حماية العربية بين التفاخر القومي المتناقض وواقع مصادر الاكتساب

راديو النجاح – حماية العربية بين التفاخر القومي المتناقض وواقع مصادر الاكتساب – فاطمة وشاح

 

صادف أمس الموافق الثامن عشر من كانون الأول اليوم العالمي للغة العربية، إذ قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاريخ ذاته من عام 1973 اعتبار العربية واحدة من اللغات الرسمية، وذلك طبعا بعد ضغط دبلوماسي عربي استغرق سنوات، وقد يبدو احتفاء العرب بالعربية حسب اليوم المحدد من الأمم المتحدة غريبا ومستهجنا وقد نشرت في موقعها الإلكتروني مقالا عن العربية تقول فيه: “فضلا عن أنها اللغة الرسمية في كل دول الوطن العربي، فهي كذلك لغة رسمية في تشاد وإريتيريا وإسرائيل”، جملة كهذه لم تمنع العرب من اجترار التباكي على اللغة والفخر بالقومية والهُوية في هذا اليوم تحديدا، وكأنه لا مشكلة في أن يحدد الآخرون أيام احتفالنا بهويتنا، بل يعرّفوا لنا أيضا هويتنا ولغتنا، ويتغاضون عن اعتبار ما يسمونه إسرائيل كيانَ احتلال لا دولة، فهم كما يشير إدوارد سعيد دائما: يقدمون أنفسهم على أنهم أعلم بنا منا. وهنا يقفز إلى الذهن سؤال مهم، ماذا فعلنا نحن للعربية في الأردن؟!

أنجز مجمع اللغة العربية الأردني قانون حماية اللغة العربية رقم 35 عام 2015 وصادق عليه مجلسا النواب والأعيان، وقد أكد القانون على بنود عدة أهمها استخدام اللغة العربية السليمة من الأخطاء في معاملات ووثائق المؤسسات المختلفة الحكومية والخاصة، وفي الإعلانات وأسماء المحال التجارية، بالإضافة إلى استخدام العربية في ندوات واجتماعات المؤسسات المذكورة في القانون. وقد بذل المجمع جهودا كبيرة في تفعيل هذا القانون فعقد الاجتماعات وتواصل مع المؤسسات المعنية ووقع مذكرات تفاهم معها، وعلى الرغم من كل هذا ما زلنا نجد مخالفات كثيرة أولها في اجتماعات رئاسة الوزراء، علما أن قانون حماية العربية لم يستثنِهم من التنفيذ.

بالطبع لا تقتصر المخالفات على ذلك؛ إذ يمكن رصدُها في كل مكان بدءا من الشارع وصولا إلى المؤسسات التعليمية وأقسام اللغة العربية في الجامعات والتي يجب أن تكون مثا الالتزام في تطبيق هذا القانون، تحدثنا تسنيم خطاب خريجة الدكتوراة من قسم اللغة العربية وآدابها عن تجربتها (حقيقة أنا لا أرتضي نهج التدريس في جامعتي وسأدلي دلاء خبرتي وذلك بدراستي الماجستير ثم الدكتوراه، فأن تكون طالب دراسات عليا في قسم لا يراعي فكرة الجزء والتخصصية أمر مؤسف حقا وهذا الأمر يجعل الطالب يعاني من قلة التحصيل في تخصصه إذ لا رافد له لا مواد خصصت له تفي أن يقتحم غمار هذا التخصص).

لا يقتصر الخلل بطبيعة الحال على الجامعة فهو متراكم من مراحل المدرسة، تؤكد ذلك نسب النجاح في امتحان مستوى اللغة العربية لطلبة البكالوريوس المستجدين، ففي الجامعة الأردنية على سبيل المثال انخفضت نسبة النجاح من 81% عام 2015 إلى 55.22 % عام 2019 وذلك حسب اطلاعنا على النسب لخمس سنوات متتالية. 

