
عند عتبات إحدى بيوت قرى محافظة إربد، تصطف عائلة أبو أدهم لوداع ابنها الأكبر، يُخيم الحزن على وجوههم، فيما ترتعش أيديهم من هول الموقف والحال، إذ يضطرون لفراق فلذة كبدهم، الذي قرر حزمة الأمتعة والبحث عن لقمة عيشه في بلاد الغربة.
يغادر أدهم نحو إيرلندا في رحلة مفروشة بالمخاطر والتحديات التي قد تصل إلى الموت، فمواكب الشباب الأردني المهاجر لا تعرف سوى طريق الهجرة غير الشرعية. دفع أدهم قرابة الـ 1000 دينار، رافقه في رحلة الموت 8000 الآف شاب أردني، وصلوا في العام 2024، وأقاموا في مخيمات للمهاجرين غير الشرعيين.
“حياتنا وشغلنا بالأسود” بهذه الكلمات يصف أدهم الواقع الذي يعيشه في إيرلندا منذ وصوله، تقدم بطلب اللجوء لكنه لم يحصل عليه حتى الآن، ولم يحصل على أية إثباتات رسمية، ما اضطره للعمل بشكل غير قانوني في الغسيل والجلي والكثير من الأعمال المتفرقة، وعلى الرغم أن مثل هذه الأعمال تحتاج إلى مجهود أكبر، لكنه لا يحصل إلا على نصف الأجرة.
غادر أدهم الأردن بسبب تعذر حصوله على فرصة عمل مناسبة، بذل جهده للعمل في مختلف القطاعات، يقول “اشتغلت في كل إشي” لكن العائد المادي لم يكن مجزي على حد وصفه، إذ كان في أفضل الأحوال يجد عمل في العاصمة عمان، براتب يتراوح بين 350-400 دينار، كان يدفع منهم 200 دينار للسكن، أو للمواصلات حال عدم استقراره في عمان.
يستحضر في حديثه مشاعر فياضه من الحنين إلى أهله وأصدقائه ووطنه، يقول أدهم “فيش أردني بحبش وطنه” ويكمل “بالغربة بتطبخ لحالك وإذا مرضت بتمرض لحالك”، لكنه يستدرك قائلاً “مش مفكر ارجع”.
وعند سؤاله عن التغير الذي أحدثته الغربة، يقول “صح بعمر العشرين، بس الراس مليان شيب”، ويصف أن حالته الصحية والجسدية تسير نحو الأسوء، أما السؤال الذي يشغل باله دائماً هو كيف يمكنه تجاوز ماضيه الصعب والتعاطي مع حاضره المؤلم؟

لا يعد أدهم حالة منفردة عن غيره من الشباب الأردني، إذ أصبحت الهجرة طريق الموت الذي يسلكه الشباب، بحثاً عن حياة ومستقبل أفضل، حتى لو اضطرهم ذلك لدفع الآف الدنانير التي يضطرون لاستقراضها.
يفكر مؤمن أيضاً بالهجرة للبحث عن جودة حياة أفضل وبيئة من الحرية تمكنه من قول ما يريد، يتمنى أن يجد في الهجرة موطناً تحترم فيه قيم المواطنة، وتحمي فيه الدولة حقوق وواجبات مواطنيها.
على الرغم من الواقع المرير الذي يكابده مؤمن، إلا أنه يبحث عن هجرة شرعية، ويسلط الضوء على الانتشار الواسع للهجرة الشرعية، التي تقوم على تهريب الشباب إلى تركيا ومن ثم أوروبا، مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 3 الآف دينار و4 آلاف دينار، مشيراً إلى أن معظم الشباب الذين يختارون قرار الهجرة غير الشرعية “التهريب” هم من حملة شهادات البكالوريوس والدراسات العليا.
يصف مؤمن أن الهجرة خيار صعب، لأنه تجبر الشاب على البعد عن أهله والعيش في مجتمع جديد ومختلف، لكنه سرعان ما يتدارك وجهة نظرة بالإشارة إلى أن الكرامة الإنسانية وفرصة العمل تستحقان التضحية، ويضيف “لو حصلت على فرصة عمل جيدة، ما كنت سأفكر بالهجرة”.
يغطي مؤمن احتياجاته من خلال “الطقطقه” والتي يعرفها محمد بالعمل المتقطع، بالإضافة إلى الاقتراض والسداد، ومن ثم الاقتراض والسداد في حلقة مفرغة لا تنتهي.
