: هو أن نظرية فرويد ذاتها تدحض رفضه المتماسك حول إمكان وجود حضارة غير قمعية.

 -أما الاعتبار الثاني: فيقوم على فكرة أن الحضارة القمعية ذاتها ستولد نفيها – تبعاً للمقولات الماركسية- من حيث إنها يمكن أن تخلق الشروط اللازمة لانحلال القمع تدريجياً. ولكي يبرهن ماركيوز على آرائه حول إمكان وجود حضارة غير قمعية، فإنه يلجأ إلى الكثير من أصحاب الفلسفات النقدية، التي رأى فيها آفاقاً جديدة لنظام خالٍ من القمع، ونخص بالذكر من هؤلاء: نيتشه وفورييه وفريدرك فون شيلر، ممن اعتبرهم ماركيوز أنبياء هذا النظام الجديد. وقد استهدف ماركيوز من وراء معالجته لهؤلاء المفكرين الثلاثة الكشف عن الأفكار والإشارات التي تنم عن دعوتهم إلى الاحتجاج الجنسي وتأكيد الدافع الشهواني([8]).

ويتفق ماركيوز مع شيلر تماماً في أن هناك صراعاً لا يهدأ بين القطبين الأساسيين لدوافع الإنسان الأساسية: وهما الدوافع الحسية، والدوافع الصورية (أي التي تنتمي إلى العقل) ويشاركه الرأي في أن مرض الحضارة يتمثل في أنها قد حللت هذا الصراع بطريقة عنيفة من خلال “إقامة الطغيان القمعي للعقل فوق الحساسية”. ومن ثم فإن إعادة التوافق والتصالح بين العقل والحساسية لا بد من يتم إلغاء هذا الطغيان القمعي، وهذا يعني منح الحساسية حقوقها المسلوبة، لذلك يمكن القول إن “الحرية ينبغي البحث عنها عبر انعتاق الحساسية وليس عبر انعتاق العقل”([9]).

وفي نهاية المطاف يؤكد ماركيوز من خلال التحليلات التي قام بها، إلى ضرورة تجاوز هذه الثنائية وإحداث نوع من التوازن بين السعادة والعقل، أو بين الفكر واللذة خاصة وأن السعادة هي الأرض المشتركة التي يتعانق فيها ما هو حسي وما هو عقلي، وتلتقي حرية الارتواء الجنسي بحرية التأمل العقلي([10]). ومن جهة أخرى فإن ماركيوز يضع لوغوس وإيروس على مستوى واحد من حيث قدرتهما على السلب والرفض، وتقويض سلطة النظام القائم، وفي هذا المجال يقول ماركيوز: ” أن لوغوس و إيروس… يشيران إلى نمطين من السلب، فالمعرفة الإيروسية مثلها مثل المعرفة المنطقية كلتاهما يحطما أسطورة الواقع العرضي القائم، وتنزع نحو حقيقة متعارضة مع هذا الواقع… إن لوغوس و إيروس يعبران في ذاتهما عن وحدة الإيجاب والسلب، والخلق والهدم. ففي مطالب الفكر وجنون الحب يمكن الرفض الهدام لأساليب الحياة القائمة “([11]).

– الغرائز الجنسية وقبضة الإيديولوجيا القمعية في المجتمع الصناعي المتقدم: تعكس آراء ماركيوز اهتماماً واضحاً بقضية التحرر الجنسي بوصفه عنصراً مكملاً ومتمماً لإنجاز عملية التحرر الاجتماعي. وتظهر كتابات الثلاثينيات تعاطفاً واضحاً مع المذاهب المادية، وخاصةً مذهب اللذة من حيث إن مذهب اللذة غير مجدٍ كإيديولوجية، ولا يسمح بأي حال من الأحوال بأن يستغل لتبرير نظام يقوم على قمع الحرية والتضحية بالفرد. إنه مذهب يدعو إلى سعادة متساوية لجميع أفراد المجتمع دون فئة من أخرى([12]). ” وطالما أن الاحتجاج المادي لمذهب اللذة يحتفظ بعنصر مناهض لتحريم الحرية الإنسانية، فإنه يكون مرتبطاً بمصلحة النظرية النقدية “([13]).