تعزو أصوات كثيرة هذا التراجع إلى عدم الاهتمام بالعربية كمؤهل أساسي في سوق العمل الذي صار يوجه خيارات الطلاب، إذ تقول الدكتورة سمية الشوابكة من مركز اللغات في الجامعة الأردنية عن تطوير اللغة العربية وتفعيل استخدامها (إن التماس التطور مبدأه بالاحتماء باللغة القومية وليس بالهروب منها والخلاصة لا بد من أن تحمى اللغة العربية والحماية مسؤولية متبادلة بين المواطن ولغته).

لا يوجد من يعارض ارتباط اللغة بالقومية أو الهوية، إلا أن كل المؤتمرات والكتب التي تعقد باسم هذا الارتباط لم تستطع أن تثني دائرة الأحوال المدنية عن إصدار بطاقات هوية شخصية تحتوي أخطاء فادحة، وأكثر الأمثلة شيوعًا سقوط تاء التأنيث المربوطة من أسماء الإناث في الأردن! عائشة التي سقطت تاء تأنيثها من هويتها الشخصية لعدم وجود مدقق لغوي في دائرة الأحوال المدنية عانت أيضا عندما أرادت تصديق شهادات الخبرة التي حصّلتها مكتوبة بالإنجليزية، فوزارة العمل لا تقبل شهادات إلا بالعربية ولا توفر مترجما في الوزارة، فاضطرت عائشة إلى الترجمة عند مكتب خاص تعتمده الوزارة، ودفعت سبعة دنانير عن ترجمة كل شهادة!

لافتة شارع الاستقلال الكبيرة التي كتبت فيها الهمزة قطعا لا وصلا ليست إلا مثالا بسيطا على فظائع ما نشاهده في الشارع العام من أسماء المحال التجارية والإعلانات، وللوقوف على هذا الموضوع تحدثنا أولا مع الناطق الإعلامي لأمانة عمان ناصر الرحامنة حيث قال “القانون لم يوكل الأمانة بل وضع فقط مخالفة دون توكيل شخص معين بتنفيذها.
وأضاف أن الأمانة تعتمد نظام المهن والإعلانات، فإن لم يطابق الاسم التجاري السجل تصدر مخالفة، والسجل من اختصاص وزارة الصناعة والتجارة التي يفترض لا تعطي سجلا إلا بالعربية فهي مخولة بتنفيذ قانون اللغة العربية. 

وبعد مراجعة وزارة الصناعة والتجارة للاستيضاح فهمنا أنها تعتمد على قانون الأسماء التجارية رقم 9 الصادر عام 1953، وقانون العلامات التجارية والملكية الفكرية، إذ تقبل الوزارة كتابة الاسم التجاري باللغة العربية سواء كانت عامية أم فصيحة، وتمر الموافقة على اسم السجل التجاري بموظفين كثر ليس بينهم مدقق لغوي يصحح الأخطاء الواردة في الأسماء.

هذا التخبط أعادنا إلى مجمع اللغة العربية حيث قيل لنا إن القانون يحتاج إلى إصدار نظام من الدولة يحدد الجهة التي تملك صلاحية رفع الدعاوى على الجهات المخالفة وقبض الغرامات.

بعد كل هذا يبدو أن القانون لم يصبح فاعلا بما يكفي لحماية اللغة العربية، كذلك لا يمكن التعويل على المؤسسات الأكاديمية كثيرا، هنا يفرض سؤال مهم نفسه: كيف نتعلم العربية؟ وما هي مصادر تعلمها؟ 

قد لا يخفى على أحد الآن أن الشباب باتوا يتجهون إلى مصدرين أساسيين هما: الإنترنت وقراءة الكتب إما بصورة فردية أو ضمن نوادي القراءة التي أصبحت تشكل حالة شبيهة بالصيحة الثقافية، وبما يخص الإنترنت يلح علينا سؤال المحتوى، وبهذا الشأن تحدثنا إلى مريم الصفدي: “بحكم عملي محررة ومدققة في بعض المواقع الإلكترونية التي تعنى بإثراء المحتوى العربي على الإنترنت لاحظت أن هناك تركيزا على الكم على حساب النوع والجودة، فضلا عن أن الذين يضيفون هذا المحتوى ليسوا في أغلب الأحيان مختصين فيما يكتبون مما يؤثر على موثوقية هذه المواقع وقيمتها المعرفية، لكن في نفس الوقت فإن بعض هذه المواقع يحاول مؤخرا أن يوظف أناسا مختصين في المجالات التي يكتبون فيها وهذه خطوة جيدة نحو تقدم هذه المواقع.

 ليث علاونة رئيس هيئة المديرين في الموقع الإلكتروني (بالعربي) قال إن نسبة المحتوى العربي على الإنترنت لا تتجاوز 6% من المحتوى الموجود بكافة اللغات، إلا أن المشكلة ليست في الكم بل في نوع المحتوى ومصداقيته. وقال إن ما يعيق إثراء المحتوى عدم وجود مدونة سلوك ضابطة وتشريعات تعامل نشر المحتوى كفعل، وأضاف أنه لا يجوز السماح لشركات مسجلة في الأردن بتقديم محتوى مسيء ومغلوط لأن ذلك إساءة للأردن واللغة التي يحميها الدستور وإساءة للمواطن ولكل قارئ.

ويقول علاونة إن المال من أهم معيقات إثراء المحتوى إذ يذهب للمواقع التي تعتمد على جلب مشاهدات خيالية واصطياد الزوار بطرح عناوين غير دقيقة، وبالتالي فإن المعركة تصبح غير متكافئة (من يقدم محتوى حقيقي رصين مفيد لا يكسب ومن يقدم محتوى هزيل سيء مسيء هو يكسب فهنا أيضا الكف لا تكون في مصلحة إنتاج المحتوى الحقيقي). 

مشاكل الكم والنوع وعامل المال تنطبق أيضا على سوق الكتب، وقد سألنا الكاتب وصاحب دار النشر إلياس فركوح عن رأيه بهذا الشأن، حيث أكد لنا أن الإقبال على الكتب المتخصصة والعلمية قليل مقارنة بالإقبال على الكتب الأدبية لا سيما الرواية والقصة، والتي تكون بجودة منخفضة إلى متوسطة بأحسن الأحوال، لأن الكتاب يستستهلون كتابتها دون وعي بالأدوات الفنية. تؤكد هذا الرأي أرقام المكتبة الوطنية، إذ تُنشَرُ كل سنة أعدادٌ كبيرة من الكتب معظمُها في حقل الآداب ثم العلوم الاجتماعية، أما العلوم الطبيعية والمتخصصة فتكون غالبا الأقل عددا. 

إن الناظر في عدد الكتب المنشورة خلال عشرة أعوام يلاحظ تزايدها المستمر (فمما يقارب 1800 كتاب منشور في عامي 2009 و2010 وصل معدل النشر إلى 2500 كتاب في السنوات الثلاث اللاحقة، ليقفز الرقم خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى 3500 كتاب منشور) حلا السويدات المدققة والمحررة في دور نشر عدة تقول إن كثرة دور النشر والكتب والكتاب لا تعني الجودة وتضيف قائلة: (الملاحظ أن دور النشر أصبحت تتجه إلى اتجاه رأسمالي وتكوين شركة ربحية مما يحدد سياستها في العمل ومعاييرها).

 إذن يبدو أن الإنتاج اللغوي المنشور في الكتب وعلى الإنترنت في حالة خطر نوعا أكثر منه كما، سواء من حيث سلامة اللغة أو جودة المضمون، فإذا وضعنا هذا إلى جانب القصور في تفعيل قوانين وأنظمة حماية العربية والتحفظات الكثيرة على التعليم المدرسي والجامعي، فالأمر يعني أن المصادر التي يعتمد عليها الجيل في استقاء المعرفة اللغوية فشلت حقا في التأثير السليم؛ وكأن حال اللغة العربية كالمتنبي الذي يشتكي الحمى، وقد بات يتمشى خارج الزمان في شوارع المدن الأردنية ليرى ما لا يرى من الأخطاء المضنية، ويقول:

ولم أرَ في عيوبِ النّاسِ شيئًا            كنَقصِ القادرينَ على التّمامِ