المقالاتمنوعات

آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية.. الاتفاق والمفارقة

صدر كتاب مهم عن مؤمنون بلا حدود للدكتور عز الدين العلام تحت عنوان (النصيحة السياسية.. دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية).

في دراسة سابقة للعلام بعنوان (الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي)، تساءل فيما إذا كان الأقرب إلى الصواب أن نقارن بين ((نصائح الملوك)) العربية- الإسلامية، ونظيرتها ((مرايا الأمراء)) الغربية – المسيحية، التي كتبت بدورها، في ((فن الحكم)) من منظورٍ يمزج الأخلاق والدين بالسياسة، بدل أن نقارن بينها وبين مفكر سياسي كـ: نيكولو مكيافيلي (N.M achiavel) (1527- 1469م)  يقلب الآية، ويخضع الأخلاق واللاهوت للسياسية باعتبارها فعالية بشرية.

من المعلوم أن أوربا العصور الوسطى شهدت، مثلها مثل الحضارة العربية- الإسلامية، إنتاجاً أدبياً- سياسياً غزيراً يخص ((نصائح الملوك))، أو ما أُطلق عليه في تاريخ الفكر السياسي اسم ((مرايا الأمراء)) (Miroirs des princes). ويتعلق الأمر بعشرات الكتابات، التي غطت فترات طويلة من تاريخ أوربا المسيحية بدءاً من أواخر القرن الخامس إلى حدود مشارف القرن الثامن عشر، واتخذت أشكالاً متعددة في صياغتها، توزعت ما بين الخطب والرسائل والمقالات والموعظ… أما موضوعها الأساس، فيتمثل تماماً كما هو موضوع آداب الملوك الإسلامية، في بسط مجموعة من النصائح الأخلاقية- السياسية بهدف حُسن تدبير المملكة، أو بالإمارة. ومن هنا تقديمها باعتبارها ((دليل عملٍ)) لا يتوخى تحليل طبيعة النظام السياسي وآلياته بقدر ما يسعى لتوضيح عدد من القواعد السلوكية التي يلزم الملك أو الأمير السير على نهجها.

لقد اهتم الباحثون في التراث السياسي العربي- الإسلامي بقضايا عدة تخص الفرق السياسية والمذاهب الكلامية، كما حاول الكثير منهم استخلاص التصورات السياسية لبعض مؤرخي الإسلام وفلاسفته، ناهيك عن تنظيرات عدد من الفقهاء أصحاب السياسيات الشرعية … ومع ذلك، وفيما لو استثنينا عمل بعض الباحثين المحققين، وبعض الدراسات المحسوبة على رؤوس الأصابع، لحق لنا الإقرار بوجود نوع من الإهمال أو التغافل في حق جزء كبير من هذا التراث السياسي، ونقصد بذلك ما اصطلح الجميع على تسميته بـــ: ((الآداب السلطانية)) أو ((نصائح الملوك)).

ويرى المؤلف أنه من الصعب أن ننفي عن هذا النوع من الكتابة السياسية أهميته التاريخية؛ بل الراهنة أيضاً. تتمثل أهميته التاريخية في كونه شكل المادة الأوفر من التراث السياسي الإسلامي مقارنة مع ما أنتجه الفقهاء في سياساتهم ((الشرعية)) والفلاسفة في سياستهم ((المدنية)). كما تبدو أهميته في تزامن ظهوره مع البوادر الأولى لتقعيد أسس الدولة العربية- الإسلامية الوليدة، وفي كونه شكل المادة الرائجة طيلة قرون في بلاطات خلفاء الإسلام، وملوكه، وسلاطينه. أما أهميته الراهنة، وخلافاً لما قد يعتقد البعض من كونه جزءاً من ماضٍ راح وانقضى، فتتمثل في كونه يشكل مستودعاً حقيقياً لنوع الثقافة السياسية، التي سادت طيلة مجريات التاريخ العربي- الإسلامي، هذه الثقافة السياسية التي تؤكد كل الوقائع اليوم ضرورة تجاوز مخلفاتها أملاً في تحقيق ثقافة سياسية حديثة تربط الواقعة العربية- الإسلامية بمسار التاريخ الحديث.

كما أنه هناك توجه فكري ظل سائداً لفترات طويلة في أوساط الباحثين والدارسين، ولا سيما منهم المهتمين بقضايا التراث والحضارة العربية- الإسلامية، ومفاده أن فهم مشكلات ((الحاضر)) يستدعي الرجوع إلى جذورها في وقائع ((الماضي))، وأن كل عوائق التقدم التاريخي تجد مسبباتها في ((ماضينا)) الخاص. وقد كان من نتائج هذا التصور ((العمودي)) لمسار التاريخ الإغفال شبه التام لــ: ((الآخر)) الحضاري، وإن تم الحديث عنه، فغالباً ما يكون باعتباره عامل تشويش على مسار المجتمعات العربية!

يرتكز مثل هذا التصور ((العمودي)) على نوع من انفصال الحضارات قد يؤدي في نهاية المطاف، إلى التشبث بــ: ((هويات)) عمياء خارج التاريخ، تُرفع إلى مقام التقديس، والاعتزاز الفارغ، كما لا ينتج عنه غير عزل ((التواريخ الخاصة)) عن مسار التاريخ الإنساني العام. قد يكون لهذا التوجه ما يبرره، وقد يحمل معه بعض الفوائد المعرفية. غير أنه، في المقابل، يمكن القول: إن اعتماد تصور ((أفقي)) يرتكز على استحضار ((الآخر)) في أبحاثنا ومناقشاتنا، ومقارعة وقائعه بوقائعنا، ومقابلة ما جرى ويجري عنده بما جرى ويجري داخل رقعتنا، قد يكون له من الفوائد ما لا يُتوقع.

من شأن هذا التصور ((الأفقي)) – إن جاز التعبير- أن يسمح لنا بإدراك أشياء، غالباً، نتغافل عنها، وفي مقدمتها أن أغلب القضايا، التي تعاني منها المجتمعات العربية اليوم، وبالأمس القريب، هي ذاتها التي تمكنت أوربا، في فترات متقدمة من تاريخها، من معالجتها والتغلب عليها، تارة بالتساكن والتاهم، والمهادنة، وتارة بالدم، والصراع، والحروب.

فمنذ أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، تمكن الفكر السياسي الأوربي، على الأقل في جزء منه، من ملاءمة القيم الدينية المسيحية مع العقلانية ((الأرسطية))، والتفكير في المجال السياسي شيئاً ((طبيعياً)). كما تمكن من تكييف ((الأخلاقيات)) المهيمنة آنذاك مع الواقع السياسي الجديد، وما يتطلبه من خبرات وتقنيات، فاتحاً بذلك الطريق نحو تأسيس بوادر إدارة أو ((بيروقراطية)) محلية ووطنية حديثة. كما نجح هذا الفكر السياسي في التجاوب مع الدعوات الإصلاحية، وما كان يعتمل داخل النسيج المجتمعي من تغيرات نتيجة ظهور فئات اجتماعية جديدة لم يعد الواقع السياسي والقانوني السائد آنذاك يساير طموحها، فأكد بذلك أهمية ((القانون)) وأولويته بالنسبة إلى الحاكم والمحكوم في مقابل فكرة ((الولاء)) الفيودالية. ولا نتيجة لمثل هذا التجاوب غير ظهور بوادر تأسيس مجتمع ((مدني)) يقوم على مبدأ ((التعاقد)) وقيم الفردانية والمنفعة والانتماء الوطني بدل تصور ظل يختزل المحكومين في خانة ((الرعايا)) المؤمنين الطيعين… كلها عوامل مهدت لتبلور الفكر السياسي الحديث الذي أكد، في النهاية، مفهوم ((الدولة- الأمة))، باعتبارها قيمة مستقلة في حد ذاتها، دونما حاجة إلى قيم أخلاقية أو دينية تبرر بها وجودها.

لقد أصبح الكثير يتحدث اليوم، عن مقومات الدولة الحديثة وكأنها معطى جاهز، دون الانتباه إلى أنها خلاصة وتتويج لصيرورة تاريخية متعددة الأبعاد تمتد من قلب العصور الوسطى إلى تباشير العصر الحديث. وليس التفكير في ((مرايا الأمراء)) الغربية- المسيحية، ومقارنتها بــ ((آداب الملوك)) العربية- الإسلامية، غير محاولةٍ متواضعة منا لإدراك بعض أوجه هذه الحركية التاريخية.

حاول المؤلف في الفصل الأول من هذه الدراسة، أن نقدم مختلف التعاريف التي أعطيت لهذه الكتابة السياسية، مشير إلى بعض الصعوبات المرتبطة بالامتداد الكبير لهذين الفكرين السياسيين، الإسلامي والمسيحي، سواء في المكان أم في الزمان. ومن أجل تقريب القارئ من هذه الأبيات السياسية، بحث في ((مورفولوجيتها)) انطلاقاً كم جرد أولي لمختلف ((عناوين)) مؤلفاتها التي تتفق جميعها في ((مدلولها))، وإن اختلف ((دوالها)). واستقصى ((مقدمات)) تأليفها التي توضح، من خلال ((إهدائها)) وصياغتها بضمير ((المخاطب)) وهو الملك أو الأمير المعني الأول بما يحويه الكتاب، الطابع العملي الذي يكتنف تصوراتها السياسية. كما عملنا، من خلال القيام بجرد أولي لــ : ((فهارس)) هذه الكتابات الإسلامية والمسيحية، على تحديد أهم المحاور التي تشكل مادة هذا التأليف السياسي.

وفيما عدا هذا البحث الأولي في ((مورفولوجية)) هذه الكتابات، والوقوف عند بعض أوجه التشابه بين التأليف العربي – الإسلامي ونظيرها الغربي- المسيحي، عملنا في فصل ثانٍ على البحث في المنظومات المرجعية، التي تحكم هذ التفكير السياسي. أوضح عز الدين العلام في البدء، هيمنة ((المرجع الديني)) من خلال حضور الإسلام في آداب الملوك، والمسيحية في مرايا الأمراء، مبرزا خلاف ما قد يُعتقد، العديد من أوجه الالتقاء في تعامل هذين الفكرين السياسيين مع المرجعية الدينية. وبما أن هذه الكتابات لم تكن لتكتفي بالمرجعية الدينية في صياغة تصوراتها، فقد بحثنا فيما أسماه (المرجع الاصطلاحي)، الذي اتخذ شكلين مختلفين يترجمان المسار الحضاري والتاريخي لكل منهما، واللذان تجليا في الاعتماد على ما تسميه آداب الملوك الإسلامية بــ: (السياسة الاصطلاحية))، والمقصود منها، أساساً، سياسات ((فارس))، وكذا لجوء المرايا المسيحية إلى ما تسميه بــ: المرجع ((الدنيوي))، الذي يتلخص أساساً في أدبيات الحضارة الرومانية. وأخيراً كان لزاماً علينا، أمام حضور أسماء فلاسفة يونانيين، التساؤل عن موقع ((المرجع اليوناني)) في هذا النوع من التأليف السياسي. وقد أبرز المؤلف في هذه النقطة بالذات، أكبر اختلاف في طبيعة ومسار كل من آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية. فمقابل اعتماد آداب الملوك الإسلامية، طيلة مراحلها، على مراجع منحولة لكل من أفلاطون وأرسطو، تمكنت المرايا المسيحية، بدءاً من أواسط القرن الثالث عشر، من اكتشاف أرسطو الحقيقي، ولا سيما كتابه (في السياسة) ، فكان الفارق بين التجربتين حاسماً وكبيراً.

واعتباراً لكون عز الدين العلام يبحث في فكر سياسي تحتل فيه التصورات الأخلاقية والقيم الدينية مركز الصدارة، عمل في فصل ثالث، على البحث في ((أخلاقيات)) الحاكم في كلتا التجربتين. أبرز في مرحلة أولى، العديد من أوجه التشابه بين تصورات آداب الملوك لــ: ((مكارم الأخلاق)) الإسلامية، وبين تأكيد الجيل الأول من مرايا الأمراء على فكرة ((الخلاص)) المسيحية، ليقف في مرحلة تالية، على المسار المختلف لهاتين التجربتين، وهو المسار الذي مكن المرايا المسيحية، مقارنة بنظيرتها الإسلامية، من الانتقال من هيمنة الفضائل الخلقية إلى الحديث عن هذه الأخلاقيات في ارتباط بما تتطلبه السياسة من خبرات وتقنيات، فاتحة بذلك الطريق نحو بوادر تأسيس تصور سياسي جديد.

وبالمثل تمكن عز الدين العلام، في معرض مناقشته لعلاقة الدين بالسياسة في هذه الكتابات، من الإشارة إلى العديد من أوجه الالتقاء، خلاف ما قد يُعتقد، بين التجربتين. ويتمثل ذلك في دور رجال الدين، فقهاء هنا وقساوسة هناك. كما يتمثل، على الخصوص، في إشارات المؤلفين، المسلمين والمسيحيين، إلى مبدأ المماثلة بين الذات الإلهية والحاكم، وما يستوجب ذلك من ضرورة طاعة المحكومين لحاكميهم. ومع كل هذه التشابهات، كان لزاماً، مرة أخرى، تأكيد المسار المختلف لهذين الفكرين السياسيين، الذي سمح للجيل الثاني من مرايا الأمراء، على خلاف نظيرتها الإسلامية، بتكييف القيم ((الدينية)) مع المستجدات السياسية التي عرفتها أوربا المسيحية، وعلى رأسها تثبيت ((الملكيات الوطنية).

وفي فصل رابع، ناقش المؤلف الموضوع الأساس، الذي يشكل جوهر هذين الفكرين السياسيين، ويقصد بذلك حدود ومدى السلطة السياسية، التي يتمتع بها الملوك والأمراء، هنا وهناك، متسائلا على الخصوص، عن طبيعة العلاقة التي تجمع الحاكم بالمحكوم. ومن خلال مختلف نصوص الآداب والمرايا، تأكدت لنا السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها الحاكم، هنا وهناك. كما حاول إبراز كيف أن مختلف الخصال الأخلاقية، التي لا يمل مدونو هذه الأدبيات السياسية الإسلامية والمسيحية، من ذكرها، إنما يمكن اعتبارها ((رادعاً أخلاقياً)) والكابح الوحيد لسلطة تتطابق فيها الدولة وشخص الحاكم. وإذا كانت هذه الأدبيات في مجموعها تتفق في هذه النقطة بالذات، فإن الفارق بين التجربتين سيتضح مرة أخرى في استحضار المرايا المسيحية لــ ((القانون)) قواعد تلزم الحكام والمحكوم على السواء. فارق نوعي يعود، أساساً إلى تمكن المرايا المسيحية من الاستفادة من الإرث الإغريقي- الروماني، والتكيف مع المستجدات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي كانت تعتمل آنذاك في أوروبا، وفي مقدمتها التكون الجنيني للوحدات الوطنية، وظهور فئات اجتماعية جديدة بالتوازي مع الرغبة في التخلص من العوائق الفيودالية، وسلطة الكنيسة.

وبما أن الحديث عن سلطات الحاكم هو، ضمناً حديث عن خضوع المحكومين لهذا السلطان، خص المؤلف موضوع ((الرعية)) بحديث مستقل أبرز فيه، بدءاً، العديد من  أوجه الالتقاء بين مختلف هذه الأبيات، سواء فيما يتعلق بــ: ((الصورة)) الدونية للرعية، كما يقدمها لنا مدونو هذا التفكير السياسي، أو عندما يتحدثون عنها موضوعاً لــ: ((عدل)) الملوك والأمراء. ومع ذلك هنا يؤكد العلام أنه لا مفر من الإشارة إلى المسار المختلف لهذا المفهوم في التجربتين. فمقابل الظهور التدريجي لمفاهيم ((الوطن)) و((الشعب)) ومبدأ ((التعاقد)) و((المجالس التمثيلية))… ظلت الأدبيات الإسلامية، وإلى فترات متأخرة، تستنسخ التصور نفسه حول ((رعية)) من أول واجباتها ((اجتناب الخوض في أسباب السلطان)).

ولأن الحديث عن الدولة لا يكتمل في غياب الحديث عن أجهزتها، وبما أن الدولة، التي تتحدث عنها هذه الأدبيات السياسية، هي دولة أو دول العصور الوسطى، التي عرفتها أوربا المسيحية من جهة، والدولة أو الدويلات التي تعاقبت على الرقعة العربية- الإسلامية، كان لزاماً تخصيص فصل مستقل للحديث عن رجال الدولة، دنيويين ودينيين. وهكذا، ناقش المؤلف أولاً موقع رجال الدين، ومدى تأثيرهم في سلطة سياسية، يرون أنفسهم، فقهاء وقساوسةً، قيمين على شرعيتها ومشروعيتها. وأبرز عدداً من أوجه الالتقاء بين التجربتين فيما يخص العلاقة بين الدين ورجاله والدولة وسلطتها، في مدها وجزرها، في صراعها وتساكنها. كما وقف عند التقابل بين ما تسميه الأدبيات الإسلامية ((الخطط الدينية))، وبين ما أسمته الأدبيات المسيحية ((مهمة)) الكنيسة ورجالها. وفيما عدا نقاط الالتقاء هذه ستتضح الفوارق بين المسارين. فمقابل الاندحار التدريجي لرجال الدين في أوربا المسيحية لصالح مزيد من ((دنونة)) الدولة وأجهزتها، ظلت العلاقة نفسها، التي تحكم الدين والدولة، سائدة في التصورات الإسلامية.

يتضح هذا الفارق، بشكل بارز، عند الحديث عن جهاز الدولة الدنيوي. ففيما عدا الاتفاق الأولي بين هذه الأبيات، فيما يخص ضرورة هذا الجهاز للدولة، لا نجد غير اختلافات عميقة تؤكد، بالملموس، المسار الخاص لكلتا الحضارتين. ففي مقابل التحذير الدائم لأصحاب السلطان من مخالطة شخص لا يستقر له قرار، نجد الأدبيات المسيحية تحذر الملك نفسه من نفاق وتملق من يحيط به. وفي مقابل حث سلاطين الإسلام على إكرام حواشيهم وتعهدهم، تطالب الأدبيات المسيحية بالحد من النفقات الزائدة للبلاطات الملكية في محاولة لعقلنة التدبير المالي للدولة. والنتيجة ظهور بوادر تأسيس إدارة ((بيروقراطية)) محلية ووطنية تقوم على التعاقد وفكرة ((الشيء العام))، في مقابل استمرار حواشٍ سلطانية لا يتحكم في علاقتها بالملوك والسلاطين غير ((الولاء)).

من أروع فصول هذا الكتاب الذي خصصه عز الدين العلام لــ: ((نقد)) آداب الملوك الإسلامية، ومرايا الأمراء المسيحية على السواء. وكان من الطبيعي أن نستعين بمفكرين اثنين، مسلم ومسيحي، يجمعهما أكثر من رابط، وهما ابن خلدون (1332- 1406م) ومكيافيلي(N.Machiavel). يعترف الاثنان معاً بقرب موضوعهما مع ما صاغته هذه الأدبيات السياسية، غير أنهما، كل من جانبه، يرفض طريقة تفكيرها السياسي. يوضح صاحب ((المقدمة)) الوهم ((الأخلاقي))، الذي يلازم كتب نصائح الملوك باعتماده على ((طبائع العمران))، و((أطوار)) الدولة السلطانية التي لا ترتفع، ليحجم من ثَمَّ، عن كل رغبة في إصلاح دولة لا يسعفها التاريخ. كما يوضح صاحب (الأمير) أنّ المجال السياسي لا تتحكم فيه أية أخلاق مفترضة. وبدل سلطة الأخلاقهذه، يطور مكيافيلي مفهومه لــ: ((أخلاق السلطة))، وبدل ((الالتزام الأخلاقي)) الموجود في عمق هذه الأدبيات، يطور فكرته عن ((التظاهر))(Le paratitre) الأخلاقي عبر ((جدلية الظاهر والباطن))، فاتحاً بذلك، على خلاف ابن خلدون، الطريق نحو إصلاح الدولة، وتأكيد فعالية الإرادة السياسية.

وإذا كان هذا النقد الخلدوني والمكيافيلي، لا يطرح مشكلاً فيما لو تم حصر كل واحد منهما في تربته التي انبثق منها، فإن الأسئلة تصبح أكثر تعقيداً فيما لو حاولنا الاستعانة بابن خلدون في نقد ((المرايا المسيحية))، أو الاستعانة بمكيافيلي في نقد ((الآداب الإسلامية)). والواقع أن نقد المرايا المسيحية انتهى نظرياً وعملياً، وأصبحت هي نفسها جزءاً من تاريخ مضى وانقضى. فقد كان الفكر السياسي الحديث بدءاً من مكيافيلي جواباً نهائياً على مرايا الأمراء، وكان التأسيس الفعلي للدولة – الأمة الحديثة (L’Etat- nation) الضربة القاضية على المرتكزات الأخلاقية والدينية، التي شكلت عصب المرايا. وحتى لو كان ممكناً الاستعانة بالنقد الخلدوني في نقد مرايا الأمراء، فإنه يظل مكتوف الأيدي أمام المستقبل، وهنا الفارق الكبير مع النقد المكيافيلي الذي أسعفه التاريخ، فآمن بفاعلية الإرادة السياسية في تغيير الأوضاع.

ويبقى السؤال الأساس: في رأى عز الدين العلام: ما موقع آداب الملوك من النقد المكيافيلي، بل النقد اللاحق لمفكري ((الأنوار)) أيضاً؟ من المؤكد أن هناك من سيعترض على مثل هذه المقاربة بحجة اختلاف الحضارات والتذكير بــ: ((الخصوصيات)). ولكن، ما المانع من المحاولة؟ كيف لنا أن نغض الطرف عن ((نقد)) يوضح محدودية الأدبيات السياسية الإسلامية؟ كيف لنا أن نهمل ((نقداً) ينزع عن دولة السلطان حجابها؟ ماذا يمنعنا من الاستعانة بتصورات ومفاهيم سياسية توضح ((تأخراً تاريخياً)) فادحاً، وتفتح آفاقاً جديدة؟ وأخيراً، ألا يستلزم نقد ((الثقافة السلطانية))؛ التي لا تزال حاضرة، بشكل أو بآخر، التسلح ليس بالنقد المكيافيلي فحسب، بل بكامل الفكر السياسي الحديث، من أجل نقد وتفكيك فكر وثقافة سياستين، كل وقائع اليوم تبرز ضرورة تجاوزهما.

يجيب عز الدين العلام على هذه التساؤلات بأن الأمر يتعلق إذاً، بدراسة تحليلية مقارنة لتراث سياسي غطى فترات طويلة من العصر الوسيط بشقيه العربي الإسلامي، والغربي المسيحي. غير أن ما ينبغي تأكيده هنا، ولا سيما أن موضوع البحث يتعلق بفكر سياسي ارتبط بمراحل تاريخية انقضت وانتهت وقائعها، هو أننا لا نبتغي من ورائه التأريخ للوقائع أو للأفكار، وليس ذلك من اختصاصنا. من المؤكد أن البحث لا يمكنه أن ينفلت من التاريخ، ومحدداته اللازمة لاستيعاب هذا التراث السياسي. ومع ذلك، إن دراستنا هذه تبقى أقرب إلى مجال العلوم السياسية منه إلى العلوم التاريخية، على اعتبار أن ما نسعى إليه هو تجلية البنية العامة التي تتحكم في مختلف التصورات السياسية لهذه الآداب في نسختيها الإسلامية والمسيحية، وتوضيح أوجه التطابق والاختلاف حسب الحالات، ودون أي ادعاء بضبط العلاقة بين تاريخ الأفكار وتاريخ الوقائع؛ مما يمكن أن تقوم به أبحاث أخرى مستقلة.

*المصدر: التنويري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

التعليقات