ويذهب ماركيوز إلى أن القمع الجنسي هو ظاهرة تاريخية، وأن خضوع الغرائز لسلطات قمعية ليس مفروضاً بواسطة الطبيعة ولكن بواسطة الإنسان([14]). وأنه بسبب الترابط الشديد بين السعادة والحرية وبين تحقيق اللذة وغياب القمع، لذلك فقد حافظة الأنظمة التسلطية – خاصة في شكلها الفاشي– على إحاطة اللذة والسعادة بسياج من التحريم([15]). وفي مثل هذه المجتمعات يصبح ” إطلاق العلاقات الجنسية على نحو غير نقي، ولا عقلاني أقوى إطلاقاً للمتعة من حيث هي كذلك، كما يمثل خفضاً للعمل كغاية في ذاته “([16]).

ربط ماركيوز القمع الجنسي بالقمع العام الذي تمارسه الأنظمة التسلطية، إلا أنه لم ينزلق إلى حد اعتبار التحرر الجنسي في حد ذاته هو الكفيل وحده بإحداث التحرر الاجتماعي العام. ولقد أشار ماركيوز إلى أن الاحتجاج المادي الفردي لمذهب اللذة في حد ذاته نوع من العبث غالباً ما يؤدي إلى عزلة أعمق، واغتراب أكبر بين الأفراد، ” طالما أن قوى التاريخية التي بإمكانها أن تحول المجتمع القائم إلى مجتمع حقيقي لم تنضج بعد وليست شاملة “([17]).

بهذا نجد أن ماركيوز كان اهتمامه ببعد القمع الجنسي أكثر شمولاً من الماركسيين التقليديين، من حيث إن نقده للحضارة الغربية لم يؤكد طابع البؤس الاقتصادي فحسب، بل أكد أيضاً البؤس الجنسي الذي تدعمه وتعقلنه الميتافيزيقا الإثنينية.

ويواصل ماركيوز متابعته لفرويد في تفسيره للصراع من أجل البقاء على أنه من أجل الحصول على المتعة، وفي أن ” الوجود في جوهره سعي إلى اللذة… وأن الغرائز الجنسية هي غرائز الحياة: بمعنى أنها الدافع لحفظ وإثراء الحياة من خلال السيطرة على الطبيعة، ومن حيث إن الحاجات الحيوية المتطورة هي في أساسها دافع إيروسي “([18]).

ففي هذا الجانب سنقوم بتقديم الآلية التي يعالج فيها قضية التحرر الجنسي من خلال المستويين التاليين:

 المستوى الأول: يتضح في دعوة ماركيوز إلى التحرر الجنسي من قبضة المجتمع بشكله التقليدي، وهذا ما يشير إليه ماركيوز في كتابه ” إيروس والحضارة ” حيث يدعو إلى شكل من التحرر الجنسي يطلق الطاقة الجنسية بلا حدود سواء من ناحية الكم أو الكيف. وفي هذا المعنى إن ماركيوز يهاجم استخدام الجنس كأداة لخدمة المجتمع القمعي، وكوسيلة لعملية التناسل التي ينظمها المجتمع فيقول: ” إن الغريزة الجنسية ليس لها أصلاً تحديد زماني ومكاني خارجي من ناحية ذاتها وموضوعها، فالجنسية تمرد متعدد الأبعاد. التنظيم الاجتماعي للغريزة الجنسية يحيط بالتحريم جميع مظاهر الجنس التي لا تخدم أو تمهد لوظيفة التناسل بوصفها انحرافات فعلية([19]).

ويصل ماركيوز المتمرد، الرافض لكل قيم الكبت التي صاغتها الحضارة إلى قمة احتجاجه على مصادرة حرية الإنسان الجنسية فيقر بمشروعية الانحرافات الجنسية، ويذهب إلى أن “الانحرافات تعبر عن التمرد ضد خضوع الجنسية لنظام التناسل، وضد المؤسسات التي تكفل هذا النظام”([20]).

