أدبالمقالات

الدون كيشوت والربيع العربي

منار فرج الله


راديو النجاح – الأكثر شهرة هو مجهول أكثر؛ كلَّما كانت شخصيَّة في كتابٍ ما مشهورة، كلَّما كانت لها صور أكثر؛ حيث يعطي رأيه فيها مَنْ قرأها قراءةً حقَّة، ومن سمِعَ عنها بشكلٍ عابر، أو من قابلها على هيئةٍ ما، فَلم يحبّ أن يغيِّرها فأسقطَ عليها ما أراد. وهذا ما حدث مع شخصيَّة الدون كيشوت التي كانت نشأتها الأولى على يد ميغل دي ثيرفانتس سابيدرا في كتابٍ بعنوان (دون كيشوت).

دون كيشوت ميغل دي ثيرفانتس 

ألونسو كيخانو الذي سيختار لاحقًا اسم دون كيشوت دي لامانشا. رجلٌ هزيل، طويلُ القامة، يملكُ حصانًا أعجفَ يخرج معه إلى الصيد قبل أن يمضي جُلَّ وقتهِ في قراءة كتب الفروسيَّة؛ ما يجعله ينسى فنون الصيد. جاعلًا بيته مكدَّسًا بالكتب، موصلًا ليله مع نهاره وهو يقرأ، دونما انقطاع. ما أدَّى به إلى خلط الواقع بالوهم فأصبح مجنونًا تجري على لسانه الحكمة. تَوصَّل إلى أنَّه سيُقدِم على رحلةِ فروسيَّة نُصرةً للمكلومين.
يقول:(من المستحسن والضروريّ سواء لخدمة شرفي أو لخدمة البؤساء، أن أتحوَّل إلى فارسٍ متجوِّل.
سأقطع العالم حاملًا سلاحي، ممتطيًا حصاني، بحثًا عن المغامرات. وفي ممارستي فنون الفروسيَّة المتجوِّلة، سأُرجعُ الحقَّ إلى أصحابه). ومن هنا بدأت رحلته ممتطيًا حصانه الذي أطلق عليه اسم روثينانته، آخذًا معه أسلحة أجداد أجداده، دلالة على أنَّ زمن الفروسية قد ولَّى منذ قرون. مُتَّخذًا سانشو الفلاح الساذج رفقيًا. خائضًا معاركه، يقاتِلُ فيها الطواحين متوهّمًا أنّها شياطين تسبَّبت في جلب الشرِّ إلى العالم، ورأى قطيعًا من الأغنام ظنَّ أنَّها جيشٌ يهمُّ في إشاعةِ الفساد، فقتلَ عددًا منها؛ بما استولى عليه من استيهامات، فضلًا عن غيرها من المعارك الوهميَّة.


دون كيشوت (يسارًا) ورفيقه سانشو (يمينًا)

لِقائي الأول بِدون كيشوت

كانَ لِقائي الأوَّل بـــــــ’’دون كيشوت‘‘ عبر قصيدة  ’’رحلة دون كيشوت الأخيرة‘‘ لممدوح عدوان؛  شخصيَّة على عكس ما أوجدها ثيرفانتس، شخصيَّة اتَّجهت للموت لا لتُلقي نفسها إلى التَهلُكة؛ إنَّما لتقاومه بما يتوفَّر لديها من أدوات فروسيَّة، شخصيَّة خَبُرت الانهيار العام للقيم، فما كان بإمكانها تجاهله فذهبت، من فورها، في رحلة فروسيَّة تتغيَّا مواجهة هذا الانهيار، على الرغم من إدراكها أسباب خسارتها في معركتها وسيرها نحو المنفى، مُتوَعِّدة مِمَّن حولها بضحكاتٍ استهزائيَّة بعد عودتها من معركةٍ خاسرة، متأبِّية في عالم يسوده الظلم والطغيان، فَعمدت إلى التصدق بما لديها مِن بقايا قوَّة، لتضميد جراح المكلومين.

يقول ممدوح عدوان في كتابه ’’ نحن دون كيشوت‘‘ الذي جسَّدته قصيدته ’’رحلة دون كيشوت الأخيرة‘‘ مستحدثًا انزياحًا عن دون كيشوت ثيرفانتس:(لم يعد من الضروري الوقوف عند الصورة التي كتبها ثيرفانتس. هناك فرق كبير بين دون كيشوت الذي كتبه ثيرفانتس ليسخر منه، أو لأي هدف آخر، وبين دون كيشوت الذي صار ملكنا، وحملناه في مخيّلاتنا، وأخضعناه لتصوّراتنا، وصرنا أحرارًا  في أن نعيد صنعه وصياغته. ويمكننا القول إنَّ لكل منَّا دون كيشوته الخاصّ به سواء كان قد قرأ الرواية أم لم يقرأها، وسواء اعتمد على الصورة التي في الكتاب أم لم يعتمد، وسواء اعتمد على تفسيره الخاص لما في الكتاب، أم أسقطَ على الكتاب ما يريده). ولعلَّ شخصيَّة الدون كيشوت التي في القصيدة أقرب للشعوب العربيَّة التي خاضت تجربة الربيع العربي.


الفارس دون كيشوت حاملًا كتابه

الدون كيشوت والربيع العربي

كلما وقعت عيناي على صورةٍ أو تمثال للدون كيشوت أو قصيدة ممدوح عدوان ’’رحلة دون كيشوت الأخيرة‘‘، تذكَّرتُ الربيع العربي؛ (بلادٌ مات فتيتها لتحيا) –تبعًا  لتعبير الشَّاعر أحمد شوقي- شبابٌ نهضَ في رحلةٍ لَربّما لم يتوقَّع أن تكون طويلة، لكن الأكيد أنَّهُ كان يعرف أنَّ عوائدها قليلة. رحلةٌ دمويَّة وأعداءٌ بعدد الطواحين وأكبر حجمًا، لم تكن مدفوعة بتفاؤلٍ ساذج ولا يأس قاتل، وإنَّما يحدِّدها تفاؤلٌ مأساوي إن جاز القول. فأن تقاتلَ في معركةٍ خاسرة خيرٌ من الانصياع والرّضا بالذلِّ والسُّقوط في مهاوي العَدَم.


الثورة السوريَّة انطلقت في 18 آذار/مارس 2011


الثورة المصريَّة انطلقت في 25 يناير 2011


الثورة التونسيَّة انطلقت في 17 ديسمبر 2010


الثورة اليمنيَّة انطلقت في 17 فبراير/شباط 2011

ما يُقرِّب شخصيَّة الدون كيشوت من الشباب العربي في نظري، أنَّهُ كان يتَّجه إلى موته لا لغرض الانتحار؛ إنَّما ليقتل اليأسَ في قلوب المعدمين، وقتل الأمل في قلوب الظالمين. ويجعل العالم أقرب من تحقيق الغاية التي نهضَ لأجلها، تلك الغاية السامية، كأن تشعر بأشعَّةِ الشَّمس تضربُ عنقك في صحراءٍ قاحلة، فتزرع بذرة لشجرة تقي مَن يأتي بعدك ممَّا عانَيت وقاسيت.

اظهر المزيد

التعليقات