أصيب مؤمن بعد دخوله لسوق العمل بصدمة كبيرة، شعر بأنه كان يضيع وقته في دراسة الماجستير وتحصيل الشهادات والقراءة، وواجه أزمة نفسية على مستوى منظومة القيم لديه، قادته للتشكيك بنفسه ومهاراته، يطرح على نفسه باستمرا ر تساؤلاً مؤرقاً، يقول لنفسه “هل أنا فاشل لأني لاأعرف شخص يستطيع توظيفي؟ أم لدي نقص في في مهارات معينة”.
لم يعد مؤمن يبذل جهداً في تطوير نفسه ومهاراته، ترك الاهتمام بالمجال المعرفي والبحثي، وأصبح يركز على بناء العلاقات، التي تعطي للشاب قيمة اجتماعية ومادية ومسار علمي ومهني أفضل من العلم والشهادات.
يشعر مؤمن بالخذلان والإحباط ولا يجد التعبير المناسب لوصف مشاعره كما يلزم، ويتمنى أن يجد نفسه في بيئة عمل تحترم قدراته وإمكانياته، ويسأل هل كان في الإمكان أفضل مما كان؟
أظهر استطلاع للرأي نفذه المعهد الجمهوري الدولي في الأردن عام 2021، أن 45% من فئة الشباب ضمن الفئة العمرية (18-35) يفكرون جدياً بالهجرة للخارج. فيما يُرجح تصاعد هذه النسبة، بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفقر.
عمل بطعم البطالة
يعمل موظفاً في محمص يبعد عنه بيته مسافة شاسعة، لم تشفع له شهادته في اللغة العربية واطلاعه الواسع على الثقافة والأدب وتميزه في كتابة السيناريوهات في الحصول على عمل لائق، أو على الأقل عمل ضمن الحد الأدنى للأجور، البالغ في الأردن 290 دينار.
يكشف لنا قصي أنه يتقاضى 11 دينار يومياً، ولا يتوفر له إجازات مدفوعة، وغير مشترك في الضمان الاجتماعي. يدفع قصي يومياً من دينارين ونصف لثلاثة دنانير للمواصلات. الحال ازداد سوءً حينما توظف عامل جديد في المحمص، ليجبر قصي على عطلة غير مدفوعة لثلاث أيام أسبوعياً، وتتقلص أيام عمله الشهرية بشكل حاد.
بحزن وألم يتحدث قصي عن عمله المتعب، يشير بحسرة إلى أنه لم يجد عمل غيره، وعلى الرغم أنه لم يجد وقت لنفسه بسبب ضغط ساعات العمل، إلا أنه يتحدث بفخر قائلاً: “الشغل بحافظ على كرامتك، وبعف نفسك عن الناس”.
فكر قصي بتغيير عمله، وبدأ التفكير في اقتناء دراجة نارية للعمل بها في توصيل الطلبات، باشر التدرب على إجراءات الحصول على رخصة لقيادة الدراجة، لكنه آماله تحطمت مع حادث السير الذي تعرض له صديقه محمود على دراجته النارية، أثناء عمله في توصيل الطلبات، أصيب محمود بكسر بالترقوة والعديد من الإصابات التي ستلازمه الفراش لأشهر طويلة.
“الطريق الي كنت بدي أروح فيه دمر صاحبي”، بهذه الكلمات يصف قصي مشاعر الذعر والخوف التي أصابته بعد حادث صديقه محمود، وجعلته يتراجع بالكامل عن فكرة العمل بواسطة الدراجة النارية، وما جعله يقلع عن الفكرة بشكل نهائي هو تحذير والده الحازم “إذا بتجيب دراجة بحرقها”.
عند سؤاله عن توقعه خططه المستقبلية، أجاب قصي: “لا أدري، كل الخيارات مميتة وصعبة، لمتى؟ لمتى ستظل كل الخيارات صعبة ومميتة؟”
الصراع مع البطالة
لمواجهة البطالة والبحث عن فرصة عمل تضمن دخل جيد، وجد الشباب الأردني ملاذاً في العمل على تطبيقات النقل، إلا أن هذه الفرصة تحولت لجحيم ودمار على الشباب وأسرهم، إذ أدى الانتشار الواسع للعمل على تطبيقات النقل، إلى ارتهان الشباب للبنوك ومكاتب التقسيط، وضعف تحصيل عائد مالي جيد، بسبب ارتفاع عدد السيارات التي تعمل على تطبيقات النقل في الأردن.
يروى عبدالرحمن من خلف مقود القيادة كيف انتهت به ظروفه إلى العمل على تطبيقات النقل، بدأت حكايته من خدمة عسكرية استمرت لمدة 9 سنوات، انتقل بعدها لتعلم البرمجة إلى جانب افتتاحه محل بلايستيشن، لكن هذا لم يشفع له بتحقيق دخل جيد يضمن له حياة كريمة.
وجد الأهل وعبدالرحمن فرصة في العمل على تطبيقات النقل، أخذ الأب قرضاً بنكياً لشراء سيارة حديثة تقدر ب 13 ألف دينار، وصل ثمنها مع تقسيط البنك إلى 17 ألف دينار، يدفع عبدالرحمن قسطاً شهرياً للبنك يقدر ب 200 دينار.
“لسا وضعي أرحم من غيري الي بدفعوا قسط 300 أو 400 شهري للبنك” كانت هذه إجابة عبدالرحمن عن سؤاله حول كيفية مقدرته على سداد القسط الشهري للبنك، ويضيف أنه حتى يتمكن من سداد القسط وتحقيق دخل جيد، يضطر للعمل أكثر من 11 ساعة يومياً، دون نسيان النسبة التي يقتطعها التطبيق من السائقين، والتي تقدر ب 25% من المبلغ الذي يتقاضاه السائق من العميل.
لا يتمنى عبدالرحمن في حديثه كثيراً، يظهر متأثراً من التضيقات الحكومية التي تمارس على سائقي تطبيقات النقل، وتضطرهم للعمل بشكل غير قانوني على تطبيقات غير مرخصة، وتعرضهم لمخالفة العمل مقابل أجر، التي تصل إلى 400 دينار.
المدير العام للمركز الأردني لحقوق العمال (بيت العمال)، حمادة أبو نجمة، أشار في تصريحات صحفية عام 2025، إلى أن نسبة الشباب العاملين في الأردن تقدر ب11%، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بحجمهم في المجتمع.
وأوضح أن نسبة البطالة بين الشباب من 16 إلى 24 عاماً وصلت إلى 46.6%، وهي نسبة تفوق معدل البطالة العام في الأردن.
ويبين أن التحدي يتعاظم مع تدفق الخريجين إلى السوق العمل، إذ يدخل سنوياً 130 ألف شاب إلى سوق العمل، منهم 90 ألف من حملة الشهادات الجامعية.
تعليم بنكهة الفشل
لطالما حلمت الشابة نور بدراسة طب الأسنان، حدثت الجميع عن حلمها، حتى حولته لواقع في العام 2019، عندما تفوقت في الثانوية العامة، وحصلت على معدل 98.4.
اخترت نور دراسة طب الأسنان، اعتقدت أن مساره المهني أفضل، ويناسب خصوصية الأنثى أكثر، تقول بكل وضوح أنها اختارت شغفها.
الصدمة الكبرى كانت بعد التخرج، قضت نور سنة كاملة بدون عمل، ثم حصلت على عمل في عيادة صغيرة، مقابل نسبة 40% لكل حالة تشرف عليها، لتحصل في نهاية الشهر على راتب يقدر ب 170 دينار.
أُغلقت العيادة بعد ستة أشهر، وعادت نور مرة أخرى إلى البيت، وجدت عملاً جديداً في عيادة قديمة مقابل 300 دينار، إلا أن هذا الراتب يخالف قانون نقابة أطباء الأسنان، الذي حدد الحد الأدنى لأجور أطباء الأسنان عند 450 دينار.
شعرت نور بالندم لدراسة طب الأسنان، وتقول أنها لو اختارت التخصص في الطبخ أو التصوير أو التجميل، لحققت دخل جيد الآن.
تتحدث نور عن مشاعرها السلبية بعد فقدانها للأمل، تتحدث قائلة ” كنا نتحمل التعب، عشان نلاقي نتيجة، مش عشان نوخذ الحد الأدنى للأجور”.
ظروف الواقع المحبط لم تنعكس على نور وحدها، بل تسللت إلى أهلها، الذين أصيبوا بحالة من الصدمة والتكذيب للواقع، والذي بدوره يسبب ضغطاً نفسياً كبيراً لنور، إذ أن الجميع يراها طبيبة، ويجب أن تمتلك موارد مالية كبيرة، وهي في حقيقة الحال لا تحصل على أكثر من 300 دينار.
بتعجب واستغراب تقول نور عندما دخلنا لتخصص طب الأسنان عام 2019 كان التخصص يعد مشبعاً، لكن منذ ذلك الوقت أنشأت خمس كليات طب أسنان جديدة، ما يعني أن البطالة بين أطباء الأسنان في طريقها للتزايد والتوسع.
“الخريج الجديد ما عنده إشي غير شهادته”، بهذه الكلمات تعبر بيان عن أزمة الخريجين الجدد في سوق العمل، وتضيف أن أصحاب العمل لا يرغبون في تدريب الموظفين الجديد، بل يبحثون عن شاب مؤهل يمتلك الجاهزية للعمل، مؤكدةً أن فرص العمل المتاحة للخريجين ضئيلة جداً.
وتبين أن الخريج بحاجة إلى التطوير من نفسه ومهاراته، ليتمكن من إيجاد فرصة عمل مناسبة، لأن شهادة البكالوريوس لا تكفي للحصول على عمل، بحكم أن الجميع يمتلك هذه الشهادة، ولم تميز صاحبها.
حصلت بيان حديثاً على شهادة البكالوريوس في القانون من إحدى الجامعات الخاصة، وبدأت رحلة البحث عن مكتب محاماة للتدرب، لتتمكن من الحصول على الأذونات اللازمة لمزاولة المحاماة.
تقول أن المحامي المتدرب لا يحصل على التدريب اللازم، وفي كثير من الأحيان قد لا يتكلم معه المحامي أية كلمة، وتشبه حال المتدربين “بالبترينة”.
لا تخفي بيان قلقها من إمكانية تعرضها للاستغلال، إذ يميل بعض المحامين على وحد وصفها إلى لاختيار “بنت مرتبة” لتكون بجانبه بشكل دائم. وتضيف أن قلة معرفة المحامين المتدربين بشروط فترة التدريب، تجعلهم فريسة سهلة للاستغلال أثناء فترة التدريب.
لا تتقاضى بيان أي عائد مقابل تدريبها، وتضيف أن الكثير من المحامين المتدربين يضطرون للبحث عن عمل آخر إلى جانب التدريب ليتمكنوا من تسديد التزاماتهم، وتكمل أن الكثير من المتدربين يقلعون عن فكرة التدريب والانتساب للنقابة، بسبب الوضع المالي.
تشير بيان إلى تحدي آخر يواجهه في مسيرتها التدريبية، والذي يتمثل في الرسوم السنوية التي ستدفعها للنقابة، والبالغة 560 دينار سنوياً، تقول “هاي المرة أبوي راح يدفع، لأني متخرجة جديد” لكنها تبدو متخوفة من قدرته على الدفع العام المقبل، خاصة وأن أسرتها تنتظر منها تحقيق الاكتفاء والاستقلال المالي.
على الرغم من حبها لتخصص القانون، لا تبدو بيان واثقة من استمراريتها في العمل بتخصصها، تقول”هل أنا بحب تستمر حياتي عشر سنوات لقدام بالمرمطة بين المكاتب والمحاكم”.

تشوهات اجتماعية
لا تتوقف تبعات البطالة على المستوى الاقتصادي للشباب، بل تمتد للتأثير على الكثير من القضايا الاجتماعية، وفي مقدمتها الزواج، وارتفاع نسبة العنوسة في الأردن. إذ أظهرت دراسة تحليلة أطلقتها دائرة الإحصاءات العامة في أيلول 2025، ارتفاع متوسط الزواج الأول إلى 27.5 سنة للنساء و32.4 للرجال، مع انخفاض ملموس في عقود الزواج المسجلة.
يظهر لنا يوسف (27 عاماً) تحدياً مضاعفاً تسببه البطالة عليه وعلى غيره من الشباب، إذ أدى شح فرص العمل إلى إقلاع الشباب عن التفكير بالزواج والاستقرار الاجتماعي، يقول يوسف ” فكرة الزواج صارت زي الحلم”.
يفسر يوسف إقلاع الشباب عن التفكير بالزواج إلى شح الموارد المالية، وفقدان الاستقرار الوظيفي، الأمر الذي يجعل الشاب متخوفاً من البدء في تأسيس حياته، وينصرف بذلك نحو الملهيات الكثيرة المحيطة به.
كان الأهالي في المجتمع الأردني يضغطون على أبنائهم بعد تخرجهم من الجامعة لإجبارهم على الزواج، إلا أنه بات ملاحظاً أنا هذه العادة بدأت بالتلاشي، يذكر يوسف” نفسي أهلي يفتحوا معي موضوع الزواج”، يستدرك سريعاً ليشرح أن الأهالي تقتلهم الحسرة، وهم عاجزون عن تقديم شيء لأبنائهم، ويستطرد في حديثه مشيراً إلى أن الأباء اليوم بالكاد يستطيعون تغطية نفقات البيت، وفي كثير من الأحيان يكون الأبناء مساهمين بشكل رئيسي في تسديد الالتزامات والإنفاق على احتياجات أسرهم.
يرى يوسف أنه يمكن أن يكون جاهزاً للزواج عند سن الـ 35، لكنه يعي أن مثل هذه الخطوة ستكلفه على الأقل مبلغ يتراوح بين (10-15 الآف دينار)، لكنه حتى الآن لم يدخر شيئاَ لمشروع الزواج المستقبلي.
عند سؤاله عن المستقبل، يقول يوسف أنه يشعر باليأس والإحباط، ويؤكد أنه لا يريد تجاوز الخطوط الحمراء، ويكتفي بالتساؤل “هل ممكن نعيش أولادنا؟ اذا احنا عانينا كيف أولادنا!”
تعليم طبقي
حقق كريم نجاحاً مميزاُ في الثانوية العامة، تتوج بحصوله على معدل 89، ما جعله يحلم بدراسة تخصص العلاج الطبيعي، الذي لطالما سعى لتحقيقه، على الرغم أنه سيظصر للدراسة على حسابه، لأنه لا يمتلك مكرمة دراسية.
لم يمكنه معدله من تحقيق ما أراد، فقد حصل في القبولات على دراسة تخصص هندسة أمان وشبكات والمعلومات في جامعة الحسين بن طلال في محافظة معان.
الانتقال من إربد للعيش في مدينة معان، لم يكن قراراً سهلاً على كريم وأسرته التي تمتلك إلا راتباً تقاعدياً، ومن هنا بدأت فصول المحاولة، إذ قرر كريم إعادة تقديم بعض المواد في الثانوية العامة، لرفع معدله، ومحاولة دراسة تخصص العلاج الطبيعي في جامعة العلوم والتكنولوجيا.
نجح كريم في رفع معدله، ليصل إلى 91، لكن كل محاولته لم تكن كافية للوصول إلى حلمه، إذ لم تمكنه القبولات مرة أخرى من تحقيق مراده، ما جعلته يقبل مرغماً بدراسة تخصص هندسة النظم الطبية والحيوية في جامعة اليرموك، وعلى حسابه الخاص.
لم يشعر مؤمن بأن الدولة منحته حق التعليم بالمساواة مع الآخرين، يعبر عن ذلك قائلا” “تم التمييز بيني وبين غيري بناء على إشي مش بأيدي”، ويشير إلى أنه لا يمتلك المكرمة التي توفر له فرصة أكبر لدراسة التخصص الذي يريده مجاناً، ولا يمتلك القدرة المالية لدراسة ما يرغب على برنامج الموازي.
“شعرت بالظلم وعدم المساواة”، بهذه الكلمات اختار كريم للتعبير عن مشاعره بعد مسيرته المريرة للوصول إلى تخصصه، وانعكس عليه بحالة من الحقد والكراهية تجاه غيره.
كلفته محاولة دراسة تخصص العلاج الطبيعي، كلفاً باهظة، دفع في أول فصل دراسي في جامعة الحسين 1000 دينار، لم يستطيع استردادهن، بالإضافة إلى 700 دينار دفعهن لتخصصه الجديد، مما جعل أسرته تعيش تحت وقع ضائقة مالية صعبة.
يسأل كريم محاولاً إيجاد إجابة تشفي غليله “شو السبب الي خلى غيري يدرس أحسن مني؟”
لا يحظى الطلبة الجامعيون في الأردن بتعليم مجاني، ويستثنى من ذلك أبناء العاملين في الجامعات والقوات المسلحة ووزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى العديد من المنح التي توفرها الحكومة بشكل يخل بمبادىء العدالة بين الأردنيين.
يشير تقرير “هل بات التعليم في الأردن للأغنياء فقط” المنشور على موقع إندبندنت عربية، أن الأموال التي تدرها الجامعات الرسمية على خزينة الدولة تصل إلى 630 مليون دولار سنوياً، ويذكر التقرير أن التعليم الجامعي الحكومي يستهلك أكثر من 25% من ميزانية الأسرة.
الموت على رصيف الانتظار
يعيش الشباب الأردني معاناة صحية مضاعفة، إذ يشمل نظام التأمين الصحي المعمول به حاليا في الأردني، الذكور حتى سن 18 عاما، ويمتد إلى سن 25 عاماً إذا كانوا طلاباً في الجامعات، فيما تبقى الإناث مشمولات بتأمين الوالد طالما أنهن عازبات وغير عاملات، ويتشترط النظام دفع مبالغ بعد سن معينة لبعض الفئات/ الأمر الذي يجعل شريحة كبرى من الشباب الأردني خارج منظومة التأمين الصحي.
يروي الشاب مهاب تفاصيل معاناته في التهاب أنسجة الرجل، التي أعاقت تنقله وجعلته متعباً، يقول أن أول سؤال خطر في باله، كم يمكن أن يكلفني العلاج وأنا لا أملك تأميناً صحياً.
اختار مهاب تحمل الألم، على أمل أن تتحسن حالته مع مرور الوقت، كان يحاول إقناع نفسه أن حالته بسيطة، رغم القلق الذي استحوذ على تفكيره.
ذهب إلى الصيدلة بلاً من الطبيب، اشترى العديد من المسكنات دون وصفة طبية، وتناولها ليستطيع إكمال يومه، مع معرفته أن المسكن لا يعالج السبب، لكنه كان “الخيار الأرخص”.
خشي مهاب أن ينتشر الالتهاب أو يحتاج لتدخل أكبر، لكنه فضل المخاطرة على أن يدفع فاتورة لا يستطيع تحملها.
يعيش مهاب بحالة من عدم الاطمئنان والأمان، ويحاول تجنب أي طارىء صحي، ويوجه سؤالاً يعبر عن الحال الشباب الأردني، ومضمونه لماذا يجب أن يشعر الشاب بالخوف من زيارة طبيب بسبب المال؟
شباب بلا أمان مستقبلي
أثار مقترح تعديل قانون الضمان الاجتماعي في شباط/فبراير 2025، حالة من الغضب على المستوى الشعبي والشبابي في الأردن، إذ تضمن المقترح زيادة عدد الاشتراكات الشهرية لتصبح 360 اشتراك بدلاً من 300 اشتراك، ما يعني زيادة خمس سنوات، بالإضافة إلى تحديد سن التقاعد عند 65 عام.
استقبل الشاب علاء مقترح التعديل بحالة من الغضب، دفع سابقاً اربع اشتراكات بشكل اختياري، يقول أنه لم يكن باستطاعته دفع المزيد من الاشتراكات، ويبدي عجزه عن الاستمرار في دفع اشتراكات الضمان، حال إقرار مقترح القانون.
يشير علاء إلى أن معظم الشباب يشتركون في الضمان، بعد تخرجهم وحصولهم على فرصة عمل، ويكون حينها أعمارهم فوق الـ 28 عاما، ما يعني أنهم قد يموتون وهم لم يحصلوا ضمانهم.
ويتوقع علاء أنه في حال إقرار القانون فإن الشباب ستكون ردة فعلهم عنيفة، من خلال الاحتجاجات، التي من الممكن أن تؤدي إلى إسقاط الحكومة.
يصف علاء التعديلات على مسودة القانون التي استعرضها رئيس الوزراء جعفر حسان بأنه “إبر تخدير” لأنها إذا لم تؤثر على الكبار اليوم، فأنها ستقود إلى نتائج كارثية على الشباب في المستقبل.
يشعر علاء بالخوف تجاه المستقبل، يقول “إذا الحاضر مجهول، فما بالك مستقبل”، خاصةً وأن معظم المواطنين يعيشون على الحد الأدنى للأجور.
أفق مسدودة
بالذهاب إلى عمان حيث يقطن الشاب يزن الحراحشة (27 عاماً) الذي يعد من أبرز النشطاء السياسيين الشباب على مستوى الأردن. قاده شغفه للانخراط في العمل السياسي مبكراً، وقبل مرحلة التحديث السياسي التي بدأت في الأردن عام 2021.
أحدثت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية التي شكلها جلالة الملك عبدالله الثاني، حراكاً سياسياً واسعاً على المستوى المحلي، تضمنت إجراء تعديلات جوهرية على قانوني الانتخاب والأحزاب، ورافقها وعود واسعة بإتاحة الفرصة للشباب للمشاركة في العمل السياسي.
في العام 2022 انخرط يزن ومعه قطاع واسع من الشباب الفاعلين للحزب الديمقراطي الاجتماعي، شكل الحزب حينها مساحة جاذبة للشباب في الأردن، واستطاع التيار الشبابي في الحزب الذي يعرف باسم “شدا” من صناعة حالة سياسية مميزة على مستوى الحزب والأردن.
بقيت مخرجات التحديث السياسي راكدة، حتى أشعلها فتيل انتخابات عام 2024، والتي لم ينجح الحزب الديمقراطي في حصد أي مقعد في مجلس النواب، الأمر الذي إحداث زلازلاً على مستوى الحزب، والذي انعكس بدوره على تيارها الشبابي.
يقول يزن شعرت باليأس بعد انتخابات 2024، لأن المجتمع والناخبين أعادوا إنتاج نفس الأسماء، لكن بثوب حزبي، كما يرى يزن أن نتائج الانتخابات أنتجت نخباً حزبية لا تعبر عن مبادئه وأفكاره.
تقدم يزن بعد الانتخابات باستقالته من الحزب الديمقراطي، ويضيف أنه عاد يؤمن بالاشتباك السياسي المباشر على أرض الواقع، من خلال العمل الطلابي والكتابة السياسية، التي تعبر عن عنه وعن قناعته. وفقد الإيمان بالتجربة الحزبية، التي لا يمكن أن تنجح إلا بمناخ من الحريات السياسية على حد وصفه.
يبدي يزن حزنه على حال الشباب في العمل الحزبي، قائلاً “استفاد من الانتخابات الشباب الي قادرين يدفعوا عشان ينجحوا”، ويكمل ” أما الشاب الي وضعه الاقتصادي بسيط ما قدر يحقق إشي”.
يترك يزن في حديثه بصيصاً للأمنيات، مشيراً إلى طموحه في تشكل ائتلافات سياسية ممتدة، تتجاوز المفهوم الحزبي، والتي يمكن لها أن تتخطى تعقيدات الظروف الراهنة، ومحددات قانوني الانتخاب والأحزاب.
يطرح يزن في نهاية حديثة سؤالاً عالقاً ويصعب الإجابة عليه، مفاده أنه هل توجد إرادة سياسية عميقة على مستوى الدولة لصناعة تجربة حزبية حقيقية؟
فيما خاضت الشابة مروة الخلالية انتخابات 2024 ولم يحالفها الحظ في النجاح، تقول أنه على الرغم من أن القوانين والتشريعات تتجه لإنصاف الشباب، إلا أن الأعراف المجتمعية لا تتقبل وجود الشباب في الحياة السياسية.
وتوضح أن طبيعة المجتمع العشائرية لا تتقبل وجود السيدات والشباب في المجال السياسي، على فكرة “ليش اختار شاب أو شابة من عمر أولادي يمثلني”، وتضيف أن الصعوبات الاقتصادية هي أكثر ما يواجه الشباب في الانتخابات، وكلما كنت تمتلك أكثر كان وصولك أسرع وأسهل.
ترى مروى أن الشباب أصيبوا بحالة من الإحباط بعد الانتخابات، قادتهم للعزوف عن المشاركة السياسية، لأن الشباب في مجلس النواب والأحزاب جرى محاربتهم وتهميشهم.
بعد وصفها للواقع بأنه لا يدعو للتفاؤل، تترك مروى سؤالاُ عميقاً، ربما تسأله لنفسها قبل المجتمع، ومضمونه “هل أنا فعلاً ما زلت مؤمنة بدور الشباب في الحياة السياسية”.
تُظهر بيانات الهيئة المستقلة للانتخاب، تراجعاً ملحوظاً في أعداد الشباب المنخرطين في الأحزاب، إذ يصل عددهم حالياً 30562، وفق آخر التحديثات الصادرة عن الهيئة.

ناقوس الخطر
يأخذنا أيمن (32 عاماً) في رحلة مأساوية باتت ملجئاً للشباب الأردني اليائس، يقص علينا أيمن بدايات انخراطه في سوق العمل وهو طفل يبلغ عمره 12 عام، لم تكن إرادته، قدر ما هي إرادة أهله حتى “يندعك ويصير زلمة”، لكنه كانت بالنسبة لطفل لم يكتمل نموه ورشده نقطة الصفر.
اكتسب الطفل أيمن في سوق العمل العديد من السلوكيات السيئة، لم يعرف كيف يمكن له أن يصحح ما اقترف من أخطاء، لم يتقبل المجتمع ما اقترف هذا الطفل من سوء، ما جعله يقع ضحية في مصائب أخرى، يقول”ما حدا بسامح بس الله بسامح”.
بدأ أيمن أولى فصول رحلة الإدمان بعمر الرابعة عشر، خاض التجربة بتأثير من ابن عمه، بداعي المشاركة والتجربة، ودخل مرحلة الإدمان الفعلية عند ال 17 من عمره، بتأثير من ابن خاله، لكنه كانت مختلفة هذه المرة، يصفها “حسيت بنشوتها، هون عرفت معنى سيكارة الحشيش”.
أما عن ارتفاع وتيرة الإدمان، فيقول أيمن أنها بدأت في أول فصل جامعي في الكلية، تحت إلحاح “رفيق سوء” كما يصفه، والذي استغل وجود أيمن تحت ضغظ ظروف العمل ليقنعه بتجربة حبة دواء مخدرة.
بدأت قصة إدمان أيمن ولم تنتهي حتى الآن، إذ ما زال مستمراً في تعاطي المخدرات والحشيش، وكلفه ذلك خسارة التجارة في محلين لبيع قطع أجهزة الحاسوب، كان يعمل بها 8 موظفين.
على الرغم من إكماله دراسته، إلا أنه لم يستطع العمل بسبب قيود التعاطي المسجلة بحقه، جعل منه التعاطي شخصاً منعزلاً عن العالم، لا يعرف التعامل مع الناس، ويرى نفسه بأنه كبر كثيراً بسبب التعاطي، يقول ” المخدرات خربت حياتي ما ظلش حياة خسرت شغلي بالكامل”.
ترك التعاطي آثاراً كارثية على أيمن، يعاني من ألم في مفاصل العظام والأعصاب، وصعوبة في التركيز.
يذكر أنه قبل 8 سنوات فكر بالعلاج من الإدمان، إلا أنه لم يكمل، ومنذ 3 سنوات تولدت قناعة لدى أيمن بأنه غير مدمن، وأنه بإمكانه التحكم بالمادة التي يتعاطاها، ويضيف”بهاي المادة بتروح على المكان الي بدك اياه بدماغك وبتشعر بالراحة”.
يقول أيمن أن التعاطي منتشر بين الشباب بنسبة 80%، ويفسر ذلك بافتقاد الشباب إلى الراحة، بالإضافة إلى الحرمان العاطفي الذي عاني منه الشباب وافتقادهم للدعم الأسري، ويرى أن الشباب يلجئون إليها لقدرتها على تعويض الكثير من احتياجاتهم، لكنه يحذر “معظم من تعاطى المخدرات تدمر”.
قبل مغادرته يقول أيمن “عمري ما كرته شخص سببلي أذى بهاي الحياة قد الي علمني على المخدرات”.
أدانت محكمة أمن الدولة بين عامي (2020 –2023) أكثر من 110 آلاف شخص بجرائم مخدرات تراوحت بين تجارة وحيازة وترويج، وبمتوسط إدانة لـ 75 شخصا يوميا في الأردن.
من الهجرة وصولاً إلى الإدمان، تسجل روايات الشباب شهادات على أسئلة القلق التي يكابدها الشباب الأردني، وتفتح الأبواب نحو مستقبلاً سيعيشه الشباب بقلقٍ وخوف، وربما أكثر من ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حسام الدين الإبراهيم
الأسماء المستخدمة في التقرير مستعارة