ويرى هربرت ماركيوز أن الانحرافات ” ترفض الاستعباد الكامل لأنا اللذة بواسطة أنا الواقع “. وهي الحل الفردي الممكن أمام مجتمع مغلق يوظف الطاقة الجنسية كوسيلة لغاية مفيدة اجتماعياً، وليس من أجل سعادة الإنسان الحقيقية. والانحرافات إذ تتخذ لنفسها موقعاً خارج هيمنة “مبدأ الواقع”، فإنها تؤسس علاقات ليبيدية جديدة لها المقدرة إذا تضافرت مع قوى التحول التاريخي أن تهدد العملية التي تحول العضوية إلى أداة للعمل. إنها الرمز لما كان ينبغي كبحه حتى يسود القمع، وحتى يتم تنظيم التسلط على الإنسان والطبيعة بصورة دائمة وأكثر فاعلية. إنها رمز الوحدة المدمرة بين الحرية والسعادة([21]).

ولا شك أن هذه الآراء الجزئية التي يناقشها ماركيوز في كتابه “إيروس والحضارة” من شأنها أن تجعل البعض ينظر إلى ماركيوز على أنه داعية الإباحية الجنسية والانحلال الأخلاقي. والواقع أن هذه الاتهامات تصبح مشروعة على نحو ما يقول مطاع صفدي: ” إذا ما اتخذنا موقفاً من (داخل) حضارة القمع والسيطرة بالذات، وقبلنا بعقلية الكبت والاضطهاد، وصنفنا الغرائز إلى ” خيرة ” و ” شريرة ” واعتبرنا أن هناك قيماً عليا وقيماً دنيا.

– أما المستوى الثاني: فيناقش فيه ماركيوز قضية التحرر الجنسي في كتابه ” الإنسان ذو البعد الواحد “، الذي يؤكد فيه ماركيوز على إنقاذ الغرائز الجنسية من التحرر الزائف الذي تمارسه إيديولوجية المجتمع القمعي في شكله الرأسمالي المتقدم، وعلى وجه الخصوص النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي هذا الصدد يذهب ماركيوز إلى أنه إذا كانت الحضارة الصناعية المتقدمة تزعم بأنها قد حققت أكبر قدر من الحرية الجنسية للإنسان المعاصر، فالواقع أن هذه الحرية لا تزيد عن كونها سلعة تخدم قيم السوق، وعنصراً لا ينفصل عن عناصر المجتمع القائم ففي علاقات العمل مثلاً “يسمح للجسد بأن يعرض مفاتنه الجنسية في عالم العمل اليومي، وفي علاقات العمل دون أن يكف عن كونه أداة عمل”([22]). لهذا فإن هذه الحرية الممنوحة من قبل مجتمع غير حر مضرة أكثر مما تكون مفيدة لأنها ” تعمل في صالح القمع العام الراهن أكثر من أن تكون مضادة له ([23]). إنها حرية تسبب ضياعاً للوعي وتخلق ” وعياً سعيداً يكون متقبلاً طيعاً لمبادئ ذلك المجتمع “([24]).

يهيب ماركيوز بالتسامي من حيث إنه على أقل تقدير يحتفظ للإنسان بنصيب من القدرة على التمرد والنقد والرفض، وعند هذه النقطة يبدو ماركيوز و كأنه يفضل المجتمع الكابت للغريزة الجنسية على ذلك المجتمع الذي يوفر حرية زائفة، وهذا ما حدا ببول روبنسون إلى القول: بعد أن كان المنحرف جنسياً هو بطل ” إيروس والحضارة ” إذ بالعصابي المكبوت كبتاً شديداً هو المرشح لدور الناقد الاجتماعي الرئيسي في ” الإنسان ذو البعد الواحد “. وإذا فكرنا في آلية معالجة ماركيوز لقضية التحرر الجنسي في كلا المستويين السابقين سنجد أن هناك اختلافاً واضحاً في آلية المعالجة الفكرية، ففي المستوى الأول من خلال كتابه ” إيروس  والحضارة ” يجعل ماركيوز القمع الجنسي نتيجةً مترتبة على القمع الاجتماعي. أما قي المستوى الثاني عبر كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد” فإنه يجعل التحرر الجنسي في شكله الزائف نتيجة مترتبة على القهر الاجتماعي ومدعمة لاستمرار هذا القمع.

ولا شك أن هذا التباين قد جعل البعض يرمي ماركيوز بتهمة التناقض، لكن الحقيقة أن ماركيوز كمفكر يناهض دوجماطيقية الفكر، يسعى جاهداً إلى ربط فكره بالممارسة، فكان أحياناً يغير فكره وفقاً لاختلاف المواقف الاجتماعية والتاريخية التي يعبر عنها([25]). وهذا من وجهة نظرنا ليس عيباً طالما أن الفيلسوف يعبر من خلال فكره عن         موقف اجتماعي محدد وقضايا واقعية، ومع ذلك فكلا الموقفين يمكن التقريب بينهما إذا وضعنا في الاعتبار أن الإباحية الجنسية التي تميز المجتمع الرأسمالي الأمريكي هي تزيف لإنسانية الإنسان وانحطاط بعضويته الغريزية وتشويه لها. وهي في النهاية لا تقدم إشباعاً حقيقياً أو متعة فعلية، لذلك يمكن النظر إليها على أنها إباحية ظاهرها التحرر وباطنها القمع وهو تحرير لا يهدف إلى سعادة الإنسان بقدر ما يهدف إلى تحقيق الامتثال والخضوع للنظام القائم.

 ومن ناحية أخرى، يبدو أن التغير في موقف ماركيوز تجاه التحرر الجنسي في كل من الكتابين، إنما يعكس نوعاً من الاختلاف بين نمطين من المجتمعات القمعية: النمط الأول: هو النمط التقليدي للقمع والتسلط والذي يمارس من خلال طبقة محددة وبصورة مباشرة. أما النمط الثاني: والذي عالجه ماركيوز في ” الإنسان ذو البعد الواحد ” فهو نمط من التسلط اللا منظور الذي تمارسه قوى غير محددة هي قوة العقلانية التكنولوجية.

وفي النهاية يمكن القول بأن دعوة ماركيوز للتحرر الجنسي تتعارض مع النظرية الماركسية، فهو وإن كان قد جعل القمع الجنسي أساساً للتحرر الاجتماعي إلا أنه لم يجعل التحرر الجنسي أساساً للتحرر الاجتماعي، وفي هذا يقول ماركيوز: ” إن ” فيلهلم رايش* ” كان على حق في تأكيده على أن جذور الفاشية تكمن في القمع الغريزي، لكنه كان على خطأ حينما رأى الجنسي الباعث الرئيسي لقهر الفاشية. إن التحرر الجنسي يمكن أن يصل لأقصى حد دون أن يهدد النظام الرأسمالي في شكله المتقدم. وعند هذه المرحلة لا يصبح  انعتاق الغرائز قوة تحرر اجتماعي إلا بقدر ما تتحول الطاقة الجنسية إلى طاقة إيروسية موجهة إلى تغيير نمط الحياة على النطاقين الاجتماعي والسياسي “([26]).

خلاصة القول، على الرغم من أن ماركيوز يبدو كما لو كان يتجاوز ماركس، الذي ظل تفكيره محصوراً في نطاق مبدأ العمل والعدالة، ليستمد مقومات حضارة المستقبل من فرويد، الذي استطاع أن يجعل لمبدأ اللذة والسعادة مكانة رئيسية في تفكيره، فإنه في واقع الأمر يتخطاهما معاً، لأنه يضيف إليهما عناصر تنتمي إلى صميم عصرنا الذي يتميز بتطورات لم يستطع كل من المفكرين الكبيرين أن يتنبأ بها تنبؤاً دقيقاً.

لقد أصبح في استطاعة الإنسان، لأول مرة، أن يحيا حياة خلت من الكبت، ويقف عن غرائز الحياة موقف الإيجاب المطلق. وعلى حين أن الإيروس والحضارة كانا منفصلين، بل متضادين عند فرويد، فإن ظروف المجتمع الحالي تتيح، في رأي ماركيوز، الجمع بينهما من أجل إقامة حياة إنسانية مكتملة العناصر، يتحقق فيها التوافق التام بين مختلف جوانب الطبيعة البشرية([27]).

ففي حضارة الإيروس هذه تصبح للخيال الغلبة على العقل، ذلك لأن العقل كان الأداة الرئيسية في يد حضارة الكبت والقهر، وهو الذي أتاح للمجتمع الصناعي أن يحقق أعظم انتصاراته في ميدان الإنتاج، وأن يتسلط على كل جوانب الإنسان ويوجهها في خدمة أغراض الربح والتوسع الاقتصادي. لذلك كان من الضروري استعادة التوازن بين الإيروس واللوجوس لحساب الأول، ولكن دون إنكار تام للثاني. وعلى هذا النحو وحده يصبح الإنسان كلي الجوانب بعد أن كان من قبل أحادي الجانب.

أول ما يطرأ على الذهن، حين تصادفه كلمة إيروس هو الجنس. فمثل هذه الحضارة لابد أن تكون لها نظرة مختلفة كل الاختلاف إلى الجنس، نابعة من تخلصها من الكبت بصورة نهائية، فهي تعطي الجنس أبعاده الكاملة في إطار من انعدام الكبت. وربما توهم المرء مما قلناه أن الحضارة الحالية تتجاهل الجنس نتيجة لإصرارها على القمع والكبت، ولكن حقيقة الأمر عكس ذلك. ففي هذا المجتمع الذي يستهدف الربح من كل شيء، ويبتذل كل شيء – حتى أقوى عواطف الإنسان وألصقها به – يتخذ الجنس صبغة السلعة التي تنتج بالجملة، وتُباع وتُشترى في السوق. وتقوم وسائل الدعاية بدور كبير في تضخيم صور نمطية للجنس والتهليل لها وفرضها على أذواق الناس فرضاً. وتتسع أبعاد الجنس إلى حد مخيف، ويتدخل في كل جوانب حياة الإنسان ولكنه يظل مع ذلك مقيداً محصوراً في إطار يحدده المجتمع منذ البداية، حتى لا يصبح حراً طليقاً([28]).

هذا الجو أبعد ما يكون عن التسامي، الذي يفترض فرويد أنه ملازم للكبت. فالجنس ينحط ويُبتذل، وينتشر على أوسع نطاق، ولكن في إطار من الكبت الشديد ودون أن يصحبه إشباع حقيقي أو متعة حقيقية. إنه أبعد ما يكون عن طبيعته الأصلية التلقائية، فكل شيء فيه مخطط مدروس، يستهدف إغراق الإنسان بالصور والتعبيرات والإيماءات الجنسية التي تحفل بها الصحف وأفلام السينما، ولكن دون إشباع مطالبه منه. ولو شئنا الدقة لقلنا إن ما يُقدم إلى الإنسان ليس هو الجنس ذاته، بل هو بديل عنه، هو خيالات وأوهام تحل محله وتزيد من طابع الكبت المسيطر على نظرة المجتمع إلى الجنس. هذا النفاق ذو الوجه المزدوج الذي لا يمكن أن يعد حرماناً ولا إشباعاً، لا بد أن ينتهي في حضارة الإيروس، لكي يحل محله انطلاق وتحرر لقوى الإنسان الطبيعية، وعلى رأسها الجنس.

على أن الجنس ليس هو العنصر الوحيد في حضارة الإيروس، بل إن هناك مجموعة كاملة من القيم، ومن الحاجات الجديدة، تظهر في المجتمع الجديد، وترتبط على نحو مباشر أو غير مباشر بفكرة الإيروس، وإن لم تكن منتمية إلى مجال الجنس، ذلك لأن الحاجات الإنسانية ليست شيئاً ساكناً جامداً، بل هي تتطور دينامياً مع تطور حياة الإنسان. ولقد كانت ظروف الحياة الراهنة التي يعيشها الإنسان تحتم ظهور حاجات وقيم تدعم النظام القائم، كالصراع من أجل العيش، والبحث عن الربح، والكبت الزائف للغرائز، والاتجاه إلى الهدم والدمار. أما المجتمع الذي يصبح فيه العمل (بفضل التقدم التكنولوجي الهائل) نوعاً من اللهو، فتسوده حاجات من نوع مختلف تماماً، كالحاجة إلى السلام والهدوء والجمال والسعادة.

ويلخص ماركيوز نمط الحياة الذي تسوده هذه القيم الجديدة في عبارة (الحياة المسالمة أو الراضية) ، وهي حياة تتسم بالبساطة ومراعاة مطالب الإنسان الحقيقية في كل شيء. وأهم هذه المطالب جميعاً، الحاجة إلى السلام، التي تعني أساساً القضاء على روح الهدم والتخريب السائدة في المجتمع الراهن، وهي الروح التي تتمثل في الاستعداد الدائم للعدوان وشن الحروب، وفي الاستخفاف بالحياة البشرية، وإيثار خدمة الموت على خدمة الحياة، والتفنن في التنكيل بالخصوم وإذلالهم([29]).

ويؤكد ماركيوز أهمية الاستمتاع بالوقت الحر، أي بما نسميه الآن وقت الفراغ، في المجتمع الجديد. فعلى حين أن المجتمع الحالي يسيء استغلال هذا الوقت لخدمة أغراضه الاستهلاكية الخاصة، ولنشر القيم التي تدعم النظام القائم، فإن مجتمع المستقبل يجعل لهذا الوقت أهمية قصوى، نظراً إلى ضآلة الوقت الذي سيقضيه الإنسان في عمله، وإلى أن هذا العمل ذاته يتخذ طابعاً أشبه باللعب. ففي الوقت الحر تتاح للإنسان فرصة حقيقية لكي يستعيد ذاته، ويحقق التوافق مع نفسه ومع الآخرين، بل إن النشاط الذي يمارسه الإنسان في هذا الوقت سيصبح هو الغاية، على حين أن نشاطه في العمل سيصبح مجرد وسيلة. وأهم عناصر شغل هذا الوقت الحر هي الاستمتاع بالقيم الجمالية، التي هي (في نظر ماركيوز) الشرط الأساسي لاكتمال شخصية الإنسان([30]).

وهكذا يظهر ماركيوز هنا على أنه مفكر آخر من دعاة ” العودة إلى الطبيعة “، ومن أنصار رد اعتبار الحب والخيال والعاطفة إزاء طغيان العقل. والفارق الوحيد بين دعوته إلى اتخاذ القيم الجمالية هدفاً أسمى للحياة الخالية من الكبت، وبين دعوة أنصار العودة إلى الطبيعة التقليديين، هو أن هؤلاء الأخيرين يحلمون بالطبيعة البسيطة الساذجة، والبدائية في بعض الأحيان، على حين أن نزعة ماركيوز الطبيعية ملائمة لعصر التكنولوجيا الرفيعة. والواقع أن نزعات العودة إلى الطبيعة كانت، في كل العصور، رد فعل ساخطًا على المجتمع القائم، وكانت تتشكل وفقاً لطبيعة هذا المجتمع. ومن هنا فإن هذه النزعة قد اتخذت عند ماركيوز شكلاً جمالياً حسياً، يقوم على أساس الوفرة التي يحققها مجتمع شيوعي (بالمعنى العام)، يسوده شعار ” من كل حسب قدراته، ولكل حسب حاجته “. ووسيلة استعادة الوحدة الأصلية المفقودة بين الطبيعة والإنسان، هي سيادة مبدأ اللذة، وسيطرة القيم الجمالية([31]).

د. حسام الدين فياض


[1] – هربرت ماركيوز: العقل والثورة، ترجمة: فؤاد زكريا، الهيئة المصرية للعامة للتأليف والنشر، القاهرة، ط1، 1970، ص(23).

[2] – المرجع السابق نفسه، ص(24).

* يعني لوغوس العقل بالمعنى اليوناني، الذي يبرز باعتباره منطق السيطرة، أو باعتباره ماهية الوجود.

[3] – لمزيد من القراءة والاطلاع انظر- مطاع الصفدي: نقد العقل الغربي ( الحداثة ما بعد الحداثة)، القسم الثاني: القوة القووية، الفصل الثاني: لوغوس/ إيروس، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990، ص(107-127).

** يعني الارتواء الغريزي (بخاصة الجنسي) وكذلك الإدراك الحسي وتصوره (أي الإحساس).

[4] – Herbert Marcuse: Eros and Civilization – A Philosophy Inquiry Into Freud, Allen Lane .The Penguin Press, London.1970, p.(132). 

[5] – هربرت ماركيوز: الحب والحضارة، ترجمة: مطاع صفدي، دار الآداب، بيروت، ط2، 2007، ص(124).

[6] – المرجع السابق نفسه، ص(19).

* علم الوجود، وموضوعه الوجود المحض، أو وجود الشخص  وماهيته، أو الموجود من حيث هو موجود، أو الموجود في ذاته مستقلاً عن أحواله وظواهره .

** يمكن القول إن للأسطورة مكانة خاصة عند علماء النفس، وبخاصة فرويد الذي قال إن لها ارتباطاً وثيقاً باللاشعور، وإنها تعبير غريزي عن الرغبات المكبوتة، وهي تظهر إلى الوجود عندما تتاح لها الشروط المناسبة. ويعتقد فرويد أن الأسطورة ترتبط بالنفسية الطفولية للإنسان.

[7] – هربرت ماركيوز: الحب والحضارة، مرجع سبق ذكره، ص(139).

[8] – Herbert Marcuse: Eros and Civilization- A Philosophy Inquiry Into Freud, op.cit, p. (24).

[9] – هربرت ماركيوز: الحب والحضارة، مرجع سبق ذكره، ص(208).

[10] – Herbert Marcuse: Eros and Civilization- A Philosophy Inquiry Into Freud, op.cit, p. (154).

[11] – هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، ط3، 1988، ص(168).

[12] – هربرت ماركيوز: فلسفة النفي (دراسات في النظرية النقدية)، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، منشورات دار الآداب، بيروت، ط1، 1971، ص(178).

[13] – المرجع السابق نفسه، ص(174).

[14] – هربرت ماركيوز: الحب والحضارة، مرجع سبق ذكره، ص(24).

[15] – هربرت ماركيوز: فلسفة النفي (دراسات في النظرية النقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(201).

[16] – المرجع السابق نفسه، ص(199).

[17] – هربرت ماركيوز: فلسفة النفي (دراسات في النظرية النقدية)، مرجع سبق ذكره، ص(179).

[18] – هربرت ماركيوز: الحب والحضارة، مرجع سبق ذكره، ص(140).

[19] – المرجع السابق نفسه، ص(59).

[20] – المرجع السابق نفسه، ص(59-60).

[21] – المرجع السابق نفسه، ص(60).

[22] – هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، مرجع سبق ذكره، ص(110).

[23] – المرجع السابق نفسه، ص(110).

[24] – المرجع السابق نفسه، ص(112).

[25] – Douglas Kellner: Herbert Marcuse and the Crisis of Marxism, Macmillan, London, 1984, p.)373(. 

* فيلهلم رايش (1897 – 1957) هو طبيب نمساوي ومحلل نفسي، من أعضاء الجيل الثاني من المحللين النفسيين بعد سيغموند فرويد. ألف العديد من الكتب المؤثرة، أبرزها: تحليل الشخصية (1933)، وعلم النفس الجماعي للفاشية(1933)، والثورة الجنسية (1936)، وعُرف رايش على أنه واحداً من أكثر الشخصيات راديكالية في تاريخ الطب النفسي. ساهمت أعمال رايش حول موضوع الشخصية في تطوير آنا فرويد لكتابها الذي يحمل عنوان «الأنا وآليات الدفاع» (1936)، كما شكلت فكرته ” الدرع العضلي “‏ (التعبير عن الشخصية من خلال طريقة حركة الجسم) عدد من الابتكارات مثل العلاج النفسي للجسم، العلاج الجشطالتي وتحليل الطاقة الحيوية والعلاج البدائي. وفي النهاية، أثرت كتابات رايش على أجيال من المثقفين، ويُنسب له صياغة مصطلح ” الثورة الجنسية “. وكتب الطلاب اسمه على الجدران خلال انتفاضاتهم عام 1968 في باريس وبرلين، وألقوا نسخاً من علم النفس الجماعي للفاشية على الشرطة.

[26] – Herbert Marcuse: Counter – Revolution and Revolt, Beacon Press, Boston, 1972, p.(130).

[27] – فؤاد زكريا: هربرت ماركيوز، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط2، 2020، ص(44).

[28] – المرجع السابق نفسه، ص(45-46).

[29] – المرجع السابق نفسه، ص(46-47).

[30] – المرجع السابق نفسه، ص(47).

[31] – المرجع السابق نفسه، ص(48).
_________
*د. حسام الدين فياض/ الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة/ قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات