المقالاتفكر وفلسفة

الإشكال التأويلي في فكر محمد عابد الجابري    

المنهج والمنهجيّة

إشكال أولي

  في قضايا الدين والفكرّ” محاورة أجرتها مجلة مقدّمات المغربيَّة” مع المفكِّر محمد عابد الجابري، وهذه المحاورة نشرت في أكثر من منبر ثقافي، ونظرًا لأهميَّة هذه المحاورة في تراث المفكِّر محمد عابد الجابري، اخترت في هذا المقال قصد  التعريف بهذه المحاورة التي نشرت لأوَّل مرَّة في مجلَّة مقدمات المغربيَّة.

ثمَّ نشرت تباعًا في أكثر من منبر ثقافي، لأنَّها تحمل كثيرا من الأسئلة، ظلَّت أجوبتها مفتوحة ومثار نقاش بين المشتغلين بقراءة التراث العربي الإسلامي.

المنهج و المنهجيَّة في الثقافة العربيَّة الاسلاميَّة

من الشواهد العاكسة التي تكشف مدى اشتغال علماء الإسلام على المسألة المنهجيَّة في العلوم،  هو الحرص  الشديد، والعناية الكبيرة  بين علماء الإسلام بالمسالة  المنهجيَّة،  وكانت هذه المسالة موضوع عناية أكثر علماء الإسلام، بحيث كانت تشدّهم هذه القناعة العلميَّة وهذه العناية المبدئيَّة التي تحمل هذا المضمون الجامع والمشترك، وهي أنَّ سلامة النتائج عادة، ما تتوقَّف على مدى السلامة  في الأخذ بالمناهج السديدة المفضية إلى البحث والنظر العلمي.

وبالتالي فإنَّ الناظر في أشكال وأنساق الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة في بنائها، يلاحظ أنَّ العلوم الإسلاميَّة، ورغم ما بينها من تفاوت  في الوظيفة، واختلاف في التناول، فإنَّ ما يجمعها هو  هذا الخيار الابستمولوجي والمعرفي  المشترك، والمحدَّد في العناية الشديدة بمناهج  الفهم والتفسير والتأويل والتلقِّي.

ومن أبرزالعلوم اشتغالا على الإشكال  التأويلي علم أصول الفقه، فهو من أهمّ  العلوم التي نشأت وتطوَّرت بين أحضان  علوم التراث العربي الإسلامي، اذ  اتجهت  مباحثه إلى خدمة النص في بعده البياني والتأويلي، في جهة كانت عادة ما  تنعت بين المتقدِّمين بجهة الدلالات، وهي الجهة  التي قال عنها الفيلسوف الغزالي ت505 ه” ووصفها بأنَّها القطب والأساس الذي يتأسَّس عليه  بناء  علم أصول الفقه.

واختار المفكِّر محمد عابد الجابري تأكيد هذا القول عندما صرَّح  بأنَّ ” السلطة المرجعيَّة في علم أصول الفقه، كانت للبحوث اللغويَّة. والمحور الرئيسي الذي ينتظم هذه البحوث هو علاقة اللفظ والمعنى”  [1] .

ومن النقول التراثيَّة التي يستند إليها المفكِّر محمد عابد الجابري، ويعتمدها في تأكيده وإثباته على حضور اللغة العربيَّة وعلومها بقوة  في المدونة الأصوليَّة، هو هذا النص  الذي أخده من كتاب الموافقات للإمام الشاطبي الأندلسي الغرناطي  وفيه يقول صاحبه “وغالب ما صنِّف في أصول الفقه من الفنون، إنَّما هو من المطالب العربيَّة”[2] .

المرجع في العلوم الإسلاميَّة

إنَّ ما يسعى  المفكِّر محمد عابد الجابري إلى تقريره في مدارسته  لقضايا العلوم الإسلاميَّة ، هو أنَّ هذه العلوم إنما تأسَّست استجابة لهذا الخيار العلمي،  وهو تأسيس وتأصيل الشروط  التي عليها يتوقَّف الفهم والبيان السليم للنص القرآني.

ما يعني بأن هناك خلفيَّة دينيَّة تحكمت في توجيه البحوث والدراسات اللغويَّة والبيانيَّة والدلاليَّة في التراث العربي الإسلامي، وهذه الخلفيَّة الدينيَّة تكاد  تحضر في أغلب العلوم الإسلاميَّة. [3]

ومن تداعيات  هذه المرجعيَّة  المنصوص عليها، هو قيام  شبكة متكاملة من العلوم  تشترك جميعا في هدف واحد، وغاية واحدة، وهو تلقِّي المعنى من النص، وهو ما يعني وبشكل صريح أنَّ السيادة والقوَّة في العلوم التراثيَّة، كانت لعلوم الفهم والتفسير والبيان.

إنَّ النتيجة التي يريد المفكِّر محمد عابد الجابري أن يوصلها إلى القارئ هي أنَّ الإشكال التأويلي في  التراث الغربي، يجعل من تأويل النص الديني  حقا  متاحا لكل شخص يمارسه باختياره وبإرادته الحرة، وأن كل فرد له هذا الحق  في تأويل النص، وأنَّ لا  سلطة  لأي أحد على النص، فالقارئ يمارس سلطته بحريَّة  متى شاء وكيف شاء،  أمَّا في الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة،  فلا يمنح هذا الحقّ إلا من تأهَّل لذلك وامتلك الآلة، ومنها التمكّن من اللغة العربيَّة ومن علومها بشكل خاص.

فلا بد من ضبط العلوم الصانعة للفهم ومنها علوم اللغة العربيَّة، لأنَّ النص القرآني إنما جاء بلسان العرب وهو ما يفهم  من كلام  الإمام الشافعي ت204ه  عندما قال في الرسالة: “فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها. وكان ممَّا تعرف من معانيها اتساع لسانها…”[4].

وما يريد أن ينهي به الجابري أطروحته هو بين المقدمات التي عني بها العلماء  المتقدمون، هو تأسيس أصول البيان المؤدي إلى فهم الخطاب القرآني، من خلال وضع الضوابط، ورسم الشروط، وبيان الكيفيَّة التي بها يتحقَّق الفهم السليم، ويحصل المقصد السديد، ويتحقَّق المراد.

 مفارقات بين التراثيِّين الإسلامي واليهودي 

لقد  كشف الدكتور محمد عابد الجابري أنَّ الإشكال التأويلي في العلوم الإسلاميَّة،  يختلف جذريًّا وكليًّا عن الإشكال التأويلي في التراث اليهودي.

وقد بيَّن مستويات المفارقة والاختلاف في هذا  الإشكال  التأويلي، عندما أبرز أنَّ النقد التاريخي للنصوص الدينيَّة اليهوديَّة، إنما  بدأ مع الفيلسوف الهلندي  سبينوزا في رسالته الشهيرة رسالة في اللاهوت والسياسة“،  وكان بعض علماء المسلمين قد مارسوا  النقد نفسه على التوراة والأناجيل نقدا مشابها  ومتفوقا على ما قام به سبينوزا بقرون، ومنهم ابن حزم  الأندلسي ت456 ه، بشكل أخص الذي مارس هذا النقد في كتابه المشهو ر”الفصل في الملل والأهواء والنحل“، وقد استمرَّ هذا النوع من النقد الذي دشنه في الثقافة الأوربيَّة الفيلسوف اليهودي الهولندي منذ القرن السابع عشر إلى القرن العشرين     .[5]

وممَّا يقرّره المفكِّر محمد عابد، أنَّ سلامة النص القرآني موضع إجماع علماء الإسلام قديما وحديثا، وليس هناك أي داع لطرح هذه المسالة للنقاش، ما دام الأمر مجمعا عليه. من أبرز المفارقات القائمة  بين النصين، النص الديني القديم والنص القرآني عند المسلمين.

نتائج مهمَّة: 

يذكر الدكتور محمد عابد الجابري، أنَّ هذا النقد بأنواعه ومستوياته المختلفة  قد أسفر عن نتائج مهمَّة،  إذ تبين بالملموس أن النصوص الدينيَّة اليهوديَّة والمسيحيَّة بشكل أخص، لم يكتبها مؤلف واحد في عصر واحد لجمهور واحد، بل كتبها مؤلفون كثيرون في عصور متعاقبة ومختلفة، لأناس عاشوا في ظروف مختلفة وأحقاب متباعدة، وأنَّ تدوين تلك النصوص يمتدّ على مدى قرون… وبالتالي فهي تعكس أو تعبِّر عن تجارب في الحياة مختلفة، ومن هنا ضرورة اختلاف التفسير وتنوّعه، وعدم التقيَّد بوجهة نظر واحدة أو الرضوخ لأيَّة سلطة غير سلطة العقل وأحيانا تمنح السلطة للقارئ ليقرأ النص حسب قناعاته الشخصيَّة.

سلامة النص القرآني

 إنَّ ما وقع للنصوص الدينيَّة القديمة من تحريف، قد  سلم منه القرآن الكريم، وهذا مبدأ لا محيد عنه وهو ما قرره المفكِّر محمد الجابري في هذه المحاورة،  إن القرآن الذي بين أيدي المسلمين اليوم، وهو القرآن الذي انزل على رسوله عليه السلام، وهذا أمر مجمع عليه بين جميع  علماء الإسلام قديما وحديثا في الحضارة الإسلاميَّة، ولا خلاف في  هذه المسألة.   

النتيجة والخلاصة

إنَّ النتيجة التي يريد المفكِّر محمد عابد الجابري أن يوصلها إلى القارئ بصفة عامَّة، أن لا مجال للمقارنة بين القرآن الكريم وبين الكتب السماويَّة السابقة، فإنَّ سلامة القرآن لا مجال للنقاش فيه، ما دام الإجماع قائما بين جميع علماء الإسلام باختلاف مذاهبهم واختياراتهم.


[1]— بنية العقل العربي للدكتور محمد الجابري:56                                                                                                                                                           

[2] ـ الموافقات للإمام ا لشاطبي:ج :4ص 117

[3] ـ-اللفظ والمعنى في البيان العربي للدكتور محمد عابد الجابري  مجلة فصول المصرية  المجلد-5-العدد-11-السنة1985ص:259

[4] -الرسالة  للإمام الشافعي:52

[5] ـ   منهج نقد النص بين ابن حزم سبينوز  للدكتور محمد عبد الله الشرقاوي ص:11
_________
*الدكتور محمد بنعمر: أكاديمي من المغرب. 

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات